العربية

ارتدادات مكلفة: ما هي تداعيات وقف الأونروا على الفلسطينيين؟

انتقدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” المزاعم التي روجت لها إسرائيل من أجل وقف عمل الوكالة، واعتبرت الأخيرة أن سحب الأموال منها سيؤدي إلى انهيار النظام الإنساني المتدهور بشكل عام في غزة، وقد أصبحت الوكالة محط أنظار العالم بعد الهجوم الإسرائيلي عليها، خاصةً أنها الجهة الفاعلة الرئيسية في دعم ملايين الفلسطينيين منذ إنشائها في ديسمبر1949، وبناءً عليه سعت إسرائيل بكل الطرق نحو وقف عمل الأونروا، وظهر التحريض الإسرائيلي على الوكالة بشكل واضح في الفترة الأخيرة، الأمر الذي يلفت النظر إلى الضغوط التي يتم ممارستها على المنظمات الإنسانية لتحقيق مصالح ضيقة، حتى وإن تضاربت مع القانون الإنساني، بما يضيف عبئًا جديدًا على سكان قطاع غزة تحديدًا.

أهمية الدور:

وفقًا لوكالة الأونروا قبل السابع من أكتوبر 2023، يعيش نحو 81,8% من الأفراد في غزة تحت خط الفقر، منهم 71% من لاجئي فلسطين، فيما يعاني 64% من انعدام الأمن الغذائي، كما أن نصيب الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة يعتبر أقل ثلاث إلى أربع مرات منه في البلاد المجاورة، وبلغ معدل البطالة 46.6% بين سكان القطاع، وبموجب لبرنامج oPt))[1] لعام 2023، فإن الأولوية في غزة هي تقديم المساعدات الغذائية والنقدية الطارئة للأشخاص الأكثر تضررًا من الأزمة الاقتصادية، وبناء عليه طالبت الأونروا بمتطلبات تمويل لغزة بحوالي 311.4 مليون دولار في بداية عام 2023[2]، حصلت منه الأونروا على 19%  فقط  (حوالي 62.25 مليون دولار) بنهاية يونيو2023[3]، تم توظيفها علي النحو التالي:

المجالالتمويل الذي تم استقبالهالنسبة من إجمالي المساعدات
المساعدات الغذائية الطارئة49,63 مليون دولار79.7%
المال مقابل العمل الطارئ2.328 مليون دولار3.7%
المساعدات النقدية—-0%
الصحة845,67 ألف دولار1.36%
الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي6,670 مليون دولار10.7%
التعليم1,400 مليون دولار2.2%
المأوى، بما في ذلك المساعدات النقدية لتأمين مسكن انتقالي526,165 ألف دولار0.85%
التأهب للطوارئ42,49 ألف دولار0.69%
السلامة والأمن98.011 ألف دولار1.57%

ويتضح من الجدول السابق أنه خلال الستة أشهر الأولى من عام 2023، واجهت الأونروا في غزة تحديات تمويلية تحول دون تنفيذ مهامها، ليقتصر الأمر على عدد محدود من المستفيدين، لا سيما مع التحدي الرئيسي الذي واجهته عمليات الأونروا في غزة خلال تصعيد الأعمال العدائية في الفترة من 9 إلى 13 مايو 2023.

وفي عام 2022، طالب البرنامج ذاته، بحوالي 369,381 مليون دولار لأهالي غزة، استقبل منه 157,088 مليون دولار فقط، بنسبة 42,5% من التمويل المطلوب للقطاع بسبب ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتعطل سلاسل التوريد العالمية نتيجة لفيروس كورونا، والذي تفاقم إثر الأزمة الروسية الأوكرانية، وكان لكل هذه العوامل تأثيرًا كبيرًا على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة خلال ذلك العام[4].

تحرك إسرائيلي:

جاءت التحركات الإسرائيلية ضد الأونروا في اليوم التالي مباشرة بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية بشأن دعوى جمهورية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة، حيث أمرت محكمة العدل الدولية إسرائيل باتخاذ كل ما في وسعها من تدابير لمنع أعمال الإبادة الجماعية في قطاع غزة[5]، وعلى رأسها توفير المساعدات الإنسانية، وفي هذا الإطار سعت تل أبيب لممارسة الضغط على المجتمع الدولي لوقف دعم الأونروا للحد من أهمية قرار المحكمة الدولية، حيث اتهمت إسرائيل 12 من موظفي الأونروا في غزة بالمشاركة في هجوم 7 أكتوبر، كما أمر وزير المالية الإسرائيلي “بتسلئيل سموتريتش” مؤخرًا، بإلغاء المزايا الضريبية التي تحصل عليها الأونروا من إسرائيل[6].

وفي ضوء التفاعل على هذه المزاعم الإسرائيلية، أعلنت 15 دولة[7] (حتى كتابة هذا التقرير) وقف تمويلها للوكالة، بينما قررت دول أخرى عدم قطع التمويل مثل النرويج وإسبانيا، بل وأعلنت الأخيرة عن تقديم مساعدات طارئة بقيمة 3,5 مليون يورو للوكالة عقب قرار بعض الدول الكبرى بتعليق تمويلها[8]

وتضم قائمة الدول التي أعلنت تعليق تمويلها لوكالة الأونروا: الولايات المتحدة، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، وأستراليا، وفرنسا، والنمسا، وسويسرا، وفنلندا، وكندا، ورومانيا، والسويد، وهولندا ونيوزيلندا، والتي أسهمت في تمويل نسبة كبيرة من الأونروا، عام 2022، وذلك بنسبة بلغت 68% تقريبًا، خاصة الولايات المتحدة التي تسهم بنحو 29% من إجمالي التمويل، ومن المرجح أن يؤدي وقف وتعليق تمويل تلك الدول لتفاقم الأزمة الإنسانية الحادة في مناطق عمل الأونروا ( لبنان، والأردن، وسوريا، وغزة، والضفة الغربية)، لا سيما قطاع غزة، حيث سيؤثر ذلك بشكل حاد على كل العمليات والخدمات وعلى حياة الفلسطينيين، كما سيكون له تداعيات وخيمة وآثار سلبية، ومن المنظور الأخر، سيتسبب هذا التعليق في عدم وجود التمويل الكافي لدفع رواتب نحو 30 ألف موظف يعملون بالأونروا في مناطق عملها الرئيسية خلال شهر مارس 2024، من بينهم 13 ألف موظف في قطاع غزة.

بدائل الأونروا:

تأمل إسرائيل في المرحلة التي تعقب الحرب أن تمنع كل أنشطة الأونروا، وتستبدلها بوكالات أخرى تابعة للأمم المتحدة، ووكالات مساعدات أخرى، وفيما يلي عرض لبعض المؤسسات التي يتم تداولها في المصادر الإسرائيلية التي يُقترح أن تكون بديلة عن وكالة الأونروا:

  1. المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين: تم تدشينها بعد عام من إنشاء الأونروا، وتعمل على إعادة تأهيل اللاجئين في مناطق الصراع المختلفة في جميع أنحاء العالم، حيث تعمل المفوضية في 138 دولة بحسب أرقام عام 2022، وتخدم حوالي 29.4 مليون لاجئ، و5.4 طالب لجوء، و62.5 مليون نازح داخلي[9]، وقد قوبلت مسألة إدراج “اللاجئين الفلسطينيين” تحت إدارة المفوضية بالرفض، لأن المفوضية بشكل خاص، هي التي ساعدت اللاجئين اليهود في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، ولكن في الوقت الراهن تريد إسرائيل شطب الأونروا، أو على أقل تقدير دمجها في المفوضية في إطار إغاثة اللاجئين والعمل على توطينهم، مع استبعاد عودتهم.
  2. برنامج الغذاء العالمي: منظمة كبرى تابعة للأمم المتحدة، تقوم بعمليات الإنقاذ في حالات الطوارئ، وتستخدم المساعدة الغذائية من أجل تمهيد السبل نحو السلام والاستقرار والازدهار للأفراد الذين يتعافون من النزاعات والكوارث وآثار التغير المناخي[10]، حيث يُنظر إلى البرنامج على أنه الخيار الأكثر احتمالًا، لاسيما أن مجال عمله يقتصر على توزيع الغذاء على الفئات المستهدفة.
  3. الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية: وكالة تابعة للحكومة الأمريكية، وهي مسئولة في المقام الأول عن إدارة المساعدات الخارجية المقدمة للمدنيين، ويُشار في هذا الصدد إلى أنها تعد إحدى البدائل المطروحة، خاصةً أنها كانت تعمل في قطاع غزة وإن كان ذلك على نطاق محدود، وتدرس إسرائيل الحصول على موافقة الولايات المتحدة لتوسيع أنشطة الوكالة في غزة.

وختامًا، ربما تستطيع 15 دولة قطع الدعم والتمويل عن الأونروا، لكنها لا تستطيع استبدالها، خاصةً أنه قد مضى على عملها نحو 75 عام، ويرتبط وجودها بشكل كبير بإبقاء القضية الفلسطينية حية، وتظل العمود الفقري للإغاثة الإنسانية في غزة، ولا يعتمد عليها الفلسطينيون لمجرد حصولهم على الخدمات الحيوية فقط، وإنما ينظرون إلى وجودها باعتبارها تحافظ على حقوقهم كلاجئين، وذلك على عكس العديد من المؤسسات التي يُتداول اسمها كبديل عن الأونروا، والتي قد تفتقد إلى بنية تحتية قادرة على تنفيذ برامج الإغاثة، وستنزع في نفس الوقت عن الفلسطينيين صفة اللجوء.

ويسهم وقف التمويل إلى الأونروا في تحقيق هدف إسرائيل الخاص بتهجير سكان غزة، الأمر الذي يعني أن هذه الدول تدعم المخططات الإسرائيلية بشكل غير مباشر، مع الأخذ في الاعتبار وجود اعتراضات على وقف عمل الأونروا لصعوبة تعويضه، وهو ما أكده الأمين العام للأمم المتحدة بأنه لا يمكن استبدال عمل الأونروا في غزة، لأنه بمثابة العمود الفقري لتوزيع المساعدات الإنسانية الأممية.


[1] هو برنامج يبين الحد الأدنى من المساعدات المطلوبة للتخفيف من أثار الوضع الإنساني الذي يعاني منه أكثر من مليون لاجئ فلسطيني معرض للمخاطر في الأراضي الفلسطينية، حيث يقوم بتقديم المساعدات الغذائية الطارئة إلى 1.2 مليون لاجئ والمساعدات النقدية الطارئة للفئات الأكثر تضرراً من الأزمة الاقتصادية.

[2] “الأراضي الفلسطينية المحتلة – النداء الطارئ 2023”. الأونروا. يناير 2023. متاح على https://www.unrwa.org/sites/default/files/content/resources/2023_opt_ea-arabic.pdf

[3]“OCCUPIED PALESTINIAN TERRITORY EMERGENCY APPEAL 2023 PROGRESS REPORT”, UNRWA. 24 Dec 2023. Available at https://www.unrwa.org/resources/reports/occupied-palestinian-territory-emergency-appeal-2023-progress-report  

[4] “Annual operational report 2022”. UNRWA. Available at https://www.unrwa.org/sites/default/files/content/resources/2022_annual_operational_report_-_english.pdf

[5] “يتعين على إسرائيل الامتثال لقرار محكمة العدل الدولية الهام الذي يأمرها ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة”، منظمة العفو الدولية. 26 يناير 2024. متاح على https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2024/01/israel-must-comply-with-key-icj-ruling-ordering-it-do-all-in-its-power-to-prevent-genocide-against-palestinians-in-gaza/

[6] JERUSALEM POST STAFF, “Smotrich cancels UNRWA tax benefits due to Hamas connections”, Jerusalem Post. 8 February 2024. Available at https://www.jpost.com/israel-hamas-war/article-785771

[7] أحمد الضبع، “الأونروا: تعليق 15 دولة التمويل سيؤثر على كل عملياتنا وخدماتنا”. القاهرة 24. 15 فبراير 2024. متاح على http://tinyurl.com/6bu5df3n

[8] “ما هي الدول التي قررت مواصلة تمويل الأونروا لمساعدة الفلسطينيين؟”، فرانس24. 1 فبراير 2024. متاح على http://tinyurl.com/2zv4bfn5

[9] مفوضية اللاجئين: https://www.unhcr.org/ar/about-unhcr/who-we-are/figures-glance

[10] برنامج الغذاء العالمي: https://ar.wfp.org/who-we-are

US Dollar
سيناريوهات التعامل مع أزمة الديون العالمية
WARS
خسائر متراكمة: التداعيات الاقتصادية للحروب والصراعات في الشرق الأوسط
السندات
هل فقدت سندات الخزانة الأمريكية جاذبيتها؟
غزة
اليوم التالي: إشكاليات إعمار قطاع غزة
Scroll to Top