العربية

ما بعد الانتخابات المحلية التركية؟

شهدت تركيا في 31 مارس الماضي انعقاد الانتخابات المحلية حيث أدلى نحو 48 مليون ناخب بصوتهم لانتخاب رؤساء 81 بلدية، وبلغت نسبة المشاركة فيها حوالي 78,55%، وأشارت النتائج التي أعلنتها الهيئة العليا للانتخابات إلى تحقيق حزب الشعب الجمهوري انتصار كبير على حزب العدالة والتنمية، وحصوله على أكبر عدد من الأصوات.

وقد أقر الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” بالخسارة وعدم تحقيق النتائج المرجوة في الانتخابات، وأكد على أنها تمثل نقطة تغيير وتحول أمام حزب العدالة والتنمية لمحاسبة نفسه ومراجعة سياساته، وعلى الجانب الأخر، خرج أنصار حزب الشعب الجمهوري في حشود في أنقرة وإزمير وأنطاليا وأمام المقر الرئيس للحزب بإسطنبول للاحتفال بالنصر في الشوارع، وخرج زعيم الحزب “أوزغور أوزيل” أمام أنصاره معبرًا عن انتصاره، وعن رغبة الناخبين في إقامة نظام سياسي جديد بتركيا.

أبرز النتائج:

حقق حزب الشعب الجمهوري المركز الأول في الانتخابات بحصوله على 17,391 مليون صوت بنسبة 37.76%، وهو ما مكنه من الفوز برئاسة 35 بلدية، والاحتفاظ بالبلديات الكبرى، والتي من أهمها إسطنبول وأنقرة وإزمير فضلًا عن الفوز بكل من بلديتي أنطاليا وبورصة.

فيما احتل حزب العدالة والتنمية المركز الثاني بعدد 16,339 مليون صوت، بنسبة 35.48%، وهو ما مكنه من رئاسة 24 بلدية فقط، تمركزت في بلديات الأناضول الكبرى، والتي من أبرزها كل من بلديتي قونية وقيصرية، وكذلك عدد من بلديات البحر الأسود والتي من أهمها بلديتي طرابزون وريز، وفي المقابل خسر حزب العدالة والتنمية وحليفه الرئيسي “حزب الحركة القومية” رئاسة 10 بلديات كبرى، بما مثل انتكاسة حقيقية، ويرجع ذلك إلى الأهمية الكبيرة التي تحظى بها الانتخابات المحلية لاعتبارها مفتاح الفوز في الانتخابات الرئاسية، حيث تعمل الأحزاب من خلالها على تعزيز وجودها لدى الناخبين.

فيما كشفت النتائج عن فوز “أكرم إمام أوغلو” مرشح حزب الشعب الجمهوري واستمرار رئاسته لبلدية إسطنبول، ونجاح “منصور ياواش” مرشح حزب الشعب الجمهوري في الاحتفاظ ببلدية أنقرة، كما احتل حزب الرفاه المركز الثالث بعد كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب العدالة والتنمية بعد حصوله على 6.19% من إجمالي الأصوات، متفوقًا على كل من حزب الحركة القومية الذي حصل على 4.98% وحزب الخير الذي حصل على نسبة 3.76%، وتفوق مرشحي حزب المساواة وديمقراطية الشعوب الموالي للأكراد في بلديات الجنوب الشرقي ذات الغالبية الكردية، وأبرزها بلدية “ديار بكر” حيث حصل على 5.67% من إجمالي الأصوات.

أسباب خسارة العدالة والتنمية:

  • ارتفاع نسبة ومعدلات التضخم وانهيار الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي وقد أدى ذلك أدى إلى تزايد حالة الإحباط من أداء الحزب.
  • خسارة الحزب لتحالفه مع حزب الرفاه حيث قام أنصار الحزب وأصوات المحافظين – الذي كان يذهب الكثير منها لحزب العدالة والتنمية – بالتصويت لمرشحي حزب الرفاه ولصالح أكرم إمام أوغلو في إسطنبول بدلًا من مرشحي حزب العدالة والتنمية.
  • التصويت بعيدًا عن اعتبارات الهوية والانتماءات الحزبية وظهر ذلك من خلال تصويت الأكراد لأكرم إمام أوغلو وتعزيز فرص نجاحه على حساب مرشحي الحزب الكردي والذي ساعد على ذلك أيضًا الأداء غير الموفق لحزب الخير في الانتخابات، إضافةً لسخط بعض الإسلاميين على أداء الحزب وفي المقابل تزايدت شعبية إمام أوغلو في إسطنبول.

ملاحظات أخيرة:

من الواضح أن الانتخابات المحلية شهدت تراجع في نسب المشاركة مقارنةً بالانتخابات السابقة حيث بلغت نسبة المشاركة هذه المرة 78.55% ومن اللافت ظهور انخفاض كبير في عدد البلديات التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية مقارنةً بالبلديات التي حصل عليها في انتخابات 2019 حيث انخفضت عدد البلديات من 39 بلدية إلى 24، بينما برز التفوق الواضح لحزب الشعب الجمهوري الذي زاد عدد البلديات التي فاز فيها من 21 بلدية إلى 35 وتمثل هذه النتيجة أسوأ هزيمة للرئيس التركي ولحزبه الحاكم بعد أكثر من عقدين في السلطة، وقد تكون مؤشرًا على التحول المحتمل في المشهد السياسي بدليل تزايد أدوار وقوة المعارضة.

ومن اللافت صعود حزب الرفاه كلاعب قوي ولاعب رئيسي في الانتخابات المحلية حيث ظهرت مؤشرات عن تزايد الدعم الشعبي له، باحتلاله المركز الثالث من حيث عدد الأصوات بعد كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب العدالة والتنمية، وقد يرجع ذلك لاتخاذ الحزب موقفًا أكثر تشددًا إزاء الجانب الإسرائيلي بسبب التصعيد في قطاع غزة.

وستكون لنتائج الانتخابات المحلية تأثيرًا على سياسة الرئيس التركي أردوغان خصوصًا بعد أن أصبح من الصعب الإقدام على أي تعديل دستوري يخص الفترات الرئاسية، وقد تبدأ بعض التوجهات داخل العدالة والتنمية في الظهور والتي ستركز على مرحلة ما بعد الرئيس أردوغان، خاصةً مع ظهور دور قوي للمعارضة خصوصًا نجاحات أكرم إمام أوغلو والذي أصبح أقرب المنافسين للرئيس التركي في الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2028 لاسيما بعد فوزه مرة أخرى ببلدية إسطنبول التي بدأ أردوغان منها مشواره السياسي قبل تصعيده التدريجي.

وفي المجمل، فإن الانتخابات المحلية التركية بكل نتائجها ترسل ببعض الرسائل التحذيرية لحزب العدالة والتنمية والتي منها أنها تعتبر فرصة أخيرة للحزب إذا لم يقم بمراجعة وتصحيح الأمور، خاصةً مع إمكانية ترويج المعارضة لفكرة إجراء انتخابات عامة مبكرة، وهي فكرة ليست في مصلحة الرئيس رجب طيب أردوغان في ظل النتائج الحالية، والتي تجلت في إعادة تشكيل الخريطة السياسية الحزبية في الداخل التركي بتصدر المعارضة، خاصةً حزب الشعب الجمهوري، للمشهد السياسي.

Iran Drones
الشرق الأوسط وسيناريوهات الحرب الكبرى
Eleection
مقدمات التغيير المحتمل: الانتخابات المحلية التركية 2024
Ita
خيارات ميلوني: كيف ستتعامل الحكومة الإيطالية مع الحكم القضائي بمنع إعادة المهاجرين؟
UN-ISAREL-PALESTINIANS-CONFLICT-DIPLOMACY
التجاذبات الدولية حيال مشروع الجزائر لوقف إطلاق النار في غزة
Scroll to Top