العربية

العدد (97) – عدد خاص

الافتتاحية

لواء د/ خالد الخمري

رئيس المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط

يصدر هذا العدد الخاص من مجلة مركزنا المعنونة “أوراق الشرق الأوسط” وسط تحولات مهمة في المحيط الإقليمي مع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، والذي انطلق في السابع من أكتوبر 2023. مثل هذا العدوان، وبحق، حرب إبادة جماعية إزاء الشعب الفلسطيني، ومحاولة صريحة لتصفية القضية وسد الأبواب أمام احتمالات الحل السياسي ولو مؤقتًا.

لقد فرضت ملابسات العدوان وتداعياته أن تتصدى مراكز البحث والفكر، وفي مقدمتها مركزنا، عبر إصداراتها العلمية، لتوثيق أبعاده ورصد أدوار الأطراف المباشرة والأطراف ذات الصلة، ووضع السيناريوهات المحتملة إزاء تصعيد العدوان أو محاولات احتوائه.

يحمل هذا العدد الخاص بين دفتيه جهدًا بحثيًا متميزًا لنخبة من الخبراء والمتخصصين والباحثين في الشأن المصري والعربي والإسرائيلي والدولي، حيث سعت الدراسات المقدمة إلى سبر أغوار هذا العدوان، وتحديد دوافعه التي ربما تعود إلى فترات أسبق من السابع من أكتوبر2023، وهي الفترات التي شهدت وما تزال استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراض عربية، ورفض وتعنت إسرائيل أمام التسوية السياسية القائمة على حل الدولتين.

كما استهدفت الدراسات توثيق مواقف الأطراف مع التركيز على الجهد المصري باعتبار مصر المعنية بالقضية وصاحبة الملف ولديها الالتزام التاريخي بدعم الحق الفلسطيني المسلوب منذ سنوات.

إن الظرف الإقليمي والدولي المصاحب لإصدار هذا العدد الخاص من مجلتنا – أوراق الشرق الأوسط – جاء كاشفًا عن دور مصر بحسبانها الدولة المفتاحية في الإقليم، والأكثر قدرة على الاشتباك مع قضاياه، وفي مقدمتها القضية المركزية المتمثلة في القضية الفلسطينية.

لا شك أن التصدي لدراسة ظاهرة متحركة – على غرار العدوان الإسرائيلي السافر على القطاع – يحمل العديد من التحديات ويستلزم اللجوء إلى مناهج بحثية رصينة تحقق الموضوعية في التحليل، وتقدم التفسيرات الأقرب إلى الواقع وهو ما تتميز به الدراسات الواردة في هذا العدد الخاص حيث استعان مقدمو الدراسات بكافة المناهج العلمية التي تعينهم على استجلاء الحقائق، وتقديم الطرح العقلاني الذي يحترم عقلية القارئ، ويعزز وعيه الحقيقي.

وقد بدت تلك التحديات أكثر صعوبة في ضوء الدور السلبي الذي مارسته وسائل الإعلام الأمريكية خاصة، والغربية عامة، في لي عنق الحقيقة، وتشويه الواقع، وخلق ما يمكن تسميته بالوعي الزائف في صراع ممتد منذ سنوات، حيث روجت سلطات الاحتلال لرواية مزعومة حول حقها في الدفاع عن النفس أمام ما تصفه بالهجمات الإرهابية للمقاومة الفلسطينية، وذلك في إنكار تام لحق المحتل في المقاومة والمطالبة بحقه المشروع.

عكست الدراسات ازدواجية معايير العالم الغربين وانحيازه التام لروايات مزعومة ودعمه اللامحدود لمشروع استيطاني موسع، يتأسس على تفريغ القطاع من سكانه، إما قسرًا أو طوعًا، وهو المخطط الذي تحطم على صخرة الرفض الرسمي والشعبي المصري، باعتباره ينتهي إلى تصفية القضية من ناحية، ويمثل تهديدًا للأمن القومي المصري من ناحية أخرى.

باتت حكمة القيادة المصرية وبصيرتها في التعامل مع استفزازات سلطات الاحتلال الإسرائيلي هي الموجه لتحركات العالم الغربي، وهو ما تمثل في تحول الرأي العام العالمي والخروج في موجات من التظاهرات المطالبة بوقف العدوان، دون أن تجد أذنًا صاغية من جانب سلطات الاحتلال.

تكشف تلك الدراسات أيضًا عن حقيقة سقوط منظومة حقوق الإنسان التي يروج لها الغرب، بل ويستخدمها في أحيان كثيرة كأداة للتدخل في شئون الدول الأخرى، إن سقوط تلك المنظومة الحقوقية يتزايد مع استمرار العدوان واستهداف المدنيين ومقومات الحياة في قطاع غزة دون رادع.

جادلت الدراسات أيضًا في جدوى قواعد القانون الدولي في فرض الأمن والاستقرار ووقف العدوان ومنع الانتهاكات على وقع العدوان السافر المتواصل دون توقف.

تبقى تلك الدراسات والعدد الخاص الذي يضمها وثيقة تاريخية، شاهدة على معضلة علمية ما تزال تبحث عن حل، وتتمثل في جدلية القوة أم القانون، وأيهما يحكم العالم، أو ينبغي أن يحكم العالم.

الفهرس

Scroll to Top