العربية

ارتدادات التصعيد: التكلفة الاقتصادية للوجود العسكري في البحر الأحمر

نفذ الحوثيون أكثر من 27 هجومًا منذ 19 نوفمبر الماضي على السفن التجارية العابرة في البحر الأحمر باستخدام طائرات بدون طيار وصواريخ مضادة للسفن، وهو ما ترتب عليه إعلان الولايات المتحدة في 18 ديسمبر 2023 عن عملية “حارس الازدهار” التي يشارك فيها العديد من الدول، للتصدي للهجمات الحوثية في البحر الأحمر وحماية التجارة الدولية، ويثير ذلك الأمر أسئلة متعددة بشأن التكلفة الاقتصادية لمثل هذه العملية بالنسبة للدول القائمة عليها.

الآثار الاقتصادية للهجمات الحوثية:

أدت الهجمات الحوثية المتكررة إلى اضطرابات في حركة التجارة العالمية، حيث انخفض حجم التجارة العالمية بنحو 1.3% من نوفمبر إلى ديسمبر 2023 (حسب تقرير معهد “كايل ” الألماني)، وانخفض حجم الحاويات المنقولة في هذه المنطقة بأكثر من النصف، كما ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين عليها، ومدة نقل البضائع بين شرق آسيا وأوروبا، وأصبحت الواردات والصادرات في بعض الحالات أقل مما كانت عليه في شهر نوفمبر 2022، كما تأثرت حركة سلاسل الإمداد حول العالم.

فيما أعلن عدد من شركات الشحن البحري العالمية، من أهمها: شركة “أيه بي مولر ميرسك” وشركة “هاباج لويد”، عن وقف استخدام الممر الملاحي في البحر الأحمر وتحويل مسار سفنها، كما أعلن عدد من شركات النفط، منها شركة “شل”، عن وقف عبور ناقلات النفط التابعة لها البحر الأحمر، مما أثر على أسعار النفط العالمية بسبب ارتفاع تكلفة النقل.

تكلفة الذخيرة والإمدادات:

بالرغم من التفوق العسكري للأسلحة التي تحوزها القوات الأمريكية والبريطانية، وتوظيف ذلك التفوق في مواجهة الهجمات الحوثية، إلا أن هذه القوات أظهرت حرصًا بالغًا على تحري الدقة سواء في ضرباتهم الموجهة للحوثيين أم في التصدي لهجماتهم، ويرجع ذلك إلى ارتفاع تكلفة الذخيرة المستخدمة في ذلك، حيث تم استخدام صواريخ من طراز “Tomahawk Cruise Missile” الذي يوفر دقة كبيرة في تحديد الهدف مع القدرة على تغيير الهدف في منتصف الرحلة، أو تتبع هدف متحرك، ولكن تأتي تلك المميزات بتكلفة عالية تبلغ حوالي 2 مليون دولار لكل صاروخ، كما تستخدم بريطانيا صواريخ “Storm Shadow Cruise Missiles” الذي تبلغ قيمة الصاروخ الواحد نحو 2.5 مليون دولار، وله قدرة على اختراق التحصينات الخرسانية، حيث يُستخدم ضد مراكز القيادة والسيطرة والدُشم.

بالإضافة إلى ما سبق، توجد ترسانة أسلحة أخرى بملايين الدولارات تُستخدم أو يمكن استخدامها في حالة تزايد التصعيد، منها صاروخ الهجوم الأرضي الموجه بالأشعة تحت الحمراء “SLAM-ER”، الذي تبلغ تكلفته نحو 3 مليون دولار، ولديه القدرة على استهداف المواقع العسكرية والاستراتيجية والسفن الحربية، ويصل مداه إلى 270 كيلومتر.

تكلفة وأنواع الصواريخ الأمريكية والبريطانية التي يمكن استخدامها ضد الحوثيين

Source: www.thenationalnews.com

وبالإضافة إلى ذلك، تمتلك الولايات المتحدة أقوى قدرات جوية في العالم، حيث تتمركز أكثر من 40 طائرة من طراز “F/A-18 Hornet” على متن حاملة الطائرات الأمريكية “أيزنهاور” الموجودة حاليًا في البحر الأحمر، فضلًا عن وجود سفن حربية أخرى، ويمكن لتلك الطائرات شن هجمات متعددة على مناطق تمركز الحوثيين، فيما يمتلك الجيش الأميركي عددًا كبيرًا من الطائرات من دون طيار بوصفها جزءًا من فرقة قوة المهام المشتركة 153، وفي ذات السياق تتواجد المدمرة البريطانية “دايموند” التابعة للبحرية الملكية، والفرقاطة الفرنسية متعددة المهام “لانغدوك”.

ويتطلب استمرار انتشار ووجود السفن الحربية في منطقة البحر الأحمر تكلفة إضافية تتعلق بالإمدادات اللوجيستية من تعيينات ومياه وذخيرة ووقود، إضافةً إلى احتمالات تغيير الطواقم العاملة بتلك السفن، أو حتى تغيير السفن الحربية نفسها، مما يزيد من عبء التكلفة على الميزانيات العسكرية للدول المشاركة في عملية “حارس الازدهار”، لاسيما مع عدم اتضاح توقيت وقف الأعمال الحربية في البحر الأحمر.

ويؤخذ في الاعتبار احتمالية تنويع وتوسع الحوثيين في هجماتهم على السفن، وعدم الاقتصار على منطقة باب المندب، وذلك من خلال استهداف السفن في خليج عدن وبحر العرب، خاصةً أنهم قد استهدفوا بالفعل سفينة ترفع علم جزر مارشال، التي تملكها الولايات المتحدة وتديرها، وذلك في خليج عدن، وهو ما يشير إلى الحاجة لنشر السفن الحربية على امتداد مناطق سيطرة الحوثيين، في البحر الأحمر وخليج عدن، أو حتى استقدام سفن أخرى بتلك المناطق لتغطية الرقعة الجغرافية المتسعة للصراع.

الأسلحة والذخيرة الحوثية:

استولى الحوثيون على الكثير من معدات الجيش اليمني، بجانب أسلحة أخرى زودتهم بها أطراف إقليمية، وفي حين أن الكثير من المعدات العسكرية تعود إلى الحقبة السوفيتية، إلا أن أغلبها لا تزال قادرة على إثبات فعاليتها، منها صواريخ أرض-جو من طراز ” SA-6″، التي تبلغ تكلفتها 700 ألف دولار، كما يمتلك الحوثيون صواريخ “Strela” المحمولة قصيرة المدى، وتوفر خيارًا جيدًا للحوثيين، بتكلفة محدودة تبلغ 40 ألف دولار للصاروخ، وقد يستخدمون صواريخ جو-جو “R-27″ و”R-73” الروسية التي تم تحويلها وتطويرها لنظام أرض–جو، ومن الأسلحة التي يعتمدون عليها المسيرة “صقر 358” المجهزة بمحرك نفاث يمكنه إسقاط طائرات أخرى بدون طيار، وتبلغ قيمة هذه المسيرة نحو 50 ألف دولار.

فرق التكلفة بين الطرفين:

بناءً على الفرق الملحوظ في التكلفة الاقتصادية للدفاع والهجوم في البحر الأحمر وذلك بين القوات الحوثية وبين القوات الدولية، فإن عملية حارس الازدهار التي تقودها الولايات المتحدة تعتبر عملية مكلفة، خاصةً إذا ما استمرت الأصول العسكرية في التصدي للهجمات الحوثية لضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر لفترة كبيرة، وإذا ما توسع نطاق الحرب، مع الأخذ في الاعتبار احتمالية ظهور تهديدات جديدة في مضيق هرمز، لتخفيف الضغط على الحوثيين.

وتضاف تكلفة عملية حارس الازدهار إلى التكاليف الأخرى التي تواجه الولايات المتحدة، والمتمثلة في الدعم العسكري الذي تقدمه لإسرائيل، الذي يتجاوز 3 مليار دولار سنويًا، بالإضافة إلى الحزمة الاستثنائية البالغة 14 مليار دولار التي هي قيد المناقشة، هذا بخلاف الدعم العسكري لأوكرانيا، الذي بلغ نحو 75 مليار دولار منذ بداية الحرب، بما يمثل عبء إضافي على ميزانية الدفاع الأمريكية، كما تضيف تلك العملية عبء على ميزانية الدفاع البريطانية، حيث تعهدت بريطانيا بنحو 3 مليار دولار مساعدات عسكرية لأوكرانيا في 2024/2025.

الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة قد زادت من حجم ميزانية الدفاع المقررة للعام المالي 2024/ 2025، وذلك إلى 842 مليار دولار مقابل نحو 839 مليار دولار في عام 2023، بنسبة ارتفاع لا تتعدى 0.5% وذلك للتعامل مع آثار التضخم، وتشير التوقعات (حسب مكتب الميزانية في الكونجرس) إلى أن ميزانية الدفاع الأمريكية ستظل بنفس القيمة الحقيقية، أي بعد إزالة أثر التضخم، وذلك حتى عام 2028.

تطور حجم ميزانية الدفاع الأمريكية حتى عام 2038

Source: US Congressional Budget Office

لذا من المتوقع أن تبدأ أمريكا وبريطانيا في مطالبة باقي الدول المنضمة للعملية بالمشاركة في أعباء وتزايد تكلفة التواجد في البحر الأحمر، وذلك من خلال قيام السفن الحربية لتلك الدول بصد الهجمات الحوثية، ونشير في هذا الإطار إلى أن التقديرات المتعلقة بقيام الاتحاد الأوروبي بدراسة إمكانية إطلاق عملية بحرية جديدة في البحر الأحمر لتأمين الملاحة، وتتضمن مناقشات الدول الأعضاء بالاتحاد تحديد ما إذا كانت هناك رغبة في تحمل التكاليف وتوفير السفن لذلك التواجد العسكري، وهو ما يطرح بدوره المقارنة بين تزايد تكلفة تحويل السفن لطريق رأس الرجاء الصالح مقابل التكلفة المباشرة للتواجد العسكري التي ستتحملها الدول.

هل تستمر عملية حارس الازدهار؟

تُثار تساؤلات حول جدوى العملية العسكرية في البحر الأحمر واستمرارها، حيث أنه بسبب الاضطرابات تمضي السفن وقت أكثر في الإبحار، مما يتطلب عدد أكبر من سفن الشحن للحفاظ على وتيرة عمليات التسليم، وبناءً على آلية العرض والطلب، فإن أسعار الشحن ترتفع الأمر الذي يتطلب المزيد من السفن، كما أن أسعار التأمين على السفن ترتفع مع زيادة المخاطر، وفي المقابل تأتي التكلفة المالية المباشرة لاستخدام الجيش الأمريكي والبريطاني أو الدول الأخرى أصولهم العسكرية لمحاولة منع أو ردع هجمات الحوثيين، وفي كلتا الحالتين، فإنه يتم نقل عبء تلك التكلفة للمستهلك النهائي (عبر نقل ارتفاع أسعار الشحن البحري)، بينما ينقل استخدام القوة العسكرية تلك التكاليف إلى دافعي الضرائب في تلك الدول، مع أهمية الأخذ في الاعتبار أن قرار وقف تلك العملية أو استمرارها يتعلق بأبعاد أخرى سياسية واستراتيجية، تتباين وتتفاوت أهميتها وفق كل دولة، وتُعد التكلفة الاقتصادية والمالية جزءًا من عملية صنع القرار بذات الشأن.

وختامًا، يمكن القول إن المواجهة بين الحوثيين والأساطيل البحرية الغربية تعتبر حربًا غير مستدامة على المدى الطويل، حيث أنها ستنتهي بانتهاء الحرب في غزة، كما أن القوات العسكرية تضطر إلى استخدام صواريخ باهظة الثمن لصد صواريخ أو طائرات بدون طيار ذات تكلفة منخفضة نسبيًا (التي يشنها الحوثيين)، ولذلك فإن تكلفة وجدوى العمليات العسكرية في البحر الأحمر لا تزال محل تساؤل، خاصةً أن التطورات الاقتصادية العالمية وانعكاساتها على الاقتصادات الوطنية قد تُضفي نوع من أنواع الضغط على عملية اتخاذ القرار بشأن العمليات العسكرية الخارجية التي تنفذها بعض الدول.

UNRWA
ارتدادات مكلفة: ما هي تداعيات وقف الأونروا على الفلسطينيين؟
السندات
هل فقدت سندات الخزانة الأمريكية جاذبيتها؟
غزة
اليوم التالي: إشكاليات إعمار قطاع غزة
US Israel
كيف تدعم المساعدات الأمريكية لإسرائيل استمرار حربها على غزة؟
Scroll to Top