العربية

مقاربة جديدة: حدود الدور الروسي في مكافحة الإرهاب في أفريقيا

كشفت الفترة الأخيرة عن تشكل نهج روسي مغاير يأخذ طابعًا رسميًا فيما يتعلق بملامح الانخراط الروسي الأمني والعسكري في القارة الأفريقية، وهو ما تجلى في حجم الزيارات المكثفة والمتتالية التي قام بها نائب وزير الدفاع الروسي “يونس بك يفكوروف” لبعض الدول الأفريقية، حيث استهدفت تلك الزيارات تعميق مستويات التنسيق الأمني والعسكري بين روسيا وحلفائها الأفارقة في ليبيا ودول الساحل الأفريقي تحت مظلة كيان عسكري جديد يُعرف بـ “الفيلق الأفريقي”.

مسارات تقليدية:

استهدفت موسكو على مدار العقد الماضي توظيف جملة من الأدوات الأمنية والسياسية تجاه القارة الأفريقية في مجال مكافحة الإرهاب، والتي شكلت بدورها ملامح الاستراتيجية الروسية في أفريقيا القائمة بالأساس على تعميق أطر التعاون الأمني المشترك، حيث سعت روسيا إلى إبرام اتفاقيات تعاون عسكري مع الدول الأفريقية، أخرها الإعلان عن توقيع اتفاقات للتعاون العسكري مع أكثر من 40 دولة أفريقية، وذلك خلال القمة الروسية الأفريقية في سان بطرسبرج منتصف العام الماضي، وأيضًا من خلال القواعد الروسية المنتشرة في بعض الدول الأفريقية، مثل بوركينا فاسو،  ومن خلال صفقات بيع الأسلحة الروسية إلى أفريقيا، والتي شكلت نحو 40% من واردات أفريقيا من نظم الأسلحة الرئيسية في الفترة (2018 – 2022)، متجاوزة واردات الأسلحة من الولايات المتحدة، وأوروبا، والصين.

ويُضاف إلى تلك الأدوات، انتشار الشركات الأمنية الروسية وعلى رأسها مجموعة فاجنر التي قام الكرملين بتوظيفها بشكل غير مباشر من أجل خدمة المصالح الأمنية الروسية في أفريقيا عبر مهام مكافحة الإرهاب، حيث انخرطت المجموعة في عمليات عسكرية عديدة ضد الجماعات الإرهابية في الساحل الأفريقي بموجب عقود تبرمها مع حكومات الدول بهدف توفير الدعم الأمني والعسكري للجيوش الوطنية في مواجهة الخطر الإرهابي مقابل بعض الامتيازات الاقتصادية التي تحصل عليها المجموعة.

ملامح تغير النهج الروسي:

يشير الإعلان عن فيلق أفريقيا الروسي إلى تبني موسكو مقاربة أمنية مركزية تستهدف في المقام الأول مكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي، لاسيما بعد الأزمات التي أحاطت بمجموعة “فاجنر” الروسية في أعقاب وفاة قائدها السابق “يفجيني بريجوجين”، وتراجع حجم الدعم المالي واللوجستي للمجموعة؛ فارتأت موسكو على إثر ذلك تشكيل كيان عسكري يخضع لسلطتها بشكل مباشر ويتيح لها في ذات الوقت آليات عمل أمنية مشابهة لتلك التي كانت تحكم إطار عمل مجموعة فاجنر في مجال مكافحة الإرهاب في أفريقيا.

ويأتي تشكيل الفيلق الأفريقي في ضوء العديد من التطورات المتشابكة والتي تتصل بالأوضاع الدولية، والإقليمية، وحتى تلك المتعلقة بالدور الروسي في عمليات المكافحة في أفريقيا؛ فمن ناحية أثار تمرد مجموعة فاجنر منتصف العام الماضي، وما أعقبه من وفاة بريجوجين، العديد من الأزمات التنظيمية التي لحقت بعناصرها المتمركزة في أفريقيا في ظل العقوبات والقيود الروسية التي تم فرضها على قادة المجموعة وبعض أنشطتها. كذلك فقد ألقت موجة الاضطرابات الداخلية في دول الساحل بظلالها على الأوضاع الأمنية هناك، حيث أضحت المنطقة ملاذًا للعديد من التنظيمات الإرهابية، ومسرحًا للمواجهات العسكرية التي تشمل انخراطًا لفاعلين وجهات مختلفة الأهداف والتوجهات.

بالإضافة إلى ذلك، وفي ظل التحولات الدولية المتسارعة الناتجة عن الصراعات وتزايد بؤر الأزمات الدولية، يبرز سباق الحضور والنفوذ بين القوى الكبرى حول المناطق الاستراتيجية بالعالم، ولطالما كانت القارة الأفريقية مسرحًا لذلك التنافس من منطلق أهميتها الاستراتيجية والجيوسياسية، وترغب روسيا في ذلك السياق إلى البناء على حالة الرفض الشعبي في العديد من الدول الأفريقية للتواجد والنفوذ الأوروبي بها بالإضافة إلى تخارج مهام مكافحة الإرهاب الأممية والغربية من تلك البلاد، من أجل الضلوع بدور أمني أعمق في أفريقيا من بوابة مكافحة الإرهاب. بيد أن الكرملين لم يعلن حتى اللحظة عن تشكيل الفيلق بشكل رسمي، إلا أنه منذ أواخر عام 2023 أشارت العديد من التقارير ذات الصلة بالشأن الروسي والأفريقي، إلى أن الفيلق الذي سيكتمل تشكيله منتصف العام الجاري، سوف يخضع بشكل مباشر ماليًا وتنظيميًا لوزارة الدفاع الروسية، وأن نائب وزير الدفاع يونس بك يفكوروف، سوف يتولى الإشراف المباشر على الكيان العسكري وعملياته المنظورة في القارة، وذلك بعدما تم إقرار تعديل قانوني سمح للحرس الرئاسي الروسي بالإشراف على التشكيلات التطوعية العسكرية خارج روسيا.

وتشير تقارير إلى أن الفيلق الروسي سينشط في بعض الدول، مثل: مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تشير أيضًا إلى أن ليبيا قد تصبح مركزًا للقيادة العامة للفيلق؛ انطلاقًا من الأهمية الاستراتيجية لليبيا كونها تقع على البحر المتوسط، وبالتالي ستضمن سهولة الإمدادات العسكرية للفيلق عبر هذه الدول. أما بالنسبة لعمليات التجنيد، فتشير بعض المعلومات الواردة في ذلك السياق إلى أن الفيلق سوف يضم نحو 40 ألف مقاتل، مع الاعتماد الأساسي على دمج عناصر من مجموعة فاجنر والمجموعات الأمنية الأخرى التابعة لشركات روسية تعمل في أفريقيا، وفتح باب الانضمام لعناصر روسية وأفريقية تتمتع بقدرات وخبرات عسكرية وقتالية.

تحديات محتملة:

ثمة بعض التحديات التي تفرض نفسها على واقع عمل وفاعلية دور الفيلق في مكافحة الإرهاب في أفريقيا؛ والتي تأتي في مقدمتها التحديات اللوجستية والتمويلية، حيث يظل نجاح أي عمليات عسكرية مرهونًا بصفة أساسية بحجم التمويل والدعم اللوجستي لها، لذلك فإن قدرة موسكو على تخصيص تمويل ضخم وثابت يضمن ديمومة عمليات الفيلق في ظل استمرار حربها على أوكرانيا لا يزال موضع شك، لا سيما أن الدول التي سينطلق من خلالها الفيلق تواجه بالفعل أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة. وفي هذا الإطار أيضًا، تشكل قدرة الفيلق على تجاوز الأزمات الداخلية بهذه الدول المتعلقة بمدى قبول الدور الروسي تحديًا آخر، وهو ما يطرح إمكانية تشكل تحالفات بين بعض تلك المعسكرات أو الجماعات المسلحة التابعة لها مع الجماعات الإرهابية النشطة ببعض الدول لمجابهة عناصر الفيلق.

واتصالًا بما سبق، فمن المؤكد أن القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة لن تقبل بأدوار الفيلق الأمنية التي ستشكل اتساعًا لنطاق النفوذ الاستراتيجي لروسيا بالقارة، لذا فإن عامل التنافس الدولي سيكون حاسمًا في استمرار عمل الفيلق بإطاره الرسمي، لا سيما في حال نهاية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وغلق جبهة صراع تشكل محور تركيز الولايات المتحدة في الوقت الراهن. كما أن حفاظ قيادة الفيلق المركزية على تماسكه وضمان عدم تمرد عناصره نتيجة الصراع على الموارد بمناطق عمليات الفيلق يمثل تحديًا واضحًا لفاعليته، فمن الممكن أن تشكل أي انتهاكات أو أعمال شغب وعنف لعناصر الفيلق ضد المدنيين على وجه التحديد ضربة قاصمة للفيلق والدور الروسي بشكل عام أمام المجتمعات الأفريقية، لا سيما أن ذلك سوف يتم استغلاله من قبل الأوساط الإعلامية الغربية للتأثير على صورة روسيا ودورها في القارة، كما أنه سيجعل من الفيلق وقياداته أهدافًا للعقوبات والقيود الأمريكية.

وختامًا، فإنه بقراءة هيكل الفيلق المحتمل وتشكيله في الدول الأفريقية، يمكن القول إن مهام الفيلق في مكافحة الإرهاب بأفريقيا سوف تشمل محورين رئيسيين؛ يرتكز الأول حول القيام بعمليات مشتركة وموسعة مع الجيوش الوطنية بالبلدان الخمسة تستهدف معاقل وتمركزات التنظيمات الإرهابية، وهو ما سيطرح بالتبعية ضرورة زيادة التفاهمات الأمنية والعسكرية بين هذه الدول تحت مظلة الفيلق من أجل تسهيل عبور الإمدادات العسكرية التي ستستخدم في تلك العمليات. بينما يتعلق المحور الثاني بقيام عناصر الفيلق التي سيتم توزيعها على هذه الدول بعمليات نوعية ومركزة بداخلها من أجل ضمان السيطرة على أكبر قدر من المساحات بعد طرد الجماعات الإرهابية التي تسيطر عليها، وبالتالي تطويق مناطق نفوذها، وسيعتمد ذلك المحور على حجم التنسيق الأمني والاستخباراتي بين عناصر الفيلق والأجهزة الأمنية بهذه الدول.

ISIS Russia
ارتدادات موسكو: مخاطر عودة داعش في الشرق الأوسط
الصومال
بروباجندا الإرهاب: الدعاية الإعلامية لحركة الشباب الصومالية
ISIS
دلالات تصاعد هجمات داعش الأخيرة في الشرق الأوسط
حركة الشباب الصومال
حصاد وتوقعات: مؤشرات واتجاهات الإرهاب عام 2024
Scroll to Top