العربية

دور التعاونيات في تنفيذ رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة

مقدمة:

يعيش العالم في الوقت الراهن لحظة غير مسبوقة في تاريخه، تحت وطأة العديد من الأزمات والصراعات، أدت إلى تعثر تنفيذ العديد من أهداف التنمية المستدامة ليس فقط لما قبل 2015، وإنما أيضًا وبحسب التقديرات الأممية إلى ثمانينات القرن العشرين.

وقد أدى هذا الأمر إلى تراجع بريق الشعارات المصاحبة لإطلاق أهداف التنمية المستدامة، مثل: “لا أحد خلف الرَكب” و “مستقبلنا المشترك” لصالح شعارات أخرى بديلة، على غرار: “أنقذوا أهداف التنمية المستدامة” و”التنمية في عالم اللايقين”.

وقد أفرزت تلك الأزمات – كورونا وما تلاها – حاجة مُلحة لتبني نمط اقتصادي مختلف، عرف فيما بعد بـــ “الاقتصاد التضامني/ التشاركي” أو “الاقتصاد البديل”، وهو يشير إلى هذا النمط الاقتصادي القائم على أسس مغايرة للنمط الاقتصادي “النيوليبرالي”، الذي أثبتت الأزمات المتعاقبة والمتشابكة – التي عصفت بالعالم خلال الأربعة أعوام الأخيرة – عجزه عن التعامل مع تلك الأزمات.

وقد تجلى الاهتمام العالمي بالاقتصاد التضامني والاجتماعي في صدور قرار الأمم المتحدة رقم (A/77/L.60) في 18 أبريل عام 2023، والذي أوصى بضرورة اتخاذ الدول الأعضاء كافة التدابير اللازمة لخلق بيئة عمل مواتية لكيانات الاقتصاد التضامني والاجتماعي – وعلى رأسها التعاونيات – من أجل تعزيز دورها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030[1].

في هذا السياق، بدأت الجمعية العامة للأمم المتحدة والمؤسسات الأممية ذات الصلة، مثل منظمة العمل الدولية ILO، ومجموعة عمل الأمم المتحدة للاقتصاد التشاركي والاجتماعي UNTFSSEs، بدأت في تسليط الضوء على الدور الذي يُمكن أن تلعبه الصور والأشكال المختلفة من هذا الاقتصاد التشاركي والاجتماعي – وعلى رأسها التعاونيات – في تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ خاصةً أن تلك التعاونيات قد لعبت دورًا مهمًا خلال أزمة كورونا، وما تلاها من أزمات.

وتُعد التعاونيات، إحدى صور الاقتصاد التضامني والاجتماعي، وهي كيانات هادفة للربح قائمة على مساهمات أعضائها في رأس المال، والنشاط الاقتصادي. تسعى التعاونيات من خلال أنشطتها الاقتصادية الهادفة للربح إلى تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية؛ وهذا ما يميزها عن الأنماط الأخرى من النشاط الاقتصادي.

على الصعيد الوطني، يتعين الإشارة إلى الاهتمام الواضح للقيادة السياسية بالتعاونيات باعتبارها إحدى ركائز الاقتصاد الوطني، وقد تم التعبير عن هذا الاهتمام في أكثر من مناسبة، كانت بدايتها عام 2016، كما تضمن الحوار الوطني جلسات نقاشية حول التعاونيات ودورها، بالإضافة إلى المساعي الخاصة بإصلاح الإطارين المؤسسي والتشريعي للتعاونيات في مصر.

التعاونيات في السياق المصري:

عرفت مصر الملكية التعاونية كأحد أشكال الملكية منذ بدايات القرن العشرين، وتحديدًا عام 1908، وتم إنشاء أول شركة تعاونية زراعية على يد الاقتصادي المصري آنذاك “عمر لطفي” في منطقة “شبرا النملة”. استوحى لطفي – وهو أحد أبناء النخبة المصرية الذين درسوا في الخارج – النموذج الغربي في تأسيس وإدارة التعاونيات لتحقيق أهدافها، التي كانت جديدة وقتئذ على المجتمع المصري، وينظر إليها بشغف كبير باعتبارها تجربة لم يعهدها من قبل.

وتبع تلك التجربة عدة تجارب أخرى مع بدايات القرن العشرين، إلى أن صدر القانون رقم (27) لسنة 1923 كأول محاولة لمأسسة تجربة التعاونيات في مصر[2].

وقد نصت الدساتير المصرية المتعاقبة وأحدثها دستور عام 2014 المعدل عام 2019، على الملكية التعاونية باعتبارها الشكل الثالث للملكية، إلى جانب كل من الملكية الخاصة، والملكية العامة، وذلك في المادة رقم (33). نص الدستور في أكثر من مادة على وجوب حماية وصون الملكية التعاونية باعتبارها أحد أشكال الملكية الموجودة في مصر، ومن أبرز المواد الواردة في الدستور ما يلي:

  • نصت المادة (33) على أن: “تحمى الدولة الملكية بأنواعها الثلاثة، الملكية العامة، والملكية الخاصة، والملكية التعاونية”.
  • نصت المادة (37) على أن: “الملكية التعاونية مصونة، وترعى الدولة التعاونيات، ويكفل القانون حمايتها، ودعمها، ويضمن استقلالها، ولا يجوز حلها أو حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائي”.
  • أكدت المادة (42) على أن تكون نسبة تمثيل صغار الفلاحين والحرفيين 80% من مجالس إدارات الجمعيات التعاونية الزراعية والصناعية والحرفية.

وتكشف هذه النصوص عن التزام الدولة بحماية التعاونيات من ناحية، والحرص على ضمان عدالة تمثيل الفئات كافة من ناحية أخرى، بما يعكس أهمية التعاونيات في السياق الوطني المصري.

ووفقًا لأحدث البيانات المتاحة، هناك نحو 12,926 ألف جمعية تعاونية في مصر، مقسمة وفقًا لطبيعة النشاط الاقتصادي إلى نحو 6911 جمعية تعاونية زراعية، و2935 جمعية تعاونية للإسكان، و2491 جمعية استهلاكية، و488 جمعية تعاونية إنتاجية، وأخيرًا 101 جمعية للثروة السمكية، هذا بالإضافة إلى التعاونيات التعليمية التي تعمل تحت مظلة التعاونيات الاستهلاكية. وتضم الجمعيات التعاونية في عضويتها نحو 12 مليون عضوًا أي ما يقرب من 11,4% من إجمالي السكان[3].

وعلى الرغم من أهمية دور التعاونيات في توفير السلع والخدمات، إلا أنها تتركز في أربع محافظات، هي: القاهرة وأسيوط والبحيرة والإسكندرية، مع شبه غياب للتعاونيات في المحافظات الحدودية.

ووفقًا لطبيعة النشاط الاقتصادي، تتنوع الأطر التشريعية الحاكمة لنشاط التعاونيات في مصر، كما تختلف جهة الرقابة والمتابعة، وذلك على النحو التالي:

  • قانون التعاون الاستهلاكي، رقم (109) لسنة 1975.
  • قانون التعاون الإنتاجي، رقم (110) لسنة 1975.
  • قانون التعاون الزراعي، رقم (122) لسنة 1980، والمعدل بالقانون رقم (122) لسنة 1981.
  • قانون التعاون الإسكاني، رقم (14) لسنة 1981.
  • قانون تعاونيات الثروة المائية، رقم (123) لسنة 1983.
  • قانون إنشاء الاتحاد العام للتعاونيات، رقم (28) لسنة 1984.

ويشتمل كل قانون من القوانين سالفة الذكر على لائحة تنفيذية خاصة به، تتضمن قواعد وشروط التأسيس، والجهات المسؤولة عن المراقبة والمتابعة.

وبحسب الدراسة المعنونة ” مئة عام من التعاون”، فقد أشارت القوانين الخاصة بالتعاون إلى أن التعاونيات منظمات جماهيرية ديموقراطية، وهي وحدات اقتصادية واجتماعية تهدف إلى تطوير الحرف المرتبطة بكل شكل من أشكال التعاون سواء كانت حرفة الصيد، أم الزراعة، وغيرها. وعلى الرغم من سعيها إلى خدمة مصالح أعضائها إلا إنها تضع الأهداف الاجتماعية في مقدمة أولوياتها[4].

كما نصت تلك القوانين أيضًا على أن أموال الجمعيات التعاونية ملكية تعاونية. بالإضافة إلى ذلك، فرض كل قانون من تلك القوانين حدًا أدنى لعدد الأعضاء عند التأسيس، والذي يتراوح بين عشرين عضوًا كما في حالة التعاونيات الإنتاجية والزراعية، و50 عضوًا كما في حالة التعاونيات الاستهلاكية.

التعاونيات ودورها في تحقيق أهداف رؤية مصر 2030:

تلعب التعاونيات أدورًا مختلفة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة على المستويين الدولي والمحلي، إذ تمتلك التعاونيات باعتبارها كيانات اقتصادية هادفة للربح، قدرة كبيرة على حشد الموارد. كما أنها – نظرًا لامتلاكها قواعد شعبية – لديها قدرة كبيرة على الحركة على الأرض، والوصول إلى الفئات المستهدفة، لا سيما في أوقات الأزمات والكوارث.

ويتقاطع نشاط التعاونيات مع عدد من أهداف التنمية المستدامة، من خلال إسهامها في توفير فرص عمل، وتوليد الدخل، بالإضافة إلى تقديم الخدمات في الكثير من المناطق التي يصعب على الحكومات الوصول إليها لاسيما في اوقات الأزمات أو في مواجهة الكوارث، فبحسب تقديرات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، يبلغ حجم أعمال التعاونيات في مصر مليار جنيه مصري[5]، كما أن قطاع التعاونيات يسهم في توليد ما يقرب من 5 مليون فرصة عمل.

ويسهم الاستغلال الأمثل للتعاونيات في تحقيق عدد من أهداف التنمية المستدامة منها: الحد من الفقر (الهدف 1)، القضاء على الجوع (الهدف 2)، وتوفير رعاية صحية لائقة (الهدف 3)، وتعليم جيد للجميع (الهدف 4)، وتحقيق التشغيل (الهدف 8)، وغيرها من الأهداف، وذلك عبر الأنشطة التي تمارسها تلك الكيانات – كل في مجاله – ارتباطًا بقدراتها على الوصول إلى الفئات المستهدفة، وتوفير الموارد اللازمة لذلك، وضمان التوزيع العادل لتلك الخدمات واتساع رقعة المستفيدين.

تفعيل دور التعاونيات في مصر، التحديات والإشكاليات:

تتأثر قدرة التعاونيات على القيام بأدوارها ككيانات اقتصادية مهمة، تتأثر بعدة عوامل ومحددات، بعضها يرتبط بالسياق العام، والمتعلق بدوره بالبيئة التشريعية والقانونية، والثقافة المجتمعية تجاه التعاونيات، ودورها، ويرتبط بعضها الأخر ببنية التعاونيات ذاتها، وهيكلها المؤسسي، ودرجة المشاركة في عملية صنع القرار داخلها.

وبالنظر إلى واقع القطاع التعاوني في مصر، نجد أنه يعاني من عدة مشكلات تتعلق بأن القوانين المنظمة للعمل التعاوني في مصر قد لا تتناسب مع الحقبة الزمنية الراهنة أو مع خطاب الدولة الداعم لدور التعاونيات كأحد أضلاع هيكل النمو الاقتصادي في مصر.

يُضاف إلى ذلك غياب الفهم الصحيح للغرض الأساسي من التعاونيات وطبيعتها، وهو الأمر الذي لا يقتصر فقط على مؤسسيها وأعضائها، وإنما يشمل أيضًا قطاعًا واسعًا من النخبة والدارسين في مصر، فعلى سبيل المثال، ما تزال الكثير من الأدبيات المصرية تدخل التعاونيات تحت مظلة المجتمع المدني، هذا على الرغم من النصوص الصريحة في الدستور التي أكدت على أنها شكل من أشكال الملكية، وبالتالي فهي ليست جزء من المجتمع المدني القائم بالأساس على التطوع ولا يهدف إلى الربح.

كذلك، فإن هناك محدودية الدراسات النوعية والبينية المعنية بالتعاونيات، فأغلب الدراسات الموجودة – على قلتها – تنظر إلى جانب واحد فقط من التعاون، وهو في الغالب الجانب الاقتصادي، دون النظر إلى بنية التفاعلات داخل تلك الكيانات.

أما التحديات الداخلية المرتبطة بالتعاونيات نفسها، فهي ترتبط بطريقة إدارة التعاونيات، ومستوى التشبيك بينها، ونشير هنا إلى تعقد الهيكل الإداري والمؤسسي، بما أدى إلى عزوف الكثيرين عن تأسيس جمعيات تعاونية، ولعل حالة القطاع الزراعي هي الأبرز؛ حيث أدى تعقد البنيان التعاوني الزراعي إلى لجوء الكثير من صغار المزارعين إما إلى تأسيس شركات ذات مسئولية محدودة تحت قانون الاستثمار رقم (72) لسنة 2017، أو أنهم قاموا بتأسيس تعاونيات إنتاجية، وكذا غياب التنسيق والتعاون بين الأنماط المختلفة من التعاونيات على الرغم من التداخل الكبير بين أنشطتها، بما يمثل فرصة ضائعة أمام الاقتصاد الوطني يمكن استغلالها إذ ما تعزز التنسيق بين الجمعيات التعاونية ذات الأنشطة الاقتصادية المتشابهة.

فضلًا عن غياب تمثيل المرأة والشباب في مجالس إدارات التعاونيات، في الوقت الذي يغلب الطابع العائلي عليها، فعلى الرغم من لعب الروابط والعلاقات الشخصية ورأس المال الاجتماعي بين الأعضاء دورًا مهمًا في حشد الموارد المجتمعية، سواء عند تأسيس التعاونية أم أثناء إدارتها، إلا أن هذا لم يكن إيجابيًا طوال الوقت، حيث تم استغلال العلاقات الاجتماعية المباشرة وعلاقات النسب والمصاهرة بين أعضاء بعض التعاونيات للهيمنة على عملية صنع القرار.

وختامًا، تجدر الإشارة إلى امتلاك مصر بنيانًا تعاونيًا صلبًا وراسخًا منذ عقود، أسهم على مدار تلك الفترة في تقديم الخدمات للمواطنين في قطاعات مهمة، وإيمانًا من الدولة المصرية بأهمية دور التعاونيات في مصر، فإنها تسعى في الوقت الراهن إلى تفعيل هذا الدور في ضوء استراتيجية التنمية المستدامة رؤية مصر 2030، وفيما يلي بعض التوصيات من أجل المضي قدمًا نحو الاستفادة من تلك الكيانات الاقتصادية المهمة:

  • إعداد المزيد من الدراسات، وأوراق السياسات حول التعاونيات في مصر، على أن تنطلق تلك الدراسات من حقيقة أساسية مفادها أن التعاونيات هي كيانات اقتصادية هادفة للربح، قد تقوم على علاقات وروابط اجتماعية، مع ضرورة فض الاشتباك بين التعاونيات ومؤسسات المجتمع المدني، وهو الأمر الذي لطالما اتسمت به أدبيات المجتمع المدني في مصر.
  • ضرورة النظر في التخفيف من إجراءات تأسيس وإشهار التعاونيات، ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال إقرار قانون التعاون الموحد بعد طرحه للحوار المجتمعي بين كافة الأطراف.
  • وضع آليات للتشبيك والتنسيق بين التعاونيات التي تعمل في قطاعات اقتصادية متشابهة، مثل: التعاونيات الاستهلاكية، والإنتاجية.
  • الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، خاصةً في البلدان ذات الظروف الاقتصادية والاجتماعية الشبيهة بالحالة المصرية، ويمكن الاستعانة في ذلك بالمؤسسات الأممية والشركاء الدوليين والإقليميين.

[1] “New UN Resolution On Social And Solidarity Economy”, UN Department of Economic and Social Affairs Social Inclusion. Available at https://social.desa.un.org/sdn/new-un-resolution-on-social-and-solidarity-economy

[2]  إيمان معارك ومروة بركات، “100 عام من التعاون: دراسة تحليلية لواقع العمل التعاوني في مصر”، القاهرة: دار صفصافة للنشر. 2018.

[3]  المرجع السابق. ص 38.

[4]  المرجع السابق. ص 42.

[5]  أميرة ممدوح، “التخطيط: 50 مليار جنيه حجم أعمال 10 آلاف جمعية تعاونية فى مصر”، الدستور. 26 يناير 2022. متاح على https://www.dostor.org/3696371

education
مستقبل التعليم ما قبل الجامعي في الجمهورية الجديدة، الفرص والتحديات
president sisi
مصداقية الدور المصري الراسخ في الملف الفلسطيني
السيد الرئيس السيسي
رسالة رئيس المركز: مصر وولاية جديدة للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي
youth
التمكين الاقتصادي والاجتماعي للشباب في الجمهورية الجديدة
Scroll to Top