العربية

ما وراء تطورات التقارب التركي السوري؟

اتخذت العلاقات التركية السورية منحنى إيجابي مؤخرًا، أظهرته التصريحات الرسمية الإيجابية بين الجانبين، التي قد تدفع نحو استعادة العلاقات الثنائية بينهما، حيث أعلن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” في 28 يونيو 2024 عن استعداده لإعادة العلاقات بين تركيا وسوريا، وكذا أكد على عدم وجود رغبة تركية في التدخل في الشئون السورية.

جاءت تلك التصريحات في أعقاب تصريحات للرئيس السوري “بشار الأسد” بشأن انفتاحه اللافت على كل المبادرات المرتبطة بالتقارب مع تركيا شريطة الحفاظ على السيادة السورية، وتتزامن التحركات السابقة مع تقارير بشأن انعقاد اجتماع مرتقب بين سوريا وتركيا في بغداد، بوساطة روسية وعراقية، من أجل التوصل إلى تفاهمات سياسية حول المناطق الحدودية بين البلدين، وذلك بعد تواتر أنباء عن انعقاد زيارة بين الوفدين العسكريين التركي والسوري في قاعدة “حميميم” الجوية الروسية في جنوب شرق اللاذقية.

تصريحات متبادلة:

تأتي تصريحات الرئيس التركي أردوغان بشأن رغبته في استعادة العلاقات مع الجانب السوري في ظل إعلان وزير الدفاع التركي “يشار غولر” في 1 يونيو 2024، عن استعداد بلاده سحب قواتها من سوريا بشرط تأمين الحدود التركية السورية، مشيرًا إلى وجود رغبة في التقارب مع الجانب السوري، وكذا إعلان رئيس الوزراء العراقي “محمد شياع السوداني” عن توسط حكومته بين الجانب التركي والجانب السوري في يونيو الماضي.

وفي المقابل، أكد الرئيس السوري في أعقاب لقائه مع المبعوث الروسي إلى سوريا “ألكسندر لافرنتيف” عن قبول سوريا للمبادرات التركية شريطة احترام سيادة الدول واستقرارها وكذا إعلان المبعوث الروسي إلى سوريا عن دعم بلاده لكل المبادرات المرتبطة باستعادة العلاقات بين سوريا وتركيا.

وقد حفزت التصريحات الإيجابية بين الجانبين التركي والسوري مشاعر الاستياء على المعارضة السورية، خصوصًا الموجودة في الأراضي التركية، ونشرت “الإدارة الذاتية الديمقراطية” لإقليم شمال وشرق سوريا بيانًا أكدت فيه على أن التقارب بين تركيا وسوريا يعد مؤامرة ضد الشعب السوري.

تقارب المصالح:

تكمن الرغبة التركية في التقارب مع سوريا في محاولتها إيجاد طريقة لحل مسألة اللاجئين السوريين خصوصًا بعد الفشل التركي في الحد من أعبائهم الاقتصادية، سواء من خلال ترحيلهم أو فشل التجمعات السكنية التي جرى بناؤها بدعم قطري لاستيعاب اللاجئين، يأتي ذلك في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا والتضخم الذي يضع ضغوطًا إضافية على الحزب الحاكم والرئيس التركي، ويجعله عرضة للانتقادات من المعارضة[1]، فضلًا عن سعي أردوغان إلى التنسيق مع الجانب السوري من أجل القضاء على تهديد الأكراد في شمال سوريا وذلك من خلال السماح بالتوغل داخل الأراضي السورية لمسافة أكثر من 5 كم التي تسمح بها “اتفاقية أضنة”[2] حيث تتطلع تركيا لإنشاء منطقة آمنة بعمق 30 كم على طول حدود بلادهم مع سوريا والعراق بهدف حماية حدودها، خاصةَ من حزب العمال الكردستاني الذي تعده تركيا تنظيمًا إرهابيًا.

فيما تتضح المصالح السورية من إتمام التقارب مع تركيا في استعادة حقول النفط من الأكراد، وفتح الطرق والمعابر التجارية أمام حركة البضائع التركية باتجاه دول الخليج، لذا فإن التقارب سيسهم في تحقيق مصالح اقتصادية لسوريا والتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية التي تعانيها، فضلًا عن التنسيق التركي مع الجانب السوري في محاربة وتحييد التنظيمات الإرهابية، التي من أبرزها تنظيم داعش.

تحديات قائمة:

توجد مجموعة من التحديات التي قد تقف حجر عثرة أمام أي تقارب محتمل بين تركيا وسوريا، التي تتمثل أبرزها في الموقف السوري من تواجد القوات التركية على أراضيها، وكذا تمسكها بتجميد الدعم التركي لجماعات المعارضة السورية، وفي المقابل تتمسك تركيا بعدم خروج قواتها إلا بعد تأمين الحدود واعتماد دستور شامل، وإجراء انتخابات حرة، وضمان بيئة آمنة في سوريا من أجل عودة اللاجئين.

وقد تصاعدت أهمية ملف اللاجئين مؤخرًا في ظل تعرضت مصالح وممتلكات العديد من اللاجئين السوريين في بلدية قيصري التركية لهجوم من بعض الأتراك على أثر الاحتجاجات التي اندلعت يوم 30 يونيو2024 بعد انتشار مزاعم حول اعتداء رجل سوري على فتاة تركية، وعلى جانب أخر نشبت اشتباكات بين مواطنين سوريين والقوات التركية في شمال سوريا ردًا على أعمال شغب ضد اللاجئين السوريين في تركيا.

وقد حاولت تركيا استيعاب الغضب السوري بسبب أحداث الشغب الأخيرة وكذلك من أجل إثبات صدق نواياها من خلال عدد من التحركات، التي من أبرزها: انتقاد الرئيس التركي أعمال التخريب ضد اللاجئين السوريين والتأكيد على أن ذلك أمر غير مقبول، جاء ذلك خلال الاجتماع التشاوري والتقييمي مع الإدارات المحلية لحزب العدالة والتنمية في أنقرة في 1 يوليو 2024، كما أعلن وزير الداخلية التركي “علي يرلي قايا” القبض على 67 شخص لاتهامهم بالاعتداء على أملاك السوريين ببلدية قيصري، بالإضافة إلى تصريحات رئيس دائرة الاتصالات بالرئاسة التركية “فخر الدين ألطون” بأن بلاده تقوم بمراقبة الاستفزازات التي يتعرض لها اللاجئين السوريين وإنه سيتم محاسبة مرتكبيها.

وختامًا، يمكن القول إنه من غير المستبعد أن تنجح التحركات والجهود المبذولة للتقارب التركي السوري، لاسيما إن المؤشرات تُظهر أنه ليس مجرد طرح شكلي، وأن هناك توافقًا بين الحزب الحاكم وبين المعارضة التركية على تحقيق تقدم في هذا الصدد، فضلًا عن المرونة التي أبدتها سوريا إزاء محاولات التقارب، بدليل عدم الإصرار على مطلب انسحاب القوات التركية كشرط مسبق لقبول مسار التقارب مع تركيا، مع القبول بمجرد الاستعداد التركي للانسحاب فقط.


[1] أبرزها تصريحات رئيس حزب الرفاه الجديد “فاتح أربكان” عن ضرورة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

[2] اتفاق أضنة هو اتفاق تم إبرامه بين سوريا وتركيا في عام 1998، ويسمح لتركيا بالدخول إلى الأراضي السورية بعمق 5 كم لمواجهة تهديدات الأكراد بعد أخذ موافقة الجانب السوري بشرط الخروج الفوري عقب تحقيق هدفهم العسكري، ولكنه توقف منذ عام 2012.

التصعيد
تطورات مفصلية: فرص ومحاذير التصعيد المحسوب بين حزب الله وإسرائيل
leb- Isr
ضوابط غائبة تهدد الشرق الأوسط
ليبيا
أولويات التسوية الشاملة للأزمة الليبية
المغرب
فرص قائمة: إحياء اتحاد المغرب العربي
Scroll to Top