العربية

الانتخابات الإيرانية والمعضلات الثلاث

يستعد الإيرانيون إلى خوض غمار مرحلة جديدة في تاريخ البلاد السياسي في الأول من مارس المقبل، حيث سيختار الإيرانيون أعضاءً (من بين 15 ألف مرشح تقريبًا) لشغل 290 مقعد في مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، كما سينتخبون أيضًا من بين 1144 من رجال الدين، الذين يتنافسون على عضوية “مجلس خبراء القيادة” المؤلف من 88 مقعد.

تُعقد الانتخابات الإيرانية في ظل سياقات داخلية معقدة، حيث تعتبر الانتخابات النيابية المقبلة والانتخابات الخاصة بمجلس خبراء القيادة، أولى الانتخابات العامة التي تُعقد بعد التظاهرات الشعبية التي أعقبت مقتل الشابة من أصولٍ كردية “مهسا أميني”، وقد تطورت هذه التظاهرات بحيث شملت مناطق واسعة من البلاد تضمنت العاصمة طهران نفسها في عام 2022، كما شهدت التظاهرات في تلك الفترة تصعيدًا في الخطاب من مجرد المطالبة بالعدالة لمهسا أميني إلى المطالبة بإسقاط “حكم رجال الدين” في البلاد[1].

معضلة المشاركة:

على الرغم من أن التظاهرات التي استمرت لمدة عام، لم تُسفر عن أي تغيير جوهري في بنية النظام الإيراني أو أسلوب الحكم في طهران، إلا أن المظاهرات نفسها كان لها تأثيرًا كبيرًا على رؤية الشباب الإيراني للنظام الحاكم، إذ كان العمود الفقري لهذه التظاهرات هم من فئة الشباب المؤثرة في المجتمع الإيراني، وأوضحت أزمة الفجوة بين الأجيال التي يشهدها النظام السياسي الحالي في إيران، فمعظم النخبة السياسية الحالية هم من الرجال ما فوق الخمسين عام، وهم بطبيعة الحال من جيل الثورة الإسلامية أو الجيل الذي لحقه، ويتميز هذا الجيل بالولاء الأيديولوجي للثورة الإسلامية ومبادئها، في حين نمى في السنوات الأخيرة جيل مغاير يتكون معظمه من الشباب الذين لم يعايشوا الثورة الإسلامية ولا يدينون بالولاء الكامل لها.

أخذت الفجوة بين الأجيال في الاتساع في إيران، ولم تشهد السنوات الأخيرة محاولات جادة من قبل النخبة الحاكمة في طهران في تقليص هذه الفجوة بين الأجيال، وهو ما سيلقى بتأثيره على الانتخابات المقبلة، في ظل التوقعات بعزوف فئة الشباب عن المشاركة، ويُدلل على ذلك استطلاع للرأي أجرته وكالة استطلاعات الطلاب الإيرانيين (ISPA) خلال الفترة 23 أكتوبر – 21 نوفمبر 2023، حيث أشارت النتائج إلى أن ما نسبته 35.3% فقط من أصل 5086 مشاركًا سيصوتون في انتخابات مارس 2024، في مقابل تأكيد 36% على أنهم لن يُدلوا بأصواتهم[2].

وبشكل عام، يعتبر انخفاض معدلات المشاركة أحد التحديات أمام صانع القرار الإيراني، حيث شهد عام 2020 أضعف معدلات للمشاركة في الانتخابات البرلمانية منذ الثورة الإسلامية، وبلغت معدلات المشاركة 42% على مستوى البلاد، و26% فقط في العاصمة طهران، ويتحسب النظام في إيران من إمكانية تكرار هذا السيناريو في الانتخابات المقبلة، إذ أشارت وكالة أنباء فارس أن الاستطلاعات قد أظهرت أن نسبة المشاركة ستكون في حدود 40%[3]، وهو ما يعتبر أقل من نسبة 2020.

معضلة الاقتصاد:

يُضيف المشهد الاقتصادي لإيران مزيدًا من التعقيد لسياق الانتخابات المقبلة، ففي عام 2022 أصبح 30% من الأسر الإيرانية تعيش تحت خط الفقر، وفي فبراير 2023، انخفضت قيمة العملة الإيرانية إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، حيث تم تداول الدولار الأمريكي بأكثر من 600 ألف ريال في السوق الحرة[4]، وبلغ معدل التضخم حسب البنك المركزي الإيراني نحو 46.5% في عام 2023[5]، علاوةً على ذلك فإن العقوبات الامريكية والغربية على طهران قد أثرت بشكلٍ كبير على قدرتها على تصدير النفط، الذي يعتبر المصدر الرئيسي للدخل الإيراني، كما كان لجائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية تأثيرًا سلبيًا على الأداء الاقتصادي الإيراني في مجمله.

يُلقي الوضع الاقتصادي المتأزم حاليًا في إيران بظلاله على الانتخابات، حيث يعتبر الملف الاقتصادي، وطبيعة الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها المواطن الإيراني ملفًا انتخابيًا في أي استحقاقات جرت في إيران (سواء على مستوى الرئاسة أو على مستوى البرلمان)، وعلى الرغم من أهمية هذا الملف إلا أنه يعكس في المجمل حالة عامة من الإحباط في الشارع الإيراني، فمنذ إدارة الرئيس “حسن روحاني” كانت الآمال معقودة على حدوث تحسن في المؤشرات الاقتصادية بشكلٍ عام، وذلك على أثر توقيع الاتفاق النووي مع القوى الكبرى في عام 2015، ورفع العقوبات الغربية.

وعلى الرغم من أن الاتفاق النووي قد أسهم في حدوث انتعاش في الاقتصاد الإيراني بدخول استثمارات صينية وغربية، إلا أن خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، وإعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران قد عرقل بشكلٍ كبير طموحات إدارة روحاني بإحداث تحسن في الاقتصاد الإيراني، وهو الأمر الذي امتد أيضًا إلى عهد الرئيس “إبراهيم رئيسي”، وينظر الشعب الإيراني للملف الاقتصادي باعتباره ملفًا يتخطى التقسيمات التقليدية للسياسة الإيرانية (بين المحافظين والإصلاحيين).

معضلة الاختيار:

تواجه النخبة الإيرانية الحالية وعلى رأسهم المرشد الأعلى “علي خامنئي” معضلة حقيقية في الانتخابات المقبلة، تتعلق بالأساس بالاختيار بين بديلين يُستبعد أن يلتقيا، الأول وهو أهمية تأمين وجود مرشحين من التيار المحافظ في المناصب العليا في الدولة، والتي يتم تداولها عبر الانتخاب المباشر، أما البديل الثاني فيتمثل في أهمية تجنب انخفاض معدل المشاركة في الانتخابات المقبلة.

ويضمن البديل الأول ضمان وجود شبه هيمنة للتيار المحافظ على مؤسسات الدولة، خاصةً مجلس خبراء القيادة، والذي تنبع أهميته من مهامه وصلاحياته الدستورية، والتي تتضمن الإشراف على أداء المرشد الأعلى وتعيينه وإقالته إذا ثبت عدم صلاحيته للمنصب، وعلى الرغم من أن مجلس خبراء القيادة لم يمارس دورًا فعليًا، إلا أن الوضع يكاد يكون مختلفًا في هذه الانتخابات، بسبب تقدم المرشد الأعلى في العمر، ويعاني وفقًا لتقارير من مشكلات صحية، وبالتالي فإن سيطرة المحافظين على المجلس سيضمن عمليًا سلاسة انتقال السلطة إلى شخصية تنتمي لجيل الثورة الإسلامية أو من يؤمنون بفكرها ومبادئها.

أما بالنسبة للبديل الثاني وهو الحفاظ على نسب مرتفعة من المشاركة الشعبية في الانتخابات، فهو أمر مهم أيضًا بالنسبة إلى شرعية النظام السياسي، والتي بُنيت في إيران ما بعد الثورة الإسلامية وتأسست على مبدأ المشاركة الشعبية، وكثيرًا ما أستخدم المسئولون في إيران نسب المشاركة المرتفعة في الانتخابات للتدليل على صحة وفاعلية النظام السياسي الإيراني، وعلى ولاء وقبول الشعب للحكومة، لذا فإن انخفاض نسب المشاركة يعد أمرًا مؤرقًا للنخبة في إيران، والتي تخشى من أن يتم استغلال هذه النسب المنخفضة من قبل المعارضة أو الدول الغربية من أجل التدليل على أن النظام الإيراني قد فقد شرعيته، ومن ثم تأليب الشارع ضد النظام.


[1] ”Iran starts first election campaign since the 2022 mass protests over Mahsa Amini’s death in custody”, Associated Press. 22 February 2024. Available at https://apnews.com/article/iran-elections-campaign-mahsa-amini-06b3497840f797910bd7158f4d73b71d

[2] مهدی پناهی، “نتایج موج اول پیمایش ایسپا در خصوص انتخابات مجلس؛ مشارکت جدی‌تر خواهد شد”. درباره خبرگزاری دانشجویان ایران(ایسنا). 6 ديسمبر 2023. متاح على https://shorturl.at/glIQR

[3] گروه سیاسی خبرگزاری فارس، “نظرسنجی‌ها درباره میزان مشارکت در انتخابات 11 اسفند به حدود 40 درصد رسید”. خبرگزاری فارس. 14 يناير 2024. متاح على https://shorturl.at/qzFM4

[4] Kourosh Ziabari, “Iran: A Resource-Rich Country Reeling from Rampant Poverty”, Arab Center Washington DC (ACW). 3 April 2023. Available at https://arabcenterdc.org/resource/iran-a-resource-rich-country-reeling-from-rampant-poverty/

[5] “CPI and Inflation”, Iran Central Bank. Available at https://www.cbi.ir/Inflation/Inflation_en.aspx

Eth&Ugand
رسائل استباقية: التحركات الإثيوبية في منطقة القرن الأفريقي
Eth&Somal
كيف ستتفاعل إثيوبيا والصومال مع الوساطة الأوغندية المُقترحة؟
pakistan
التهديدات الأمنية وتفضيلات الناخب الباكستاني
الانسحاب
ماذا يعني انسحاب النيجر وبوركينافاسو ومالي من تجمع "الإيكواس"؟
Scroll to Top