العربية

إلى أين تتجه خيارات القوة واتجاهات التنافس والصراع؟

يدخل العالم مرحلة جديدة من التفاعلات الإقليمية والدولية، تختلف شكلًا ومضمونًا عما كان قائمًا منذ سنوات طويلة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، فما يجري في قطاع غزة من ترتيبات أمنية واستراتيجية تُخطط لها إسرائيل، سيكون بمثابة استراتيجية عمل للتعامل القادم في صراعات الإقليم الأخرى، من خلال توظيف القوة في حسم هذه الصراعات، وفي ظل  حالة عدم  الاستقرار والسيولة الأمنية الراهنة، فقد تؤدي هذه الاستراتيجية الإسرائيلية إلى تمدد الصراع إلى بقاع أخرى، في العراق أو سوريا أو حتى داخل الضفة الغربية، وفي دول الجنوب وفي مناطق التماس.

وسيتزامن ذلك مع (أو بالأحرى سيؤدي إلى) صعود دور الفاعلين المسلحين من غير الدول، ويُدلل على ذلك طبيعة التحركات الراهنة للحوثيين ولحركات مثل حماس والجهاد، والذين قد يلعبوا أدوارًا مركزية، سواء في تسوية أو تصعيد الصراعات، فضلًا عن تزايد التركيز على إعادة بناء تحالفات عسكرية جديدة، مثلما فعلت الولايات المتحدة حينما أعلنت عن تشكيل ترتيب أمني جديد في منطقة البحر الأحمر لمواجهة الهجمات الحوثية على السفن.

وتستمر هذه الصراعات الإقليمية في ظل سياق عالمي يتسم بالغياب الواضح لدور التنظيم الدولي، وعدم فاعليته، وهو الأمر الذي كشفته بوضوح الحرب في أوكرانيا، والحرب في غزة، حيث تراجع دور مجلس الأمن، وأصبح جزءًا من المشكلة وليس الحل، في ظل قدرة القوى الكبرى على تعطيل أي حلول مطروحة باستخدام حق النقض، وكذلك أن مجلس الأمن أصبح بمثابة المؤشر الواضح على التحول في بنية النظام الدولي نحو نظام متعدد الأقطاب، وهو ما سيوجد الفرص للمزيد من المواجهات والصراعات.

ويبدو أن الولايات المتحدة أصبحت أقل اهتمامًا بوضع قواعد لتسيير العالم، أو بكونها القوة الدولية المهيمنة الوحيدة، ومهندسة التجارة والاقتصاد في العالم، أو حتى المشجعة للقيم العالمية، بالرغم من حالة التنافس التي تسعى الولايات المتحدة إلى كسبها، ويتأسس هذا التحول – إن جاز لنا أن نسميه كذلك – على الإدراك الأمريكي بأن البلدان والقوى الأخرى أصبحت أكثر قوة، وقادرة بشكل متزايد على تجاهل القواعد التي لا تتماشى معها، بما في ذلك الأمريكية منها.

ومن أبرز المؤشرات الدالة على ذلك الطبيعة المعقدة للصراعات المختلفة، بما في ذلك في أوكرانيا وغزة، وكذا اتجاهها نحو بناء سياسات جديدة بخصوص تحركاتها في مجلس الأمن والأمم المتحدة، حيث أصبحت واشنطن أكثر اهتمامًا بإعادة تدوير الآراء، وحشد المواقف في كل قضية او موضوع مطروح، مع محاولة تحجيم الدورين الصيني والروسي، عبر آليات جديدة، قد تتضمن الدعوة إلى (أو تبني ما يتم طرحه بشأن) إعادة هيكلة عدد من المؤسسات والمنظمات الدولية، بالطريقة التي تضمن فرض هيمنتها السياسية والدبلوماسية.

وقد تؤدي هذه التحركات الأمريكية إلى تداعيات عديدة ستشمل كل الأطراف والمناطق، وربما نشهد خلال السنوات المقبلة إعادة توزيع مناطق النفوذ بين القوى الكبرى، وفقًا لمعادلات السياسة والقوة، والارتباطات السياسية والاستراتيجية المعتادة، وفيما يتعلق بالعلاقات بين الأقطاب الدولية، فمن المهم الإشارة إلى أن الولايات المتحدة – بالرغم من تحركاتها النشطة – لا تزال تختبر إطارًا جديدًا لعلاقاتها بكل من روسيا والصين، يجمع بين الإجراءات المباشرة وغير المباشرة، مع تزايد التركيز على الحضور الأمريكي اقتصاديًا واستراتيجيًا عبر سلسلة من التفاهمات مع الحلفاء والشركاء القريبين، مثل بريطانيا وأستراليا واليابان، كما ستمتد آثار هذه التحركات والسياق العالمي المضطرب إلى بعض الملفات الأخرى، بما في ذلك الانتخابات الأمريكية، ومستقبل حلف الناتو، والجهود الروسية لتعزيز أدوار منظمة معاهدة الأمن الجماعي.

وبالرغم من هذا الإدراك الأمريكي أو الواقع الدولي، فإن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بكونها صاحبة الدور الأمني الأهم في العالم، وتأمل أن تظل كذلك على الأقل خلال العقد القادم، لكن ذلك الأمر قد لا ينطبق على أدوارها وهيمنتها الاقتصادية، وستصبح حينئذ – وكذا النظام الاقتصادي الغربي – مجرد قوة ضمن قوى اقتصادية عالمية عديدة.

ويعني ما سبق أننا سنكون أمام تحولات مهمة، إقليميًا ودوليًا، حيث يتم الانتقال من الاعتماد على الطرف الرئيسي – سواء إقليميًا أو دوليًا – لحل أو تسكين الصراعات إلى محاولة فرض الخيارات وحماية المصالح باستخدام القوة، وكذلك تزايد تعقيد الصراعات الدولية الراهنة، وعدم وجود فرص حقيقية للحل أو التعامل معها بشكل حاسم، بل قد نشهد ميلاد صراعات جديدة على أثر البيئة الدولية التنافسية والمتقلبة، لتصبح هذه البيئة مشابهة إلى حد كبير ما كان يجري إبان مرحلة الحرب الباردة.

general ashraf
ردع أم استعداد للتدخل: مناورات الناتو في شرق أوروبا
general khaled
هل تلتزم اسرائيل بقرار محكمة العدل الدولية؟
general ashraf
مضيق باب المندب، وأثره على أمن واستقرار البحر الأحمر
general khaled
بناء الجمهورية الجديدة ومتطلبات الأمن القومي المصري
Scroll to Top