العربية

التمكين الاقتصادي والاجتماعي للشباب في الجمهورية الجديدة

إن اتساع دائرة مشاركة الشباب في العمل العام، وانخراطهم في مجال ريادة الأعمال والابتكار على مدار السنوات العشر الماضية لم يكن محض صدفة، وإنما نتاج السياسات التي تبنتها الجمهورية الجديدة، واستهدفت فيها الشباب من خلال تمكينهم عبر التدريب والتأهيل والانخراط في الأنشطة المتعددة التي تنظمها مؤسسات الدولة وهيئاتها المتنوعة، بهدف تعزيز اندماجهم في المجتمع، وتأهليهم للمشاركة في عملية صنع القرار. وقد شهدت الفترة ما بين (2014 – 2024) العديد من السياسات التي تهدف إلى دعم وتمكين الشباب المصري على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث أولت القيادة السياسية اهتمامًا بهذه الفئة، ووصفتها بأنها عماد الدولة المصرية، والركيزة الأساسية نحو النهوض والتقدم بالدولة، وحرصت على دعمهم بكافة السبل والوسائل المختلفة.

ويشير المتابعون لقضايا الشباب أنه لم يحدث كل هذا الاهتمام سواء على مستوى الخطاب السياسي، أو على مستوى الاهتمام الفعلي والاتصال بالشباب على النحو الذي يحدث في إطار الجمهورية الجديدة، التي رسخت مبدأ التواصل المباشر بين القيادات والشباب لتجاوز أي محاولات من قِبل البيروقراطية للفصل بينهم أو احباط عزائمهم.

تمكين الشباب في المجال الاقتصادي:

إزاء ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب المصري والتي قدرت بنحو 29% خلال عامي 2013 و2014، حيث بدأت الدولة المصرية في إعداد مجموعة من المبادرات والبرامج المتكاملة اقتصاديًا لتوفير فرص عمل مناسبة للشباب، ومساعدتهم على الانخراط في سوق العمل، بهدف تمكينهم اقتصاديًا وإكسابهم القدرة على إيجاد فرص عمل لائقة ومنتجة، وقد تعددت هذه المبادرات والبرامج، ومنها:

مبادرات “البنك المركزي”: وتشمل المبادرات التي أطلقها البنك المركزي في إطار تكليفات القيادة السياسية خلال حفل تدشين يوم الشباب المصري في 9 يناير 2016 لتسهم في التمكين الاقتصادي للشباب، حيث أعلن البنك عن مبادرة تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر والتي استهدفت القطاعات الاقتصادية المهمة وبالأخص الشركات والمنشآت الصناعية والمنتجة للمكونات الوسيطة للصناعة أو لإحلال الواردات، بالإضافة إلى الأنشطة ذات الكثافة العمالية، وقد وصل حجم محفظة تمويلات هذه المشروعات بالبنوك إلى 316 مليار جنيه في الفترة من يناير 2016 حتى ديسمبر 2021[1].

وكخطوة مكملة للمبادرة السابقة، أطلق البنك المركزي في عام 2019 مبادرة “رواد النيل”، بهدف تشجيع تأسيس الشركات الناشئة في القطاعات الاقتصادية التي تستخدم التكنولوجيا الحديثة لدعم المنتج المحلى وزيادة قدرته التنافسية، ولتحقيق الاستدامة في هذه المشروعات، كما أعلن البنك عن إنشاء حاضنات أعمال بهدف تقديم الدعم الفني والإداري للشركات الناشئة في مجال إعداد دراسات الجدوى وتصميم وتسويق المنتجات[2]. وبعد مرور قرابة خمس سنوات على إطلاق هذه المبادرة، بلغ حجم تمويلها نحو 4.7 مليار جنيه، وتمكنت من افتتاح 81 مركز لتطوير الأعمال في 23 محافظة، وتقديم 386 ألف خدمة غير مالية واستشارية، وبلغ عدد الشركات الناشئة المستفيدة من برامج الاحتضان نحو 276 شركة، وبلغ عدد الشركات الصغيرة والمتوسطة المستفيدة من برامج التحول الرقمي نحو 730 شركة، فضلًا عن توفير ما يقرب من 55 ألف فرصة عمل[3].

مبادرة “ابدأ”: وهي المبادرة التي تم إطلاقها في أكتوبر من عام 2022، في إطار تكليف القيادة السياسية خلال إفطار الأسرة المصرية، بتدشين مبادرة دعم وتوطين الصناعات الوطنية للاعتماد على المنتج المحلي وتقليل الواردات، وذلك من خلال تعزيز دور القطاع الخاص المصري في توطين العديد من الصناعات الكبرى والمتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، مع تقديم عدد من الحوافز في صورة أراضي بحق الانتفاع وإعفاء من الضرائب لمدة خمس سنوات، بالإضافة إلى تقديم أوجه الدعم اللازم لتقنين الأوضاع للمخالفين وتقديم الدعم الفني والمادي اللازم للمتعثرين[4].

وتهدف مبادرة “ابدأ” إلى تحقيق ثلاثة أهداف وهي: توفير فرص عمل للشباب، وتوطين الصناعات الحديثة، وتقليل الفجوة الاستيرادية، ولتحقيق هذه الأهداف عملت المبادرة وفق ثلاثة محاور وهي: محور المشروعات الكبرى، ومحور دعم الصناعة، ومحور التدريب والبحث والتطوير.

وخلال عام من إطلاق المبادرة نجحت في محور المشروعات الكبرى في تكوين ٦٤ شراكة استثمارية لتوطين ٢٣ صناعة حديثة لأول مرة في مصر، مثل صناعات الصودا “آش” والسيليكون والتكييفات المركزية والخامات الدوائية ومكونات محطات مياه الشرب والصرف الصحي، وتشير التقديرات أنه من المتوقع أن تسهم تلك المشروعات في تحقيق وفر في الواردات وزيادة في الصادرات بقيمة ١٦ مليار دولار. وفي محور دعم الصناعات، تم العمل على مساعدة المصانع للخروج من عثرتها ومعاودتها للإنتاج وبرز ذلك في دعم أكثر من 789 مصنع قائم، ونحو 4979 مستثمر جديد. وفي مجال التدريب والتطوير، بدأت المبادرة في تنفيذ المشروع الوطني لتطوير التعليم والتدريب المهني بالتعاون مع كافة مؤسسات الدولة والجهات المعنية بالتعليم الفني والتقني وعلى رأسهم اتحاد الصناعات، ووزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، والذي يستهدف تطوير 20 مدرسة والوصول لنحو 5000 طالب منتظم و15000 متدرب خريج.

مبادرة “مشروعك”: وهي المبادرة التي أطلقتها وزارة التنمية المحلية، والتي تهدف إلى تقديم قروضًا ميسرة للشباب لتنفيذ مشروعاتهم الصغيرة ومتناهية الصغر في المحافظات، بفائدة لا تتعدى 5%، وقد أسهم المشروع منذ انطلاقه في عام 2015 حتى نهاية عام 2023 في تنفيذ 207 ألف مشروع بقروض بلغت نحو ٢٧,١ مليار جنيه ووفرت هذه المشروعات أكثر من ١,٦ مليون فرصة عمل.

أضف إلى ذلك، أنه خلال عشر السنوات الماضية، سارت مؤسسات الدولة بأجهزتها المختلفة في مجال التمكين الاقتصادي للشباب وتأهليهم لسوق العمل، فأعلنت وزارة الشباب والرياضة بالتعاون مع وزارة الاتصالات وشركة مايكروسوفت مصر ومؤسسة كير مصر عن مبادرة “طور وغير” والتي استهدفت تدريب نحو 5 مليون شاب وفتاة في مجال التكنولوجيا والبرمجة والتسويق والمهارات الحياتية والموارد البشرية والمبيعات والاستشارات المهنية، كما نفذت وزارة التخطيط مشروع “رواد 2030” بهدف تمكين الشباب من تأسيس المشروعات الخاصة والعمل على تكريس ودعم دور ريادة الأعمال في تنمية الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل، فضلًا عن إطلاق وزارة الصناعة بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “اليونيدو” مشروع “إمكان” لتشغيل الشباب ودعم ريادة الأعمال في صعيد مصر. وفي إطار الدعم المتواصل لتمكين الشباب اقتصادياً، أصدر مجلس النواب القانون رقم 152 لسنة 2020 لتنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، بهدف تقديم عدة حوافز مالية وغير مالية وضريبية لقطاع المشروعات الصغيرة في المناطق الصناعية والسياحية والمجتمعات العمرانية وأراضي الاستصلاح الزراعي.

وهكذا، يمثّل التمكين الاقتصادي للشباب موردًا مهمًا لأمن المجتمع واستقراره، فمن شأنه تمهيد الطريق لجعل تلك الفئة قوة دافعة للنهوض بالمجتمع وحمايته من الاضطرابات نتيجة ما توفره المبادرات من فرص عمل لتشغيل الشباب وتحسين جودة حياتهم المعيشية، إضافةً إلى حماية هؤلاء الشباب من البدائل غير الآمنة كالهجرة غير الشرعية. وقد أدت هذه السياسات والمشروعات المشار إليها إلى وصول معدلات البطالة في الدولة إلى 7.1% خلال عام 2023، وذلك بعد أن كانت تقدر بنحو 29% خلال عامي 2013 و2014.

تمكين الشباب في المجال الاجتماعي:

بالتوازي مع انتهاج سياسات التمكين الاقتصادي، تبنت الجمهورية الجديدة سياسات التمكين الاجتماعي بهدف تلبية احتياجات الشباب وتنمية مشاعر الثقة بالنفس لديهم، بما يسهم في عملية اندماجهم في المجتمع والقدرة على المشاركة في عملية صنع القرار، وبرز ذلك في مجال تحسين جودة التعليم وبناء القدرات وتطوير المنظومة الصحية وتوفير السكن المناسب وإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، ومبادرة التحالف الوطني للعمل الأهلي وغيرها من المبادرات التي تسهم في تحقيق التعبئة الاجتماعية. وفي هذا السياق يمكن عرض أبرز سياسات التمكين الاجتماعي للشباب بالتركيز على مجالي التعليم والإسكان.

ففي مجال التعليم، أطلقت الدولة المشروع القومي لتطوير التعليم عام 2017، والذي استهدف وضع تصور جديد للمجتمع التعليمي بهدف تنمية مهارات النشء والشباب، وليكونوا أكثر إقبالًا على التعليم والابتكار، وفي هذا السياق، تم تطوير مناهج التعليم في مراحل رياض الأطفال والتعليم الأساسي واعتمد أسلوب التقييم على طريقة تسهم في بناء شخصية مبتكرة ومفكرة وطموحة. إلى جانب ذلك، حظي التعليم الفني بأهمية كبرى لدى القيادة السياسية، حيث وجهت بإنشاء مدارس التكنولوجيا التطبيقية في التخصصات الصناعية والاستثمارية، بهدف ربط التعليم بسوق العمل، وتوطين الصناعات الكبرى لتصبح السوق المصرية مفتوحة أمام الشباب. إضافةً لما سبق، عملت الدولة على توفير البنية التحية في مجال التعليم، بما يسهم في تحقيق التمكين الاجتماعي من خلال التوسع في إنشاء المدارس المصرية اليابانية، والتي بلغ عددها نحو 43 مدرسة على مستوى الجمهورية، كما تم إنشاء 13 مدرسة من المدارس الدولية الحكومية، إضافة إلى إنشاء نحو 22 مدرسة للمتفوقين.

كما أولت الدولة اهتمامًا غير مسبوق في مجال التعليم العالي والبحث العلمي لتحقيق التنمية الاجتماعية، حيث تشير البيانات إلى ارتفاع عدد الجامعات فى مصر والذي بلغ نحو 96 جامعة عام 2023، بما يسهم في استيعاب الزيادة السنوية، وانعكس ذلك في زيادة عدد الكليات والتي بلغ عددها 473 كلية حكومية، وقد ضمت تلك الكليات خلال العام المشار إليه نحو 3.3 ملايين طالب بدلًا من 2.4 مليون طالب عام 2014، كما تم التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية والخاصة، والتي بلغ عددها في عام 2023 نحو 47 جامعة، بالإضافة إلى 10 جامعات تكنولوجية، وقد شملت هذه الجامعات 237 كلية خاصة، و99 كلية أهلية، و43 كلية فى الجامعات التكنولوجية.

وفي إطار الاهتمام بتطوير المحتوى العلمي في كل بيت مصري، تم تدشين “بنك المعرفة” والذي يمثل أكبر مكتبة رقمية في العالم، ويعمل على إتاحة الموسوعات العلمية والمناهج التعليمية والأبحاث بهدف تثقيف وتعليم وتنمية مهارات النشء والباحثين الشباب باختلاف فئاتهم العمرية. وخلال السنوات الماضية استطاعت منصة بنك المعرفة تلبية احتياجات النشء والشباب، فوصل التفاعل مع المنصة نحو 25 مليون مستخدم، كما تجاوزت عمليات الاطلاع وتحميل المستندات أكثر من 350 مليون مستند[5].

وفي مجال الإسكان، حققت القيادة السياسية رغبة الشباب في تملك السكن الخاص بهم، ففي عام 2014 أعلن الرئيس “عبد الفتاح السيسي” عن مبادرة “سكن لكل المصريين” بهدف توفير مليون وحدة سكنية لحل مشكلة إسكان الشباب في كل أنحاء الجمهورية بتكلفة تقدر بنحو 400 مليار جنيه. وفي هذا الصدد، ركزت وزارة الإسكان جهودها في توفير المساكن لجميع فئات المجتمع وخصوصًا الشباب وتحسين جودة حياتهم، فاعتمدت سياسة الإسكان منذ عام 2014 على ثلاثة محاور رئيسية، هي: الدعم والمساندة والاتاحة، حيث تم توجيه الدعم لفئات الدخل المنخفض من خلال إنشاء وحدات سكنية ميسرة للشباب، والقضاء على مناطق الخطورة الداهمة وتطوير المناطق غير الآمنة. وبحلول عام 2024، كانت الحكومة قد انتهت من تنفيذ مبادرة “مليون وحدة سكنية”، حيث أعلن رئيس الوزراء خلال مشاركته في افتتاح أحد مشروعات سكن لكل المصريين بمدينة أكتوبر الجديدة، عن انتهاء الحكومة من بناء مليون وحدة سكنية للشباب ومحدودي الدخل. وقد أسهمت هذه المبادرة في تقديم حلول واقعية لمعضلة أرقت العديد من الشباب الراغب في امتلاك سكن ملائم وخاص به.

وخلاصة القول، أدت سياسات التمكين الاجتماعي من خلال تحسين جودة التعليم وتوفير السكن الملائم، إلى تهيئة المناخ النفسي وتوفير المعايير المعيشية اللائقة للشباب المصري على النحو الذي يمكنهم من الحراك الاجتماعي، ليصبحوا قادرين على الإنتاج والإبداع وخلق القيمة المضافة.

وختامًا، فقد مثّلت الفترة ما بين عام 2014 وعام 2024 مرحلة التحول الحقيقية في مجال تمكين الشباب على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. ولا غرابة في القول، بأن الشباب خلال هذه المرحلة كان موضع اهتمام ومحل ثقة من قِبل أعلى مستويات السلطة في البلاد، فلم يتوقف الأمر عند مرحلة التمكين الاقتصادي والاجتماعي، بل امتد إلى المجالين السياسي والإداري، ويدل على ذلك تولي العديد من الشباب خلال هذه المرحلة للمناصب القيادية على المستويات التنفيذية المختلفة كمعاونين ومساعدين ونواب للوزراء والمحافظين، وتمثيلهم في الهيئات النيابية كأعضاء في مجلسي النواب والشيوخ، فضلًا عن استمرار تواصلهم عبر القنوات المختلفة للتعبير عن آرائهم وطرح أفكارهم ومشاكلهم مع الأجيال الأكبر سنًا ومع صناع القرار، في حوارات مفتوحة، كما هو الحال في المؤتمرات الوطنية للشباب، والحوار الوطني.


[1]  “جهود الدولة لـدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة”، موقع الهيئة العامة للاستعلامات. 17 يوليو 2022، متاح على https://2h.ae/XMak

[2]  “«المركزي» يطلق مبادرة «رواد النيل» لدعم المشروعات الصغيرة والناشئة”، موقع المصري اليوم. 17 فبراير 2019، متاح على https://www.almasryalyoum.com/news/details/1370901

[3]  “البنك المركزي: مبادرة رواد النيل قدمت تمويلات بأكثر من 4.7 مليار جنيه”، موقع اتحاد بنوك مصر. 20 نوفمبر 2023. متاح على https://febanks.com/59264/

[4]  “مبادرة تطوير الصناعة المصرية “ابدأ”، موقع رئاسة الجمهورية. 11 أكتوبر 2022، متاح على https://2h.ae/odrI

[5]  “وزير التعليم العالي يناقش خطة العمل المستقبلية لبنك المعرفة المصري في 2024″، موقع الهيئة الوطنية للإعلام. 6 ديسمبر 2023، متاح على https://2h.ae/yOnR

التعاونيات
دور التعاونيات في تنفيذ رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة
f8788560-972b-11ee-bcaa-f5f8fc85355a-file-1702192560305-924634186
حقائق الانتخابات الرئاسية في مصر 2024
Scroll to Top