العربية

قمة البحرين: تأكيد على الثوابت العربية

انعقدت أمس الخميس 16 مايو 2024 في البحرين أعمال مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة في دورته العادية الثالثة والثلاثين، وتعد هذه القمة هي الأولى التي تُعقد في البحرين، وتأتي في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات متسارعة وظروف استثنائية.

سياق من التجاذبات:

جاء انعقاد القمة في ظل سياق مليء بالتجاذبات، فعلى الرغم مما اتسمت به منطقة الشرق الأوسط من انتشار موجات من التهدئة والمصالحات خلال السنوات الماضية، تمثلت أبرز مؤشراتها في استعادة العلاقات بين مصر وتركيا، والتطبيع السعودي الإيراني، وصولًا إلى تأمين عودة سوريا للحاضنة العربية، إلا أن هناك بعض من مظاهر عدم الاستقرار، تجلت بوضوح في الصراعات والتجاذبات داخل بعض الدول العربية، مثل السودان وليبيا، أو بين الدول العربية وبعضها، مثل توتر العلاقات بين المغرب والجزائر.

فيما مثلت الحرب الإسرائيلية على غزة، المتغير الأبرز في البيئة الجيوسياسية المعقدة للشرق الأوسط، وذلك في ضوء تزايد تأثير ارتداداتها الإقليمية والعالمية، فمن ناحية، أدت الحرب إلى تصعيد موازٍ بين الفواعل (من الدول ودون الدول) الإقليمية وبعضها، وشهدت المنطقة استهدافات متبادلة بين إسرائيل وبين إيران، وانخرط في التصعيد بعض الفواعل المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، إضافةً إلى قوى دولية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا التي شكلت ترتيبات أمنية في منطقة البحر الأحمر لتأمين الملاحة ووقف الهجمات الحوثية على السفن هناك، وهو ما أثار المخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى دخول المنطقة في أتون حرب إقليمية مستعرة.

وعلى صعيدٍ متصل، أدت الحرب إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق لكل سكان قطاع غزة، في ضوء التعنت الإسرائيلي فيما يخص إدخال المساعدات الإنسانية، وأدت الأعداد المتفاقمة للضحايا من المدنيين إلى تزايد الاهتمام الإقليمي والدولي، سواء بمتابعة تطورات الحرب عن كثب، أم بذل الجهود الإنسانية والدبلوماسية لاحتواء تداعياتها ووقفها، للدرجة التي يبدو معها أن أجندة المجتمع الدولي قد أغفلت أن هناك أزمات أخرى في الشرق الأوسط تحتاج إلى نفس القدر من المتابعة والاهتمام.

رسائل ودلالات:

اتسمت القمة بالسلاسة والهدوء، والحضور الكبير لقادة الدول العربية (حضر القمة 15 من قادة الدول العربية الـ 22)، وهيمنت التطورات في الأراضي الفلسطينية على أعمالها، بالرغم من تناولها موضوعات أخرى سياسية واقتصادية، وذلك بحسب التصريحات الصادرة عن الأمين العام لجامعة الدول العربية “أحمد أبو الغيط”، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية البحريني “عبد اللطيف بن راشد الزياني”.

وبالنظر إلى إعلان البحرين الصادر في ختام القمة، يمكن الإشارة للنقاط التالية:

أولًا: عكس الإعلان مركزية القضية الفلسطينية في أي معادلة منشودة للاستقرار في المنطقة، حيث وردت بشكل مباشر في أكثر من موضع في الإعلان، تضمنت بشكلٍ عام الدعوة إلى وقف الحرب، وإنهاء المعاناة الإنسانية للفلسطينيين، و”الرفض القاطع” لأي محاولات للتهجير القسري للشعب الفلسطيني، واتخاذ خطوات عملية للتسوية السلمية العادلة والشاملة للقضية الفلسطينية، تقوم على تنفيذ حل الدولتين وفق مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية.

وتضمن الإعلان إدانة القادة العرب لعرقلة إسرائيل جهود وقف إطلاق النار، وإقدامها على التصعيد العسكري بتوسيع عملياتها في مدينة رفح الفلسطينية، وسيطرتها على الجانب الفلسطيني من معبر رفح بهدف تشديد الحصار على المدنيين في غزة، يُضاف إلى ذلك الدعوة إلى نشر قوات حفظ سلام دولية تابعة للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولحين تنفيذ حل الدولتين.

فيما انعكست تداعيات الحرب في غزة في مواضع أخرى، فمثلًا، رفض القادة العرب أي دعم للميليشيات التي تعمل خارج نطاق سيادة الدول، وتنفذ أجندات خارجية تتعارض مع المصالح العربية، كما أعلنوا تمسكهم بِحُرية الملاحة البحرية في البحر الأحمر وبحر العرب وبحر عمان والخليج العربي، وإدانة استهداف السفن التجارية.

ثانيًا: عدم إغفال القضايا العربية الأخرى الملحة، حيث أفرد الإعلان اهتمامًا واضحًا بالأوضاع في دول: السودان وسوريا واليمن وليبيا ولبنان والصومال، وأكد الإعلان على ما يمكن تسميته بالمقاربة العربية تجاه الأزمات في هذه الدول، والتي تقوم على الحفاظ على سيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها (أعاد الإعلان التأكيد على سيادة الإمارات على جزر: طنب الكبرى وطنب الصغرى، وأبو موسى)، والحفاظ على مؤسسات الدولة، ووقف التدخل في شئونها الداخلية.

يُضاف إلى ذلك تناول قضايا نوعية، في مقدمتها الأمن المائي العربي، والذي اعتبره القادة العرب جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وتمت الإشارة في هذا الإطار إلى رفض الإجراءات الأحادية التي تلحق الضرر بالمصالح المائية لدول: مصر والسودان وسوريا والعراق، والتضامن معهم في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية أمنهم ومصالحهم المائية.

ثالثًا: دعوة المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بدورٍ فاعل في عددٍ من القضايا، على رأسها القضية الفلسطينية، حيث دعا القادة العرب المجتمع الدولي إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن التي صدرت منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، خاصةً فيما يتعلق بتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، وإلى الوفاء بالتزاماته القانونية تجاه الاحتلال الإسرائيلي، وتنفيذ حل الدولتين، مع الترحيب بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بحصول فلسطين على عضوية كاملة بالأمم المتحدة، والذي حظى بتأييد 143 دولة.

ولقد جاء هذا الموقف العربي بالتزامن مع مسارين آخرين داعمين، يتعلق الأول بعقد مؤتمر دولي للسلام وحل القضية الفلسطينية، برعاية الأمم المتحدة، وذلك كما ورد في البند الرابع والبند العشرين من الإعلان، وينصرف الثاني إلى تهيئة الظروف الأولية لإنجاح فرص السلام بين فلسطين وإسرائيل، وذلك من حيث دعوة الفصائل الفلسطينية كافة للتوافق على مشروع وطني جامع ورؤية استراتيجية موحدة فيما يخص إقامة الدولة الفلسطينية، وذلك كما ورد في البند الرابع، إضافةً إلى دعوة الدول كافة إلى تعزيز خطاب التسامح والتعايش ونبذ الكراهية والطائفية والتمييز، واتخاذ إجراءات رادعة في هذا الإطار، وذلك كما ورد في البند الخامس عشر من الإعلان.

اختبار الثقة:

تشير مشاركات قادة الدول العربية إلى أنهم (ومن ورائهم شعوب الدول العربية) ينتظرون موقفًا واضحًا وحاسمًا من المجتمع الدولي إزاء التطورات في غزة. ففي كلمته خلال القمة، أكد الرئيس “عبد الفتاح السيسي” على أن “ثقة جميع شعوب العالم في عدالة النظام الدولي تتعرض لاختبار”، كما أنه في الوقت الذي تبذل فيه مصر جهودًا حثيثة لوقف الحرب، إلا أنه لا توجد “الإرادة السياسية الدولية الحقيقية الراغبة في إنهاء الاحتلال، ومعالجة جذور الصراع عبر حل الدولتين”.

وعلى الرغم من التفاعل الإيجابي للأمين العام للأم المتحدة “أنطونيو جوتيريش” مع المطالب والمقاربات العربية بشأن القضية الفلسطينية (تضمنت كلمته التأكيد على رفضه للهجوم على رفح، وأهمية حل الدولتين كوسيلة دائمة لإنهاء مسلسل العنف والاضطرابات، وضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، وإتاحة وصول المساعدات الإنسانية دون أي عقبات)، إلا أن ذلك الأمر لا ينسحب بالضرورة على المؤسسات الأممية الأخرى، خاصةً مجلس الأمن، الذي تعطلت قدرته على أن يصبح عنصرًا فاعلًا في حل القضية الفلسطينية ككل أو وقف العدوان الراهن، بفعل الفيتو الأمريكي، الذي استُخدم في أبريل الماضي لمنع صدور قرار يمهد الطريق أمام منح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وأيضًا بفعل عدم الامتثال الإسرائيلي لقرارات مجلس الأمن، سواء المتعلقة بإيصال المساعدات (مثل القرار رقم 2720) أو وقف إطلاق النار (القرار رقم 2728).

وختامًا، فإن القضية الفلسطينية أمام مفترق طرق في الوقت الراهن، ومن الواضح أن هناك تجييشًا عربيًا للمضي قدمًا نحو إيجاد حل جذري للقضية الفلسطينية، وفي المقابل، فإن المجتمع الدولي، وتحديدًا الولايات المتحدة والغرب، والذين بذلوا – وما يزالوا يبذلون – تحركات مضنية وجهودًا حثيثة لوقف الحرب الروسية على أوكرانيا، أمام اختبار الثقة الذي أشار إليه الرئيس السيسي، فإما أن يتم التخلي عن ازدواجية المعايير وممارسة الضغط الفاعل على إسرائيل لوقف الحرب، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، وإما أن يسقط الغرب في هذا الاختبار، ليفقد بذلك مصداقيته، ولتتراجع الموثوقية في النظام العالمي بأكمله، ومؤسساته القائمة.

المغرب
فرص قائمة: إحياء اتحاد المغرب العربي
Iran
حدود التأثير: ارتدادات مصرع رئيسي
تركيا-واليونان
مسارات العلاقات التركية اليونانية
Turkey-Israel
أبعاد التوتر في العلاقات التركية الإسرائيلية
Scroll to Top