العربية

ارتدادات موسكو: مخاطر عودة داعش في الشرق الأوسط

شهدت الأشهر القليلة الماضية تزايدًا في نشاط تنظيم “داعش” الإرهابي وذلك بعد فترة من الكمون والانخفاض العام في حدة ونطاق عمليات التنظيم على إثر حالة الغموض التي تمكنت من هيكله التنظيمي بعد مقتل زعيمه السابق “أبي الحسن الهاشمي القرشي” في أواخر عام 2022، إلا أن التنظيم أصبحت لديه القدرة على تبني بعض العمليات النوعية في مناطق متفرقة داخل الشرق الأوسط وخارجه؛ آخرها إعلان فرع خراسان التابع لداعش، عبر وكالة “أعماق” الإخبارية التابعة له، مسؤوليته عن الهجوم الذي استهدف قاعة الحفلات الموسيقية في “كروكوس سيتي هول” في إحدى ضواحي موسكو في 22 مارس الجاري، والذي خلف ما يزيد عن 150 قتيلًا.

وجدير بالذكر أن فرع خراسان لداعش يضم بصورة أساسية عناصر من آسيا الوسطى والقوقاز تنشط في إطار شبكات متداخلة تنفذ عمليات بدول مثل أفغانستان، وباكستان، وتركيا، والقوقاز، وروسيا. كما ان اهتمام فرع خراسان انصب على مدى العامين الماضيين على روسيا من خلال انتقاد الرئيس الروسي في دعايته الإعلامية الخاصة بسبب انخراط موسكو في أفغانستان والشيشان وسوريا.

سياقات دالّة:

يأتي هجوم موسكو الإرهابي في سياق عدد من التطورات المتشابكة والتي ترتبط بالواقع الروسي، وذلك من ناحية، إضافًة إلى شكل وديناميكية عمليات تنظيم داعش خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:

  1. التحولات النوعية في هجمات التنظيم: يمثل هجوم موسكو الإرهابي استمرارًا لنسق التحولات النوعية التي أصبحت تتسم بها عمليات تنظيم داعش سواءً في منطقة الشرق الأوسط، أو خارجها خلال الفترة الأخيرة، وذلك عبر أفرع التنظيم المركزية في سوريا والعراق، أو أفرعه الأخرى في شرق آسيا، والقوقاز، وخراسان؛ ومن أبرز تجليّات ذلك: تبني داعش الهجوم على كنيسة “سانتا ماريا” الكاثوليكية في إسطنبول في 28 يناير الماضي ما أسفر عن مقتل مواطن تركي، بعد مداهمة ملثمان للكنيسة وإطلاق النار بشكا عشوائي على الحشد المتواجد بداخلها، وهو الهجوم الذي يعد الأبرز للتنظيم في تركيا بعد سنوات من الكمون، وتنامي نشاط داعش منذ بداية العام الجاري في كل من سوريا والعراق، حيث نفذ التنظيم العديد من العمليات التي استهدفت مدنيين وعناصر من القوات السورية والعراقية، فعلى سبيل المثال أعلن التنظيم أن فروعه الرئيسية في سوريا والعراق نفذت 51 عملية إرهابية في يناير الماضي؛ وهو ما يتزامن مع واقع التقلبات والاضطرابات الأمنية التي يشهدها الشرق الأوسط بشكل عام، والتي تشكل بدورها بيئة مواتية لأنشطة التنظيمات الإرهابية، وكذا إعلان التنظيم الإرهابي مسؤوليته عن تفجيرين عند قبر “قاسم سليماني” في مدينة كرمان بجنوب شرق إيران في 3 يناير الماضي، نفذهما انتحاريان يرتديان حزامين ناسفين، ما أدى إلى وفاة نحو 100 شخص وإصابة العشرات.
  2. السياق الروسي: يكتسب الهجوم الإرهابي في موسكو حساسية خاصة تتعلق بتوقيت تنفيذه الذي يتقاطع مع واقع السياق الداخلي في روسيا، والذي شهد على تطورات متسارعة خلال الأسابيع القليلة الماضية، يمكن استعراض أبرزها فيما يلي: فوز الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” بالانتخابات الرئاسية الروسية بنسبة 87 %، وهو فوز كان متوقعًا وفق أغلبية التوقعات واستطلاعات الرأي الداخلية والخارجية، وشن روسيا عدد من الهجمات المتتالية على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي استهدفت بشكل أساسي البنية التحتية في أوكرانيا من منشآت طاقة، وشبكات كهرباء، ومجمعات عسكرية وصناعية، فضلًا عن إعلان موسكو بين الحين والآخر إحباط هجوم إرهابي لداعش داخل روسيا، ومن أبرز تجليات ذلك، إعلان أجهزة الأمن الروسية، في 7 مارس الجاري، تحييد عدد من العناصر المسلحة التابعة لتنظيم داعش كانوا يخططون لتنفيذ هجوم إرهابي على كنيسة في موسكو.
  3. الجهود الإقليمية للمكافحة: تتعرض أفرع تنظيم داعش النشطة في الشرق الأوسط للعديد من القيود والاستهدافات المتتالية من قبل القوات الأمنية والحكومات في بعض الدول في إطار جهود مكافحة تهديدات التنظيم، وتتمثل أبرز تلك التدابير الحكومية في تكثيف السلطات الأمنية التركية من العمليات الأمنية لمكافحة الإرهاب خلال الأسابيع القليلة الماضية، والتي ارتكزت على ملاحقة عناصر تنظيم داعش النشطة في البلاد وخارجها في سوريا والعراق، حيث ألقت القبض على مئات الأشخاص خلال الفترة المذكورة لارتباطهم بتنظيم داعش، وإطلاق قيادة العمليات المشتركة في العراق، في 10 مارس الجاري، المرحلة الثالثة من عمليات “وعد الحق”، والتي تستهدف ملاحقة بقايا تنظيم داعش وتدمير حواضنه وتمركزاته في محافظتي “صلاح الدين” و”كركوك”.

تجاذبات حتمية:

كشف الحادث الإرهابي بموسكو عن جملة من التجاذبات بين روسيا والولايات المتحدة، ذلك أن كل جانب تبنى رواية مختلفة بشأن منفذ الهجوم الإرهابي ودوافعه، كما يلي:

  1. أكدت المصادر الرسمية الروسية على تورط أوكرانيا بشكل مباشر في العملية الإرهابية من منطلق أن المتورطون في الهجوم كانوا يتجهون إلى الحدود الروسية الأوكرانية في أعقاب الهجوم، كما أن موسكو لم تعتبر داعش المتورط الرئيسي في الهجوم، من خلال التلميح إلى احتمالية وجود تنسيق للعناصر الإرهابية الكامنة في روسيا مع بعض الأجهزة الأمنية الغربية.
  2. ركزت وسائل الإعلام والوكالات الروسية على الترويج لروايات تدعم خط التناول الروسي للحادث، وفي ذلك السياق، سلطت وكالة “RT News” الروسية الضوء على بعض الجوانب التي توضح غياب الإلمام الكامل لداعش بالهجوم وملابساته مما يقوض بالتبعية افتراض أن تنظيم داعش هو المسؤول عن الهجوم؛ منها البث المباشر للهجوم عبر الإنترنت وهو ما يتعارض مع أسلوب داعش في نشر مقاطع لعملياتها لتجنب احتماليات الاعتراض والتتبع، بالإضافة إلى إعلان وكالة أعماق الإخبارية عن انسحاب منفذي الهجوم بسلاسة من نطاق الحادث وهو ما يتعارض مع التقارير الأمنية التي أشارت إلى القبض على العناصر الإرهابية، وعدم استخدام الوكالة الإرهابية لأسمها باللغة الإنجليزية في بيان تبنيها للهجوم على الرغم من استغلال داعش لأي عملية خارج الشرق الأوسط للترويج لقدرات التنظيم داخل الأوساط الغربية. 
  3. سارعت الولايات المتحدة إلى تبرئة الجانب الأوكراني، حيث أكدت المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي “أدريان واتسون” أن تنظيم داعش يتحمل بمفرده المسؤولية عن الهجوم الإرهابي، وأن أوكرانيا غير ضالعة بأي صورة كانت في الهجوم، وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن السفارة الأمريكية في موسكو قد أصدرت تحذيرًا منذ أسبوعين تقريبًا لرعاياها على موقع الشبكة الدولية للمعلومات من أن بعض العناصر المتطرفة لديها خطط وشيكة لاستهداف التجمعات الكبيرة في موسكو، بما في ذلك الحفلات الموسيقية.

دلالات كاشفة:

ثمة بعض الدلالات المتعلقة بتبني داعش للهجوم في موسكو وارتداداته على الإقليم، يمكن الإشارة إلى أبرزها على النحو التالي:

  1. تأتي التحولات النوعية الأخيرة في حدة ورقعة عمليات داعش الإرهابية مدفوعة بصورة رئيسية بكلمة المتحدث الرسمي باسم التنظيم الإرهابي، أبو حذيفة الأنصاري، في 4 يناير الماضي، والتي وجه فيها المذكور العديد من الرسائل المتعلقة بشكل وكيفية تنفيذ عناصر ومقاتلي التنظيم للهجمات في المناطق التي ينشط بها التنظيم وتشهد حصارًا أمنيًا، والتي تضمنت ضرورة الاعتماد بشكل أكبر على عمليات “الذئاب المنفردة”.
  2. يُظهر تبني داعش الهجوم المذكور قدرته على إعادة بناء صفوفه مرة أخرى، مع إعادة هيكلة نشاطه الإقليمي، وتجنيد عناصر جديدة في مناطق لم يخترقها من قبل، كما يظهر قدرة زعيم التنظيم الحالي، أبو حفص القرشي، على إحكام سيطرته على التنظيم داخليًا واستطاعته أن يحافظ على التماسك الداخلي للتنظيم، حيث أن تبني الهجمات النوعية في كل من روسيا وتركيا وإيران أظهرت دعمًا غير مسبوق للتنظيم من قبل أنصاره على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، الذين يرون في تحركات التنظيم الجديدة “إعادة إحياء للتنظيم”.
  3. من المرجح أن يستمر التنظيم في تبني مثل تلك العمليات – الذئاب المنفردة – التي تحقق له رواجًا واسعًا، وهو ما يطرح احتمالية أن يستهدف التنظيم تبني عمليات – أو حتى تهديدات تحدث حالة من الذعر – في بعض الدول بالشرق الأوسط أو أوروبا من خلال خلاياه النائمة.
  4. من الواضح أن تنظيم داعش يحاول إتباع استراتيجية جديدة تقوم على اختراق مناطق وأهداف جديدة غير متوقعة، وتتسم بالانضباط الأمني الداخلي، عن طريق استخدام أنماط عمليات الذئاب المنفردة؛ وذلك بهدف التحايل على الضغط الذي تعانيه أفرع التنظيم في عدد من المناطق لاسيما أفغانستان وسوريا والعراق وتركيا.
  5. يرجح أن يقوم التنظيم بتنفيذ عمليات مماثلة في عدد من الدول الأوربية، والتي تشارك في عمليات مكافحة التنظيم في الشرق الأوسط، لاسيما مع إقامة العديد من الفعاليات السنوية، فعلى سبيل المثال تتزايد المخاوف من احتمالية تنفيذ عمليات إرهابية في فرنسا في ظل قرب انعقاد دورة الألعاب الأوليمبية بباريس في يوليو القادم. 

وختامًا، فإنه من المحتمل أن تشكل عملية موسكو الإرهابية بداية لموجة جديدة من عمليات تنظيم داعش في الشرق الأوسط، حيث أنه من المرجح أن تشكل العملية حافزًا لدى قادة التنظيم وعناصره بالأفرع المركزية في سوريا والعراق نحو تنفيذ مثل تلك العمليات المباغتة داخل دول المنطقة، لاسيما في ضوء حالة الاستنفار الأمني العام على خلفية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

russia Africa
مقاربة جديدة: حدود الدور الروسي في مكافحة الإرهاب في أفريقيا
الصومال
بروباجندا الإرهاب: الدعاية الإعلامية لحركة الشباب الصومالية
ISIS
دلالات تصاعد هجمات داعش الأخيرة في الشرق الأوسط
حركة الشباب الصومال
حصاد وتوقعات: مؤشرات واتجاهات الإرهاب عام 2024
Scroll to Top