العربية

بروباجندا الإرهاب: الدعاية الإعلامية لحركة الشباب الصومالية

نشرت مؤسسة الكتائب الإخبارية – واحدة من الأذرع الإعلامية لحركة شباب المجاهدين بالصومال – في 28 يناير 2024، إصدارًا مدته 10 دقائق يوضح قيام عناصر حركة الشباب بالاشتباك المباشر مع عدد من عناصر القوات الخاصة الصومالية خلال الهجوم على 5 قواعد لقوات الأمن الصومالية بولاية “مدق” وسط البلاد، وقد اشتمل الإصدار على لقطات حية ومشاهد لاستهداف بعض العناصر التابعة للقوات الخاصة الصومالية – تدعي الحركة أن عددهم جاوز ال200 عنصر – فضلًا عن أسر البعض منهم والاستيلاء على العديد من الأسلحة، والذخائر، والآليات العسكرية الأجنبية بتلك القواعد.

أهداف دعائية:

يأتي ذلك الإصدار في ظل تكثيف العمليات العسكرية للجيش الصومالي التي تستهدف معاقل وقواعد حركة الشباب بالصومال، وتحقيق تلك العمليات نجاحات ميدانية ملحوظة في الآونة الأخيرة فيما يتعلق بتحرير مواقع عديدة بوسط الصومال من سيطرة الحركة الإرهابية؛ وعليه، تسعى الحركة إلى ادعاء حالة من “الصمود” أمام تلك العمليات، وإظهار قدرتها على تبني عمليات نوعية في مناطق سيطرة الحكومة الصومالية، لا سيما أمام الأوساط الداخلية وحواضن الحركة بالصومال التي بدأت تستشعر فعليًا حجم الخسائر التي تتكبدها الحركة على إثر تلقيها ضربات متتالية.

وفي ذلك الإطار، تولي الحركة في الوقت الراهن الاهتمام ببنيتها الدعائية المتطورة نسبيًا، والتي تتضمن آلية محددة لإدارة وتسيير وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات التابعة لها، وذلك عبر توظيف استراتيجياتها الدعائية من مقاطع الفيديو المنشورة، والتي يتم من خلالها إخراج مقاطع تتضمن جوانب تأثير من ناحية المؤثرات البصرية والتصوير والاستعراض، بُغية – كما أسلفنا – بيان عدم تأثر الجماعة بالعمليات العسكرية الحكومية.

وثمة بعض الأهداف التي تسعى الجماعات الإرهابية بشكل عام إلى تحقيقها عبر أطر وأشكال الدعاية الخاصة بها، والتي أسهم التطور التكنولوجي المعاصر في تسهيل التوصل إليها، فنجد أنها تستهدف من ناحية توصيل دعاية “الفعل” وخلق حالة عامة من الذعر والخوف لدى القطاعات الاجتماعية المختلفة، بالإضافة إلى حشد دعم أوسع لها بين السكان والرأي العام الدولي من خلال الترويج إلى أحقية تلك التنظيمات فيما تفعله وحتمية انتصارها. وفي ذات السياق، يمكن أن تُسهم الدعاية الإرهابية في الإحباط والتشكيك في إجراءات المكافحة والاستجابات الأمنية للقوات الحكومية المنخرطة في مجابهة أنشطة التنظيمات الإرهابية، من خلال بيان أنها إجراءات غير مؤثرة وتأتي بنتائج عكسية.

الشبكة الدعائية لحركة الشباب:

قامت حركة الشباب بتطوير وإنشاء شبكة إعلامية معقدة ومتشابكة تستغلها من أجل الترويج لتحركات الحركة وأنشطتها على المستوى الداخلي والخارجي، وتتكون تلك الشبكة من أربعة مكونات رئيسية تتفرع منها مصادر ومنصات عديدة، تروج بشكل مستمر الرسائل الخاصة بالحركة من أجل تصويرها كفاعل حقيقي يقدم معلومات وأخبار مكثفة – بالرغم من عدم صحة أغلبها – وتتضح تلك المكونات الأربعة فيما يلي:

  1. مؤسسة الكتائب الإعلامية، التي تنتج إصدارات الصور والفيديو لحركة الشباب وما تتضمنه من محتوى سمعي وبصري، حيث تنشر بعد ذلك على المواقع الإخبارية الإلكترونية وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي التابعة للحركة.
  2. محطات الراديو والإذاعات المحلية، التي تستهدف السكان المحليين من خلال بث المستجدات المتعلقة بحركة الشباب إلى المواقع الريفية، التي قد لا يكون لديها إمكانية الوصول إلى الإنترنت.
  3. المواقع الخبرية، والتي تظهر في صورة وكالات إخبارية مشروعة من خلال مواقعها على الإنترنت التي تصف نفسها بأنه وكالة “مهتمة بأخبار شرق أفريقيا والصومال”، لكن واقع الأمر أن تلك المواقع لا تخضع لأي سياسات للإشراف على المحتوى، مما يدفع الحركة نحو نشر محتوى وأخبار بغض النظر عن مدى صحتها – ومن أبرز الأمثلة على ذلك، وكالة “الشهادة الإخبارية”، وموقع “صوماليميو” – عبر جملة المقالات والتقارير المنشورة والمؤيدة للأنشطة الإرهابية لحركة الشباب.
  4. شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، والتي تشمل مجموعة من منصات ومواقع التواصل الاجتماعي التي تساعد بصورة كبيرة في عمليات الدعاية لحركة الشباب، من خلال المنشورات والفيديوهات التي يتم تداولها للحسابات الموالية أو المحسوبة على الحركة، والتي تعطي أولوية راهنة لمنصتي “فيسبوك”، و”تيليجرام”، مع الاستخدام المتزايد لشبكة التواصل الاجتماعي الروسية المعروفة باسم “OK.ru”.

مضامين دعائية:

اعتمدت حركة الشباب، في سنوات ظهورها الأولى – أي منذ عام 2006 – على الرسائل القومية البحتة في تنفيذ العمليات الإرهابية، من خلال نشر ادعاءات بأنهم الكيان الوحيد المتبقي للدفاع عن الصومال ضد ما اعتبروه “توغلًا أجنبيًا” في البلاد، ولخدمة ذلك، بدأت الحركة في تطوير هياكل استراتيجية وإعلامية تمكنها من جذب الجمهور الصومالي على نطاقات واسعة داخليًا وخارجيًا، فنجد أن الحركة انتجت آنذاك بعض الأفلام والمقاطع الدعائية كأداة رئيسية لتجنيد العناصر الجهادية داخل الصومال وخارجها، وقد تم تداول هذه المقاطع بصورة كبيرة، ساعد أيضًا في انتشارها بين الأوساط الاجتماعية المختلفة، بعض الاختراقات الميدانية والعمليات التي شنتها الحركة ضد الجيش الإثيوبي في الصومال آنذاك.

وتستهدف تلك المقاطع – وما تحويه من رسائل ضمنية تتعلق بدور الحركة في إقامة “دولة الخلافة” والتخلص من “الأعداء الأجانب” في البلاد – جمهورين محددين، الجمهور الأول هو السكان الصوماليون المحليون الذين يعيشون في الصومال، والجمهور الثاني هو الصوماليون الذين يعيشون في دول المنطقة لا سيما القرن الأفريقي، فعند توجيه رسائل الحركة إلى الصوماليين المحليين، يتم استخدام خطاب محدد يعتمد على تصوير الحركة بأنها “منقذ” المجتمع الصومالي من خلال عقد ندوات دينية، بالإضافة إلى توزيع المواد الغذائية أو الماشية على السكان المحليين، أما بالنسبة للصوماليين بالخارج، فتستغل الحركة عدم انتشار وسائل الإعلام والاتصالات المتقدمة في الصومال من أجل توجيه خطابها المحلي السالف ذكره لهم، من خلال نشر بعض الصور للتحركات الداخلية للحركة عبر المنتديات الإلكترونية التابعة لها، وقد ساعد التطور التكنولوجي بعد ذلك في تمكن الحركة من توصيل دعايتها إلى نطاقات دولية.

وفي سياق متصل، تحاول الحركة بين الحين والآخر البناء على بعض الاعتداءات والمظالم التي يتعرض لها المسلمون في بعض المناطق بالعالم في خطتها الدعائية، وهو ما تجلى في توظيف الحركة للتصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة من أجل رسم أوجه تشابه بين نضال المقاومة الفلسطينية ضد القوات الإسرائيلية، وما تقوم به حركة الشباب ضد القوات الصومالية والأجنبية في البلاد، مما قد يسهل من عمليات الاستقطاب التي تقوم بها الحركة، ولكي تروج لنفسها باعتبارها حركة “نضال وطني ضد الاستعمار”. 

وتتمثل أبرز ملامح الاستراتيجية الدعائية لحركة الشباب، فى العناصر التالية:

  • توحيد السردية العامة، حيث يتولى عناصرها المتخصصة بث الرسائل الدعائية المحددة للحركة إزاء عملية أو تطور ما، بحيث تتكرر تلك الرسائل بصورة شبه متطابقة عبر المنصات والحسابات التابعة للحركة، واضعين في الاعتبار عدم تأثرها بقيود وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي؛ فتصبح تلك المنصات والحسابات مصدرًا أوليًا للمعلومات حول التطورات في الداخل الصومالي، لا سيما تلك المتصلة بالأنشطة والعمليات الإرهابية لحركة الشباب.
  • التحايل على القيود الالكترونية، حيث تعمد الحسابات والمنصات التابعة للحركة إلى سرعة التعامل والتكيف مع سياسات مواقع التواصل التي تستهدف إزالة المحتوى الخاص بالحسابات الدعائية والمروجة للحركة وأنشطتها، وذلك من خلال إنشاء حسابات احتياطية للحسابات الرئيسية عبر المنصات المهمة، مثل فيسبوك، وتيليجرام، أو تسجيل حسابات جديدة لتحل محل الحسابات التي يتم تعقبها وحظرها.
  • التنسيق المتبادل للمعلومات، فسلوك الحركة الدعائي عبر شبكتها يشير إلى وجود تنسيق بين مكوناتها الإعلامية المختلفة، حيث تحافظ الحركة على اتساق الروايات الصادرة عن تلك المكونات وتسلسل تدفقها عبر المنصات الموالية وفق إطار زمني ضيق عبر البنية التحتية للاتصالات الخاصة بالحركة، وفي ذلك السياق، تجدر الإشارة إلى أن منصة تيليجرام تُعد المصدر الأول للمعلومات حول العمليات الكبرى للحركة[1].

وفي الختام، يمكن الإشارة إلى أنه على الرغم من جهود وحملات الحكومة الصومالية المتعلقة بمجابهة المحتوى الإعلامي المروج لحركة الشباب، من خلال اعتبار أي انخراط أو تغطية دعائية عبر منصات التواصل الاجتماعي لأنشطة وعمليات حركة الشباب، جرائم يعاقب عليها القانون، لكن ما تزال الحركة تتمتع بقدر معتبر من البنية التحتية الدعائية التي تمكنها من خدمة أهدافها والترويج لرواياتها المغلوطة، ولعل ذلك يرجع إلى طبيعة الشبكات الدعائية للحركة الإرهابية، والتي يغلب عليها الطابع المعقد والمتكيف، وهو ما يطرح بطبيعة الحال إشكاليات تتعلق بحجم التمويل والموارد المالية لدى الحركة، التي تمكنها من التكيف مع حملات الحكومة الصومالية الموسعة سواء على المستوى العسكري والإعلامي من جانب، وما يمكن أن تتلقاه من دعم خارجي مستتر دعائي أو إعلامي وذلك من جانب آخر.


[1] Georgia Gilroy, “The Online Frontline: Decoding al-Shabaab’s Social Media Strategy”, CTC SENTINEL, January 2024. Available at: https://ctc.westpoint.edu/the-online-frontline-decoding-al-shabaabs-social-media-strategy/  

russia Africa
مقاربة جديدة: حدود الدور الروسي في مكافحة الإرهاب في أفريقيا
ISIS
دلالات تصاعد هجمات داعش الأخيرة في الشرق الأوسط
حركة الشباب الصومال
حصاد وتوقعات: مؤشرات واتجاهات الإرهاب عام 2024
ريبلابلاي
سيناريوهات محتملة: تصعيد "طالبان باكستان" من عملياتها الإرهابية
Scroll to Top