العربية

مسارات متعددة: إعلان نيروبي وجهود وقف الصراع في السودان

وقع كل من “عبد الله حمدوك” رئيس الوزراء السوداني السابق و”عبد الواحد محمد نور” رئيس حركة تحرير السودان، و”عبد العزيز الحلو” زعيم حركة تحرير السودان – قطاع الشمال على “إعلان نيروبي” خلال تواجدهم في كينيا وبحضور الرئيس الكيني “ويليام روتو”، وذلك بهدف إنهاء الصراع المسلح القائم في السودان منذ أبريل 2023، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

إنهاء الحرب في السودان:

جاء التوقيع على إعلان نيروبي في إطار المساعي التي تقوم بها القوى السياسية المدنية السودانية وعلى رأسها تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية “تقدم” في محاولة لدفع طرفي الصراع (الجيش – قوات الدعم السريع) لإنهاء الحرب الدائرة في السودان، دون قدرة أي من الطرفين على حسم الصراع لصالحه.

دعا إعلان نيروبي بشكل أساسي إلى وقف فوري لإطلاق النار تمهيدًا لوقف الحرب بالتعاون مع الجهود الدولية والإقليمية، بما في ذلك مسار جدة، ودعوة الأطراف المتحاربة إلى الالتزام بمسئولياتها أمام القانون الدولي الإنساني، بإزالة جميع المعوقات أمام وصول المساعدات الإنسانية عبر دول الجوار وخطوط المواجهة لإيصالها إلى كل المواطنين دون عوائق في مناطق النزاعات، بجانب توفير الحماية اللازمة للعاملين في الحقل الإنساني من المنظمات الدولية والمحلية، كما دعا الإعلان إلى أهمية تشكيل جيش سوداني قومي بعقيدة عسكرية جديدة يعبر عن كل السودانيين.

حق تقرير المصير:

اكتسب التوقيع على إعلان نيروبي في هذا التوقيت أهمية خاصة، نظرًا لعدد من الاعتبارات الرئيسية، من أبرزها أنه يلبي بعض المطالب التي سبق لحركتي تحرير السودان بزعامة “عبد الواحد نور” والحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال جناح “عبد العزيز الحلو”، خاصةً فيما يتعلق بالحصول على حق تقرير المصير، وتأسيس دولة غير منحازة وتقف على مسافة واحدة من الأديان والثقافات والهويات، ويتشارك ويتساوى جميع السودانيين في السلطة والثروة وضمان حرية الدين والفكر، وهذه المطالب سبق أن وافق عليها الفريق “البرهان” رئيس مجلس السيادة الانتقالي خلال اجتماعه مع رئيس الحركة الشعبية “عبد العزيز الحلو” في شهر مارس 2021، إلا أن أحداث أكتوبر 2021 قد أدت إلى عدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في هذا الشأن.

ورغم أن هذه المطالب تعد مطالب مشتركة لهاتين الحركتين، إلا أن التوقيع على إعلان نيروبي لم يتم بصفة مشتركة بين الأطراف الثلاثة (حمدوك – نور – الحلو)، إذ تم التوقيع على نسختين منفصلتين منه – كلٌ على حدة – بحضور الرئيس الكيني “ويليام روتو”، وفي ذلك إشارة إلى الخلافات الموجودة بين حركتي تحرير السودان والحركة الشعبية – قطاع الشمال.

والجدير بالذكر أن عدم الاستجابة لمطالب الحركتين (حق تقرير المصير – الدولة العلمانية) كان سببًا رئيسيًا في عدم توقيعهما على اتفاق السلام الموقع في عام 2020 بين الحكومة السودانية الانتقالية السابقة والجبهة الثورية، حيث رفضت الحكومة في ذلك الوقت الاستجابة لهذه المطالب، وفشلت محاولات “حمدوك” بعدها في التفاوض مع الحركتين لإقناعهما بالتوقيع على اتفاق السلام. وفي هذا الإطار، جاء إعلان نيروبي لاستمالة مواقف حركتي تحرير السودان والحركة الشعبية لتأييد تحركاته الساعية لإنهاء الحرب الدائرة في السودان.

كما يشير توقيع الحركتين على هذا الإعلان السياسي إلى الرغبة في ضمان المشاركة في العملية السياسية في مرحلة ما بعد انتهاء الصراع الراهن في البلاد، خاصةً أن الحركة الشعبية كانت منخرطة في مفاوضات مع الحكومة السودانية الحالية في جنوب السودان بغرض إيصال المساعدات الإنسانية للمتأثرين من النزاع العسكري بولايتي جنوب وغرب كردفان وإقليم النيل الأزرق، إلا أن هذه المفاوضات فشلت بسبب إصرار الحركة الشعبية على مشاركة قوات الدعم السريع في هذه المفاوضات، وهو ما رفضته الحكومة السودانية.

وعلى صعيد آخر، يكشف إعلان نيروبي عن طبيعة الدور الذي تمارسه كينيا في الأزمة السودانية الراهنة، عبر طرح مبادرات للتسوية، واستضافة اجتماعات الأحزاب والقوى السياسية المدنية السودانية، إذ تحاول كينيا تقديم الدعم السياسي للقوى السياسية المدنية ومساعدتها على أن تصبح جزءًا من المشهد السياسي في مرحلة ما بعد انتهاء الصراع الراهن، وتأكيد كينيا الدائم على أهمية تسليم السلطة للمدنيين في السودان.

محدودية التأثير:

يأتي إعلان نيروبي في إطار المبادرات التي تقوم بها القوى السياسية المدنية السودانية بالتنسيق مع بعض الحركات والجماعات المسلحة، في محاولة لإنهاء الصراع المسلح القائم في البلاد، ويبقى نجاح هذه المبادرات رهنًا بتوافر الإرادة السياسية لدى طرفي الصراع لوقف إطلاق النار والعودة إلى المسار السياسي وتسوية الأزمة بالطرق السلمية.

ورغم تأييد بعض الأطراف السودانية مثل الجبهة الثورية وحزب الأمة القومي لهذا الإعلان الذي يدعو إلى تأسيس جبهة داخلية قوية لوقف الحرب الدائرة في البلاد، إلا أن هناك أطرافًا أخرى رفضت إعلان نيروبي من أبرزها الكتلة الديمقراطية المنشقة عن قوى الحرية والتغيير التي تحفظت على ما يدعو إليه الإعلان من منح حق تقرير المصير وعلمانية الدولة.

وفي هذا السياق، تُرجح المعطيات الراهنة محدودية فرص تنفيذ المقترحات التي دعا إليها إعلان نيروبي، وذلك استنادًا إلى إصرار طرفي الصراع على مواصلة التصعيد العسكري ورغبة كل طرف في حسم الصراع لصالحه، هذا إلى جانب التحفظ على الجهود التي تقوم بها تنسيقية القوى الديمقراطية بقيادة حمدوك، في ظل التنافس بينها وبين الكتلة الديمقراطية التي تعمل في مسار مواز، وهو ما يعني غياب التنسيق بين كافة القوى السياسية المدنية السودانية، وكذا تحفظ الحركات المسلحة على دور تنسيقية القوى الديمقراطية.

biden
تأثير الحرب في غزة على الانتخابات الرئاسية الأمريكية
congress
تجاذبات الكونجرس حول العملية الإسرائيلية في رفح
Eth&Ugand
رسائل استباقية: التحركات الإثيوبية في منطقة القرن الأفريقي
IRan
الانتخابات الإيرانية والمعضلات الثلاث
Scroll to Top