العربية

كيف تدعم المساعدات الأمريكية لإسرائيل استمرار حربها على غزة؟

تزايد العبء المالي للحرب في غزة على الاقتصاد الإسرائيلي، إذ أصبحت أكثر تكلفة بالنسبة لها مما كان متوقعًا في الأيام الأولى للحرب، لاسيما مع وجود تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد الإسرائيلي، منها على سبيل المثال تأثير الاضطرابات في البحر الأحمر على التجارة الخارجية الإسرائيلية، وقد أسفر ذلك عن المطالبة بمخصصات مالية أكبر لتمويل الإنفاق على الحرب وذلك في مناقشات إقرار الميزانية الحكومية الجديدة، ويمثل ذلك ضغطًا إضافياً على المالية العامة الإسرائيلية، وقد أوجد كل ذلك سياقًا كشف بوضوح عن أهمية الدعم الأمريكي لإسرائيل في الوقت الراهن.

تاريخ المساعدات الأمريكية لإسرائيل:

تُعد إسرائيل من أكبر الدول المتلقية للمساعدات الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، إذا تُقدر بنحو 154.8 مليار دولار في الفترة من عام 1946 إلى عام 2022، وتتمثل في صورة مساعدات عسكرية تقدر بنحو 111.1 مليار دولار، وتمويل للدفاع الصاروخي يٌقدر بنحو 9.4 مليار دولار، إضافةً إلى مساعدات اقتصادية تُقدر بنحو 34.3 مليار دولار[1].

إجمالي المساعدات الخارجية الأمريكية لإسرائيل بين عامي 1946 و2022 (بالمليون دولار أمريكي)

السنةتمويل عسكريتمويل اقتصاديدفاع صاروخيالإجمالي
1946 – 2020104,506.20034,347.5007,411.409146,265.110
20213,300.000500.0003,800.000
20223,300.0001,500.0004,800.000
الإجمالي111,106.20034,347.5009,411.409154,865.110

Source: U.S. Foreign Aid to Israel, Congressional Research Service. 1 March 2023.

وقد تلاحظ تزايد الحاجة الإسرائيلية للدعم الأمريكي خلال السنوات الماضية، فخلال الفترة بين 1946 و2020 بلغ متوسط قيمة المساعدات نحو 1.97 مليار دولار سنويًا، وفي عام 2016، وقع الجانبان “مذكرة تفاهم” بشأن الحصول على مساعدات عسكرية مدتها 10 سنوات، تدخل حيز التنفيذ في عام 2019 وحتى عام 2028، وتعهدت بموجبها الولايات المتحدة بتقديم 38 مليار دولار كمساعدات عسكرية لإسرائيل (أي 3.8 مليار دولار سنويًا)، موزعة على 33 مليار دولار في شكل تمويل عسكري، و5 مليار دولار كمخصصات للدفاع الصاروخي.

وفي عام 2022 ارتفع الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل بهدف تطوير منظومة “القبة الحديدية” وذلك بنحو مليار دولار، وهي قيمة أكبر من الدعم السنوي المخصص لمنظومة الدفاع الصاروخية السنوية في إسرائيل، وبما يشير إلى أن هناك دعم إضافي تقدمه الولايات المتحدة عند الحاجة، ويُشار في هذا الصدد إلى أن مذكرات التفاهم ليست اتفاقيات ملزمة قانونيًا مثل المعاهدات، ولا تتطلب تصديقًا من الكونجرس الأمريكي، بل وتتيح تقديم حزم مساعدات إضافية في ظل ظروف استثنائية مثل الحروب، وبما يوفر للإدارة الأمريكية المرونة اللازمة لدعم إسرائيل عسكريًا، ويُذكر أن إسرائيل قد حصلت على دعم عاجل لبرنامجي “حيتس 1” و”حيتس 2″، المكملين لبرنامج الليزر والسماء الحمراء.

التمويل الأمريكي بعد حرب غزة:

كشف الرئيس الأمريكي “جو بايدن” في 16 أكتوبر 2023 عن حاجته لميزانية طارئة للحرب بهدف تمويل ودعم شركاء الولايات المتحدة، وكان يقصد حينها أوكرانيا وإسرائيل على وجه التحديد، وفي مطلع نوفمبر 2023، وافق مجلس النواب الأمريكي، الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري[2]، على مشروع قانون لتقديم مساعدات أمريكية استثنائية بقيمة 14.3 مليار دولار لإسرائيل بأغلبية 226 صوتَا مقابل 196 صوتًا (وهو ما يتماشى إلى حد كبير مع التقسيم الحزبي للمقاعد بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي).

وعلي الرغم من مرور ثلاثة أشهر على سعي بايدن لتمرير تلك المساعدات، إلا أن مشروع القانون ما زال قيد النقاش في الكونجرس بسبب الخلافات الداخلية بين الديمقراطيين والجمهوريين[3]، الأمر الذي دفع الادارة الأمريكية للاتجاه إلى قانون الطوارئ لتخطي الكونجرس، وإرسال مساعدات عسكرية تُقدر بنحو 106 مليون دولار تقريبًا لإسرائيل في 9 ديسمبر 2023[4]، هذا بخلاف الاعتماد على آلية بيع الأسلحة إلى إسرائيل، ففي  29 ديسمبر 2023، أكد وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” عن بيع ذخائر وصواريخ وقنابل مختلفة إلى تل أبيب بقيمة 147.5 مليون دولار.

وقد أقترح 13 عضو ديمقراطي في مجلس الشيوخ في 7 ديسمبر 2023 مشروعًا لتعديل بعض القوانين المتعلقة ببند تقديم المساعدات العسكرية للدول المختلفة، والتي تطالب الرئيس الأمريكي بتقديم تقرير إلى الكونجرس في غضون 30 يومًا حول ما إذا كانت كل دولة تتلقى المساعدات الأمريكية تستخدمها وفقًا للأغراض المحددة[5]، وهي بمثابة رسالة ضمنية على وجوب وضع شروط على المساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة لإسرائيل على وجه التحديد، وعلى صعيد آخر، فقد ناقش المشرعون في الكونجرس الأمريكي مسألة زيادة الدعم الأمريكي الحالي لإسرائيل أو المحافظة عليه أو تخفيضه أو وضع شروط عليه.

ويشير رفض مشروع القانون من قبل أعضاء مجلس الشيوخ إلى أن النخبة السياسية في الداخل الأمريكي لا تزال تتبنى توجهات تؤيد استمرار دعمها العسكري والمالي لإسرائيل بغض النظر عن ممارساتها بحق الفلسطينيين، على اعتبار أنه توجه استراتيجي يخدم المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، ويؤشر ذلك على وجود اتجاه لدعم إسرائيل بمساعدات عسكرية إضافية خلال الفترة المقبلة – بصرف النظر عن المسمى أو الطريقة – وقد يصل الجانبان إلى تسوية أو اتفاق يتم بموجبه منح مساعدات أمريكية مشروطة لإسرائيل.

تكلفة الحرب على غزة:

فيما يتعلق بتقديرات القدرة المالية الإسرائيلية لدعم استمرار الحرب في 2024 في مقابل ارتفاع تكلفتها، فيُشار إلى أنه قد وافقت حكومة الحرب الإسرائيلية في 15 يناير 2024 على تعديل موازنة عام 2024 عبر إضافة 15 مليار دولار للإنفاق على الحرب، ومن المعروف أن متوسط الانفاق العسكري الإسرائيلي نحو 22 مليار دولار سنويًا[6]، وبالتالي تقديريًا سيتم توفير 37 مليار دولار لاستمرار الحرب في 2024، وعلى جانب اخر قدرت وزارة المالية الإسرائيلية  تكلفة الحرب الإسرائيلية على غزة بنحو 260 مليون دولار[7]، أي نحو 7.8 مليار دولار تقريبًا شهريًا، ووفق تلك البيانات السابقة، سيدعم مبلغ الـ37 مليار دولار في موازنة 2024 دعم استمرار الحرب لنحو 5 أشهر، هذا إذا تم توجيه كافة ذلك المبلغ للإنفاق على الحرب ومواجهة خسائرها.

فيما سيسهم الدعم الأمريكي المقدر بنحو 14.3 مليار دولار – إذا حصلت عليه إسرائيل – في دعم استمرار الحرب لمدة تقارب شهرين، وهو ما يعني أن إسرائيل سيكون بمقدورها استكمال الحرب لمدة سبعة أشهر تقريبًا، ويُشار في هذا الصدد إلى أن الميزانية الداعمة للحرب التي تم تقديرها بنحو 51 مليار دولار (37 مليار دولار مخصصات إسرائيلية، بجانب المساعدات الأمريكية البالغة نحو 14.3 مليار دولار)، تشكل نحو 12.1% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي المتوقع لعام 2024.

ووفقاً للتقديرات السابقة، فإن عدم حصول تل أبيب على الدعم الأمريكي يقوّض قدرتها على مواصلة الحرب لأكثر من خمسة شهور، وهو ما يُفسر القلق البالغ لدى المسئوليين الإسرائيلين في الوقت الراهن، وبما قد يدفعهم نحو إيجاد حلول أخرى، منها الاستدانة من سوق المال العالمي، وذلك لتمويل ميزانية الحرب، وهو ما سيشكل ضغطَا على اقتصادها ووضعها المالي، لاسيما مع فقدانها الكثير من التأييد العالمي في الأونة الأخيرة، كما أن ذلك قد يدفعها لمحاولة تنويع مساعداتها من الدول الأوروبية، أو حتى السحب من احتياطي النقد الأجنبي، وهو ما سيؤدي إلى تبعات اقتصادية سلبية، وبالتبعية، تزايد احتقان الرأي العام الداخلي في إسرائيل من خيارات الحكومة في التعامل مع الحرب الحالية.

وختامًا، فإن حاجة إسرائيل لزيادة الدعم العسكري والاقتصادي الأمريكي لدعم حربها على غزة يطرح العديد من الإشكاليات، والتي تتركز في مقارنة الفوائد الاستراتيجية التي قد تتحقق للبلدين من استمرار تلك الحرب، وذلك بالتكلفة الاقتصادية لهذا الدعم، فضلاً عن كون هذا الدعم الأمريكي محددًا رئيسيًا في قرار تل أبيب بإطالة أمد الحرب، مع الأخذ في الاعتبار وجود محددات أخرى، تتعلق بمدى تأثير الوضع  الاقتصادي على خيار إنهاء الحرب أم استمرارها، بل وتوسيعها.


[1] Jeremy M. Sharp, “U.S. Foreign Aid to Israel”, Congressional Research Service. RL33222. 1 March 2023. Available at https://crsreports.congress.gov/product/pdf/RL/RL33222

[2]  الجهوريون داخل الكونجرس هم من يؤيدون إسرائيل ومساعدتها في حربها على غزة، في حين هم نفسهم من يطالبون بالحد من دعم أوكرانيا بل وتوقفه.

[3] Jim Zanotti and Jeremy M. Sharp, “Israel and Hamas Conflict In Brief: Overview, U.S. Policy, and Options for Congress”, Congressional Research Service. R47828. 11 January 2024. Available at https://crsreports.congress.gov/product/pdf/R/R47828

[4] “The Biden administration once again bypasses Congress on an emergency weapons sale to Israel”, PBS News Hour. 29 December 2023. Available at https://www.pbs.org/newshour/politics/the-biden-administration-once-again-bypasses-congress-on-an-emergency-weapons-sale-to-israel

[5]  جدير بالذكر أنه في ضوء المناقشات بشان المسودة المُشار إليها، أشار السيناتور “بيرني ساندرز” إلى اعتزامه طرح مشروع قانون يتم بموجبه وضع شروط للمساعدة العسكرية الأمريكية المقدمة إلى أي دولة، من ضمنها إسرائيل، بحيث يتم استخدامها بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون الأمريكي، وهو ما كان سيلزم وزارة الخارجية – في حالة إقراره – بإعداد تقرير في غضون 30 يومًا للتحقّق فيما إذا كانت إسرائيل قد ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان في حربها على قطاع غزة.

[6] “Israel – Country Commercial Guide”, International Trade Administration. 6 October 2023. Available at https://www.trade.gov/country-commercial-guides/israel-aerospace-and-defense

[7] Paul Wallace,”A War With High Financial Costs for Israel”, Bloomberg. 13 November 2023, Avaialable at https://www.bloomberg.com/news/newsletters/2023-11-13/israel-s-hamas-war-costs-emirates-mega-order-russians-and-dubai-real-estate

WFP
لماذا تتزايد تهديدات أمن الغذاء العالمي؟
sanctions
هل يؤثر الاستخدام المتزايد للعقوبات على الاقتصاد العالمي؟
g20
تزايد الانقسامات الدولية في الملفات الاقتصادية
galaxy leader
عوائق مستجدة: مشروعات الممرات الاقتصادية في الشرق الأوسط
Scroll to Top