العربية

مسار مختلف: “خطة ماتي” واحتواء تدفقات الهجرة إلى إيطاليا

دشنت إيطاليا استراتيجية جديدة تجاه أفريقيا تحت اسم “خطة ماتي”، نسبة إلى مؤسسة شركة إيني للطاقة “إنريكو ماتي” الذي ينسب له فضل تنويع الإمدادات لضمان أمن الطاقة للتنمية الصناعية والاجتماعية والاقتصادية في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، وتركز الخطة التي تم طرحها خلال فعاليات قمة “إيطاليا – أفريقيا”، بمشاركة أكثر من 30 زعيم ورئيس حكومة أفريقية، على عدة محاور رئيسية للتعاون بين إيطاليا والبلدان الأفريقية، هي: التعليم والتدريب، والصحة، والزراعة، والمياه، والطاقة، والتجارة.

ويثير ذلك الأمر تساؤلات جادة بشأن فرص النجاح المحتملة لتحقيق الهدف الرئيسي لتلك الاستراتيجية المتمثل في الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية، في ظل التحديات الراهنة في أفريقيا وأوروبا.

مضمون الاستراتيجية الإيطالية:

تتطلع إيطاليا من خلال خطة ماتي إلى تحقيق هدفين رئيسيين هما: تنويع سلاسل الإمداد، لضمان أمن الطاقة لإيطاليا وتحقيق التنمية الاقتصادية في البلدان الأفريقية، وكذلك الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية من سواحل شمال أفريقيا، لا سيما من ليبيا وتونس. وتسعى ميلوني من خلال هذه الاستراتيجية إلى تقديم نموذج ناجح لإدارة العلاقات الثنائية مع الدول الأفريقية، يقوم على أساس الثقة والاحترام، والتعاون المتساوي، “بعيدا عن النهج الافتراسي والأبوي الذي ميز العلاقات مع أفريقيا” خلال العقود الماضية، بحسب وصفها.

وستبدأ الحكومة الإيطالية في تنفيذ خطة ماتي بمشاريع تجريبية في بعض الدول الأفريقية، ثم تمتد إلى بقية القارة، في إطار حزمة استثمارات وقروض ومنح، منها حوالي 3 مليار يورو ستأتي من صندوق المناخ الإيطالي، وحوالي 2.5 مليار من موارد التعاون التنموي التابعة لوزارة الخارجية، بالإضافة إلى إشراك المؤسسات المالية والدولية وبنوك التنمية المتعددة الأطراف والاتحاد الأوروبي ودول مانحة أخرى أبدت استعدادها لدعم المشاريع المشتركة في أفريقيا، وذلك بحسب ما أعلنته ميلوني وعدد من القادة الأوروبيين الذين حضروا فعاليات القمة.

جديد الاستراتيجية الإيطالية في أفريقيا:

تتضمن الاستراتيجية الإيطالية الجديدة في أفريقيا العديد من النقاط الإيجابية، مقارنة بالاستراتيجيات الأوروبية الأخرى تجاه القارة، والتي يمكن إجمالها في التالي:

1-التعامل بندية مع الدول الأفريقية حيث تقر خطة ماتي بأهمية التعاون المتساوي بين الطرفين، للمضي قدمًا في عمليات الشراكة الجديدة بين دول القارة، المتطلعة إلى تحقيق التنمية الشاملة، وإيطاليا التي تسعى إلى تنويع إمدادات الطاقة والبحث عن أسواق جديدة، والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.

2-الاعتماد على الخبرات والمزايا التنافسية الإيطالية في الترويج للاستراتيجية الجديدة، لاستقطاب الشركاء المحتملين.

3-الإقرار بالحاجة إلى برامج تمويل متعددة الأطراف، لضمان استمرارية مشروعات الشراكة وتحقيق مستهدفات الخطة، ويلبي تطلعات الدولة الأفريقية في التنمية والازدهار.

4-إتاحة المجال ودعوة الدول الأوروبية والمؤسسات المالية والمانحين الدوليين للمشاركة في تنفيذ مشروع الاستراتيجية الإيطالية في أفريقيا، بما يضمن حشد الدعم الدولي لتعزيز الشراكة مع دول القارة.

وترى الحكومة اليمينة في روما بقيادة ميلوني، أن اللحظة مواتية لإطلاق خطة ماتي في أفريقيا للعمل مع دول القارة وبناء شراكات تهدف إلى مساعدة الحكومات المحلية على تحقيق التنمية المستدامة والحد من تدفقات الهجرة، في ظل انحسار النفوذ الأوروبي في بلدان القارة، والاضطرابات الجارية في الشرق الأوسط، ورئاسة إيطاليا لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، حيث تتطلع إيطاليا إلى أن تكون فاعلًا رئيسيًا للاستقرار والشراكة مع الدول الأفريقية.

أوجه القصور في الخطة الإيطالية:

كشفت ردود الفعل التي جاءت من إيطاليا وأوروبا وأفريقيا تجاه “خطة ماتي” عن العديد من أوجه القصور التي يتعين على الحكومة الإيطالية مراجعتها لضمان تنفيذها، لا سيما أنها طرحت تساؤلات وتحديات يمكنها تقويض خطط العمل المقترحة، ويمكن إجمال أوجه القصور التي كشفتها ردود الفعل حول الاستراتيجية الإيطالية الجديدة في أفريقيا على النحو التالي:

1-غياب التنسيق مع الدول الأفريقية المعنية، وهو ما كشف عنه عدم صياغة بيان مشترك في ختام فعاليات القمة الإيطالية الأفريقية، والذي تسبب في هجوم المعارضة الإيطالية على حكومة ميلوني، وهو ما برره حزب “أوربا الخضراء” المعارض بأنه جاء على خلفية إدراك القادة الأفارقة لحقيقة الاستراتيجية الجديدة، والتي اعتبرها “محض استهزاء وتخفي سياسة نهب”، متهمًا ميلوني أنها “تريد الاستحواذ على الغاز لإحضاره إلى إيطاليا، والاستيلاء على الأراضي الزراعية لإنتاج الوقود الحيوي في أماكن يموت الناس فيها جوعاً”.

2-تركيز خطة ماتي على الوقود الأحفوري، وعدم الاهتمام بتعزيز مصادر الطاقة المتجددة، إذ انتقدت جمعيات حماية البيئة الإيطالية إصرار ميلوني على تحويل إيطالي لمركز للطاقة، والإخلال بتعهداتها بشأن الحد من الانبعاثات، وتجاهل تأثيرات أزمة المناخ على الهجرة.

3-ضعف التمويل المالي لتنفيذ المشروعات التنموية التي أعلنت عنها حكومة ميلوني في أفريقيا، وهو ما أقرت به رئيسة الوزراء الإيطالية ووعدت بإتاحة المجال للمناحين الدوليين للمشاركة في الخطة.

4-غياب الشراكات السياسية مع الحكومات الأفريقية، خاصةً أن الدول المستهدفة في المراحل الأولى للخطة تشهد أزمات سياسية وأمنية ما قد يعوق تنفيذ أي خطط تنموية.

5-عدم تحديد برامج التنمية المتوافقة مع التطلعات الخاصة بكل دولة أفريقية، وتجاهل مقترحات التسوية للأزمات السياسية والأمنية في القارة، وعدم إشراك الدول الأفريقية في صياغة برامج العمل المشمولة بالخطة.

6-إهمال البعد الإنساني في التنمية، وغياب الشراكة بين القطاع الخاص في إيطاليا وأوروبا وأفريقيا.

مستقبل الاستراتيجية الإيطالية:

تعتقد الحكومة الإيطالية أن اللحظة مواتية للدفع باستراتيجيتها الجديدة في أفريقيا، محاولة الاستفادة من انحسار نفوذ القوى الأوروبية التقليدية، والاهتمام الأمريكي بأفريقيا الذي قد يوفر مساحة للحركة في القارة، حيث تشهد العديد من بلدانها أزمات سياسية وأمنية، وتنافس الولايات المتحدة مع الصين وروسيا على مناطق النفوذ والثروة في الدول الأفريقية، وهو ما يعني مزيدًا من الفرصة المتاحة والتي ترى إيطاليا أنه يتعين اغتنامها مبكرًا، خاصة في أوقات الانتقال والاضطراب السياسي.

ولتحقيق التطلعات الإيطالية، يتعين على حكومة ميلوني الأخذ في الاعتبار الانتقادات الموجهة لخطة ماتي، والعمل على إشراك الدول الأفريقية في صياغة برامج شراكة ثنائية ومتعددة الأطراف، لضمان تلبية تطلعات الأطراف المستهدفة وتوفير التمويل اللازم لتلك البرامج، بما يمكنها من تحويل تلك الخطط إلى واقع ملموس على الأرض، واحتواء أي معارضة للنهج الجديد، خاصةً أنه سبق أن تعرضت العديد من المشروعات الإيطالية في أفريقيا لانتكاسات، لا سيما المتعلقة بضبط تدفقات الهجرة غير النظامية، مثل مشروع مراكز الاستقبال الذي اتفقت حكومة رئيس الوزراء الأسبق “ماتيو رينزي” بشأنه مع النيجر في 2016 وقوضته حالة التنافس مع فرنسا.

Ita
خيارات ميلوني: كيف ستتعامل الحكومة الإيطالية مع الحكم القضائي بمنع إعادة المهاجرين؟
UN-ISAREL-PALESTINIANS-CONFLICT-DIPLOMACY
التجاذبات الدولية حيال مشروع الجزائر لوقف إطلاق النار في غزة
بن غفير
دعوة متطرفة: بن غفير ومنع الصلاة في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان
الجزائر ومالي
التهدئة الحذرة في العلاقات الجزائرية المالية
Scroll to Top