العربية

مقدمات التغيير المحتمل: الانتخابات المحلية التركية 2024

تشهد تركيا في الوقت الحالي عددًا من التحركات التي تجريها الأحزاب السياسية استعدادًا لانعقاد الانتخابات المحلية في 31 مارس 2024، حيث سيدلي قرابة 64 مليون ناخب بصوتهم لانتخاب رؤساء 81 بلدية، وتحظى الانتخابات المحلية بأهمية كبيرة في تركيا، حيث تسعى الأحزاب للفوز بأكبر قدر ممكن من المقاعد وخصوصًا في البلديات الكبرى، وذلك باعتبارها مفتاح الفوز في الانتخابات الرئاسية، لأن الأحزاب تعمل من خلالها على تعزيز وجودها لدى الناخبين عن طريق تقديم الخدمات التي تمس حياتهم اليومية بشكل مباشر. ولذلك فإن الانتخابات ليست مجرد اختبار للحكم المحلي، ولكنها تمثل انعكاسًا للديناميكيات السياسية الأوسع وتأثيراتها على المستقبل التركي.

تتزامن الانتخابات المحلية المقبلة مع عدد من التطورات والأحداث التي يشهدها الداخل التركي، والتي من أبرزها ما يلي:

  • تأتي الانتخابات المحلية مع نشوة حزب العدالة والتنمية بالانتصار في الانتخابات الرئاسية الماضية والتي تغلب فيها الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” على تحالف المعارضة بقيادة “كمال كيليجدار أوغلو”، وأدت إلى تفكك أحزاب المعارضة في أعقابها ومن هنا تجددت رغبة العدالة والتنمية في استعادة السيطرة على البلديات الكبرى في تركيا لاسيما أنقرة وإسطنبول وإزمير بعد خسارتهم في عام 2019.
  • تصاعد الغضب لدى بعض أعضاء حزب الشعب الجمهوري ومناصريه من آلية اختيار بعض مرشحي الحزب في عدد من البلديات منها إسطنبول وأفجيلار وساريير، ووجهت اتهامات لكل من “أكرم إمام أوغلو” زعيم بلدية إسطنبول، و”أوزغور أوزيل” رئيس الحزب بالتحيز وعدم الشفافية في اختيار المرشحين، وظهرت مظاهر الانقسام في تنظيم مظاهرة أمام مكاتب الحزب في إسطنبول في منتصف فبراير الماضي، وكذا استقالة عدد من قيادات الحزب، مثل “جورسيل تكين” النائب السابق لرئيس الحزب، و”بتال إلجزدي” عمدة بلدية أتاشهير.
  • تباين استطلاعات الرأي فيما يخص نتائج الانتخابات المحتملة لاسيما في البلديات الكبرى مثل إسطنبول ولكن مع إشارة النتائج إلى احتدام الصراع بين عمدة بلدية إسطنبول الحالي و”مراد كوروم” مرشح حزب العدالة والتنمية[1].
  • إنهاء حزب “الرفاه” تحالفه مع حزب العدالة والتنمية وذلك بعد الفشل في التوصل لصيغة توافقية بين الحزبين بسبب رفض أنصار حزب الرفاه لتشكيل تحالفات مع أحزاب أخرى، والرغبة في المشاركة بمفرده كحزب مستقل لا سيما بعد كبر حجم الحزب وتزايد أعضاءه لقرابة 411 ألف عضو، وبسبب مزاعم عدم التزام حزب العدالة والتنمية بمذكرة التعاون التي تم الاتفاق عليها بين الحزبين، وأخيرًا عدم الاتفاق حول البلديات التي سيقوم كل منها بدعم الآخر خاصةً بلديات غرب تركيا مثل بلدية بورصة.
  • إعلان حزب “هدى بار” إنهاء التحالف مع حزب العدالة والتنمية في الانتخابات، وذلك بعد الفشل في الاتفاق والتنسيق حول البلديات التي طلب فيها رئيس الحزب “زكريا يابجي أوغلو” الدعم لمرشحيه.
  • إعلان العديد من الأحزاب المعارضة عن تقديم مرشحين في البلديات المهمة خاصةً إسطنبول، حيث فشل حزب الشعب الجمهوري في التوصل لتحالفات مثلما حدث في الانتخابات المحلية التي عقدت في 2019، حيث قام حزب المساواة والديمقراطية بترشيح كل من “ميرال دانيش بيشتاش” و”مراد تشيبني”، ورشح حزب الخير “بوغرا كافونجو”، وأعلن حزب النصر ترشيح “عزمي كرم محمود أوغلو”، وأعلن حزب السعادة عن “بيرول أيدين” كمرشح الحزب، وأختار حزب الرفاه “محمد ألتينوز” مرشحًا عن الحزب.

وفي ذات السياق، كثفت الأحزاب السياسية من تحركاتها وذلك على النحو التالي:

  • قام الرئيس التركي بعدد من الزيارات الميدانية لأكثر من بلدية لحضور حملة حزب العدالة والتنمية الانتخابية في البلديات، وفيما ركز الخطاب السياسي والإعلامي للحزب على سجل الخدمة العامة للحكومة وإنجازات البلديات التي يديرها الحزب وانتقاد الحالة العامة التي تعاني منها البلديات التي تقودها المعارضة، بجانب توجيه اتهامات لحزب الشعب الجمهوري بخيانة الشعب التركي بسبب علاقته بحزب المساواة والديمقراطية التي يرى العدالة والتنمية بأنه الذراع السياسي لحزب العمال الكردستاني، فيما قام الحزب بالإعلان عن المرشحين للبلديات الكبرى في تركيا حيث رشح مراد كوروم وزير البيئة والتخطيط العمراني السابق في بلدية إسطنبول ورشح “تورغوت ألتينوك” عن بلدية أنقرة، ورشح “حمزة داغ” في بلدية إزمير.
  • عقد زعيم حزب  الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل أول مؤتمر انتخابي للحزب في 22 فبراير الماضي بإسطنبول، والذي ركز من خلاله على انتقاد مراد كوروم مرشح حزب العدالة والتنمية باعتباره المسؤول عن كارثة منجم كوبلر للذهب الذي انهار في فبراير الماضي، فيما قام الحزب بإصدار بيانه الانتخابي في 18 فبراير 2024، والذي انتقد  فيه سياسة الرئيس التركي فيما يخص سياسة الوصي[2]، الذي تم من خلالها تعيين عمدة مؤقت من قبل الدولة محل “أيهان بيلجن” كوصي في بلدية قارص شمال شرق تركيا، وأخيرًا أعلن الحزب عن مرشحيه للبلديات الكبرى في تركيا حيث استمر الحزب في ترشيح أكرم إمام أوغلو عن بلدية إسطنبول و”منصور ياواش” عن بلدية أنقرة، وترشيح “جميل طوغاي” عن بلدية إزمير.
  • استمر موقف زعيمة حزب الخير ميرال اكشينار” في رفض الدعوة للدخول في تحالفات مع الأحزاب الأخرى – خاصةً مع حزب الشعب الجمهوري –، كما أعلن الحزب عن مرشحيه للبلديات الكبرى حيث رشح الحزب “بوغرا كافونجو” عن بلدية إسطنبول و “جنكيز توبال يلدريم” عن بلدية أنقرة.

إذن، من الواضح أن نتائج الاستطلاعات الرأي الأخيرة فيما يخص الانتخابات البلدية تشير إلى أن النتائج في البلديات الكبرى قد تظل غير معروفة مسبقًا نتيجة التنافس الشديد بين مراد كوروم وأكرم إمام أوغلو،ومن المرجح أن يحقق تحالف حزب العدالة والتنمية نتائج إيجابية في الانتخابات المحلية المقبلة، خاصةً أن فرص التحالف تتزايد على حساب أحزاب المعارضة وخصوصًا حزب الشعب الجمهوري، وذلك للاستقرار النسبي لتحالف الشعب بين حزب العدالة والتنمية والحركة القومية في مواجهة انشقاقات في تحالف المعارضة بقيادة حزب الشعب الجمهوري، فبالرغم من خروج حزب الرفاه من تحالف الشعب إلا أن التقديرات تشير إلى ضعف تأثير ذلك على الكتلة التصويتية، في المقابل فقد المعارضة الكتلة التصويتية لحزب الخير بجانب الدور المحتمل للأكراد نتيجة دفع حزب المساواة والديمقراطية لمرشحين لهم وتصل نسب تصويتهم إلى 12%، والانقسام داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه نتيجة رفض الآلية التي تم من خلالها اختيار مرشحي الحزب.

وختامًا، يمكن القول إن ملامح خريطة التحالفات الحزبية التركية تعاني من التفكك والانشقاقات بين الأحزاب – باستثناء تحالف العدالة والتنمية مع الحركة القومية – ويمكن فهم موقف الأحزاب بعدم اللجوء لتشكيل تحالفات مع الحزب الشعب الجمهوري، في ضوء رغبتهم في لعب دور أكثر استقلالًا وتأثيرًا في المشهد الانتخابي، وقد يؤدي استمرار هذا الأمر إلى تعزيز فرص العدالة والتنمية وحلفائه في حصد أكبر قدر ممكن من المقاعد.


[1] حيث جاءت نتائج شركة Di-En Research في صالح أوغلو الذي حصل على 43.8% مقارنة بكوروم الذي حصل على 38.2%، وكانت نتائج شركة YÖNEYLEM لصالح أوغلو بنسبة 39.1% مقارنة بنسبة 32.9% التي حصل عليها كوروم، وبينما أشارت نتائج منظمة ORC للأبحاث إلى تقدم كوروم بنسبة 37.7% مقارنة بأوغلو الذي حصل على 36.5% وكذلك تفوق كوروم في استطلاع أجرته شركة TÜSİAR للأبحاث.

[2] هي ممارسات قامت بها الحكومة التركية من خلال إحلال لبعض رؤساء البلديات التي تديرها حزب المساواة والديمقراطية وتعيين وصي “عمدة مؤقت” بدلًا منهم.

Iran Drones
الشرق الأوسط وسيناريوهات الحرب الكبرى
ekrem
ما بعد الانتخابات المحلية التركية؟
Ita
خيارات ميلوني: كيف ستتعامل الحكومة الإيطالية مع الحكم القضائي بمنع إعادة المهاجرين؟
UN-ISAREL-PALESTINIANS-CONFLICT-DIPLOMACY
التجاذبات الدولية حيال مشروع الجزائر لوقف إطلاق النار في غزة
Scroll to Top