تشهد الولايات المتحدة في الوقت الراهن إغلاقًا حكوميًا، بدأ رسميًا في الأول من أكتوبر 2025 للمرة الأولى منذ حوالي سبع سنوات؛ إثر تصاعد الخلافات الداخلية بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة حول تمرير مشروع قانون التمويل في مجلس الشيوخ الهادف لتمديد سقف التمويل الفيدرالي مؤقتًا، الأمر الذي يُتوقع أن تترتب عليه تداعيات اقتصادية واسعة النطاق، لا تقتصر على الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل تمتد إلى بقية دول العالم، نظرًا لما تمثله الولايات المتحدة من ثقل اقتصادي وسياسي عالمي، وذلك في وقت يشهد فيه العالم حالة من عدم اليقين وعدم الاستقرار الاقتصادي.
احتدام الخلافات:
لا يُعد هذا الإغلاق الحكومي هو الأول الذي تشهده الولايات المتحدة خلال رئاسة “دونالد ترامب”؛ ففي ديسمبر 2018 دخلت البلاد في إغلاق حكومي استمر لمدة 35 يومًا نتيجة الخلافات الحادة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بشأن تخصيص 5.7 مليار دولار لتمويل مشروع بناء الجدار الحدودي مع المكسيك، وهو المشروع الذي طالب “ترامب” بتمويله خلال ولايته الأولى بوصفه أولوية للأمن القومي.
وقد تكرر المشهد ذاته في العام الحالي ولكن في سياق مختلف، إذ يتمحور النزاع حول مبلغ قدره 1.7 تريليون دولار مخصص لتمويل عمليات الهيئات الحكومية، وهو ما يمثل نحو ربع إجمالي الميزانية الحكومية البالغة 7 تريليونات دولار؛ في حين يُوجَّه الجزء المتبقي إلى برامج الرعاية الصحية والتقاعد، فضلًا عن مدفوعات فوائد الدين العام التي وصلت إلى 37.5 تريليون دولار.
كما تمثّل مزايا الرعاية الصحية إحدى أبرز نقاط الخلاف بين الحزبين، حيث يشترط الحزب الديمقراطي للموافقة على تمرير مشروع قانون التمويل، أن يُقدِم الحزب الجمهوري على إلغاء الخفض المقرر في مخصصات برنامج الرعاية الصحية “ميديكيد”، وتقليص خطط خفض الإنفاق الموجه لمراكز السيطرة على الأمراض والمعاهد الوطنية للصحة إلى جانب تمديد فترة استحقاقات الرعاية الصحية لملايين الأمريكيين المقرر أن تنتهي مع نهاية العام.
وبناءً على ذلك، لم يتمكّن مشروع قانون التمويل من الحصول على أغلبية الـ 60 صوتًا من أصل 100 صوت، إذ نال تأييد 55 عضوًا مقابل رفض 45 عضوًا، مما حال دون إقراره وأدى إلى دخول البلاد في حالة إغلاق حكومي، وذلك في أكثر من جلسة بمجلس الشيوخ[1].
انعكاسات واسعة:
تتجاوز تداعيات الإغلاق الحكومي الراهن حدود الداخل الأمريكي؛ إذ إنها لا تقتصر على تعطيل أنشطة الحكومة الفيدرالية أو تأجيل نشر البيانات الاقتصادية الحيوية، بل تمتد آثارها إلى شركاء الولايات المتحدة الرئيسيين، والاقتصاد العالمي بأسره، وذلك على النحو التالي:
1-الاقتصاد الأمريكي: ستؤثر تداعيات الإغلاق الحكومي الاقتصاد الأمريكي على عدة قطاعات ومسارات، يُمكن تناولها كما يلي:
- سوق العمل: يتسبب الإغلاق الحكومي في توقف كافة العمليات غير الأساسية للإدارات الفيدرالية، وتشير تقديرات مكتب الميزانية في الكونجرس إلى تعرض نحو 750 ألف موظف لإجازات قسرية إذا طال الإغلاق، فيما يواصل المستثنون العمل دون أجر إلى حين استئناف التمويل، بتكلفة يومية إجمالية تقارب 400 مليون دولار[2].
- الناتج المحلي الإجمالي: تشير التوقعات إلى أن الإغلاق الحكومي قد يخفض معدل النمو الاقتصادي الأمريكي بنسبة تتراوح بين 0.1% إلى 0.2% لكل أسبوع يستمر فيه، فيما قدر المستشارون الاقتصاديون للرئيس “ترامب” أن الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي قد يخسر 15 مليار دولار أسبوعيًا مع استمرار الإغلاق لمدة شهر، إلى جانب خفض إنفاق المستهلكين بمقدار 30 مليار دولار مما سيؤثر سلبًا على أعمال التجزئة والخدمات[3].
- الأسواق الأمريكية: لم تظهر الأسواق الأمريكية ردة فعل قوية تجاه الإغلاق الحكومي، حيث يراهن المستثمرون على عدم استمرار الإغلاق الحكومي لفترة طويلة، فقد حقق مؤشر “داوجونز” إغلاقًا قياسيًا مستمرًا حتى 4 أكتوبر الجاري، ليبدأ عقب ذلك بالانخفاض الطفيف بنسبة 0.14% حتى 7 أكتوبر، بينما ارتفع مؤشرا “إس آند بي 500″، و”ناسداك” بنسب تتراوح بين 0.3% و0.7%، وفي المقابل، انخفض مؤشر الدولار لأدنى مستوياته في أسبوع مسجلًا 97.52 نقطة ليعاود الارتفاع بشكل طفيف عقب ذلك مسجلًا 98 نقطة.
- تأجيل الإعلان عن البيانات الاقتصادية: أسفر الإغلاق الحكومي عن تعليق نشر تقرير الوظائف غير الزراعية، الذي كان من المقرر صدوره في 3 أكتوبر 2025، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2013، كما تتزايد احتمالية تأجيل صدور البيانات التالية[4]:
| البيانات | تاريخ الإعلان |
| التضخم (مؤشر أسعار المستهلكين) | 15 أكتوبر |
| مبيعات التجزئة | 16 أكتوبر |
| مؤشر أسعار المنتجين | 16 أكتوبر |
- التصنيف الائتماني: أكدت وكالة “فيتش” أن الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة لا يحمل تداعيات مباشرة على التصنيف السيادي البالغ “+AA” مع نظرة مستقبلية مستقرة، مشددة أن الأزمة تعكس استمرار التحديات في عملية صنع القرار المالي وضعف الحوكمة مما يعكس قصورًا مزمنًا في السياسات المالية[5].
2-الاقتصاد الأوروبي: من الممكن أن تصل تداعيات الإغلاق السلبية إلى أوروبا نظرًا لعمق العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة، وذلك على النحو التالي:
- الناتج المحلي الإجمالي: يقدر اقتصاديون أوروبيون أن استمرار الإغلاق الحكومي الأمريكي لمدة أسبوعين قد يكلف الاتحاد الأوروبي نحو 4 مليارات يورو من الناتج المحلي الإجمالي، وقد تتضاعف الخسائر إلى 16 مليار يورو إذا استمر الإغلاق لمدة 8 أسابيع.
- حركة التجارة الخارجية: تمثّل التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نحو 30% من إجمالي التجارة العالمية للسلع، وتستحوذ الولايات المتحدة على قرابة 20.6% من إجمالي صادرات السلع الأوروبية، وحوالي 13.7% من وارداتها خلال عام 2024، وبالنظر إلى حجم التشابك الاقتصادي بين الجانبين، يُرجَّح أن يؤدي تعطيل القروض الفيدرالية أو التصاريح التجارية إلى إبطاء حركة الاستيراد والتصدير، خاصةً في قطاعات الماكينات ومكونات السيارات والكيماويات، كما أن تقليص عدد الموظفين في الموانئ والجمارك الأمريكية سيُسفر عن تأخير وصول البضائع وارتفاع تكاليف النقل، وهو ما سينعكس سلبًا على سلاسل التوريد العالمية[6].
- أسواق الأسهم الأوروبية: لم تتأثر أسواق الأسهم الأوروبية أيضًا بالإغلاق الحكومي، حيث صعدت المؤشرات الأوروبية الرئيسية، كمؤشر “ستوكس يوروب 600″، ومؤشر “كاك” الفرنسي، ومؤشر “داكس” الألماني، ومؤشر “فوتسي” البريطاني بنسب تتراوح بين 0.3% و0.6% حتى 7 أكتوبر 2025، ولكن ذلك لا يعني عدم تأثرها خلال الفترة المقبلة، خاصة بعد تبلور أثر الإغلاق الأمريكي على النشاط الاقتصادي في أوروبا.
3-الاقتصاد العالمي: تتمثل أبرز تداعيات الإغلاق الأمريكي على الأسواق العالمية في النقاط التالية:
- أسعار الذهب: أسهمت حالة عدم اليقين المُصاحبة للإغلاق الحكومي في تعزيز الإقبال على الذهب بوصفه ملاذًا آمنًا في مثل هذه الفترات، حيث أغلقت العقود الآجلة للذهب أعلى من مستوى 4000 دولارًا للأوقية للمرة الأولى على الإطلاق، مسجلة الإغلاق القياسي رقم 42 منذ بداية عام 2025، وفي هذا السياق، يتوقع “جولدمان ساكس” استمرار ارتفاع أسعار الذهب لمستويات تتجاوز 4000 دولارًا للأوقية خلال العامين، الجاري والمقبل.
- البحث عن أسواق بديلة: يرسل استمرار الإغلاق الحكومي لفترة طويلة إشارات سلبية عن الاستقرار السياسي والمالي بالولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم، مما قد يدفع المستثمرين إلى البحث عن أسواق بديلة، والتخلي عن الاستثمار في الدولار مقابل تشجيع تدفقات رؤوس الأموال نحو اليورو والين، وفقًا لتصريحات رئيس قسم الاستثمار في شركة بريميير ميتون البريطانية “نيل بيريل”.
ختامًا، يُبرز الإغلاق الحكومي الأمريكي الراهن مدى تعقّد التوازنات السياسية الداخلية وتأثيرها المباشر على الاقتصاد الأمريكي والعالمي؛ فرغم أن الأسواق المالية لم تُظهر حتى الآن ردود فعل حادة، فإن استمرار الأزمة لفترة طويلة يؤثر سلبًا على سوق العمل الأمريكي، والنمو الاقتصادي، ويهدد بزيادة المخاطر على سلاسل التوريد العالمية، وتفاقم حالة عدم اليقين في بيئة الاستثمار الدولية.
[1] “بعد فشل مشروع التمويل.. الحكومة الأميركية تتجه للإغلاق”. سكاي نيوز. 1 أكتوبر 2025. متاح على https://tinyurl.com/yv37p8au
[2] “البيت الأبيض يحذّر من تسريح وشيك لموظفين حكوميين بسبب الشلل الفيدرالي”، الشرق الأوسط. 2 أكتوبر 2025. متاح على https://tinyurl.com/5n6femnr
[3] فاطمة إبراهيم، “مستشارو ترامب: الاقتصاد الأمريكي قد يخسر 15 مليار دولار أسبوعيًا بسبب الإغلاق الحكومي”، أموال الغد. 2 أكتوبر 2025. متاح على https://tinyurl.com/2x3zzjpu
[4] “الولايات المتحدة تشهد أول حالة إغلاق حكومي منذ حوالي 7 سنوات”، موقع أرقام. 1 أكتوبر 2025. متاح على https://tinyurl.com/bdfkh3w3
[5] “فيتش: الإغلاق الحكومي يكشف ضعف السياسات المالية الأمريكية”، موقع أرقام. 2 أكتوبر 2025. متاح على https://tinyurl.com/5477z6hn
[6] “EU-US trade: facts and figures”, European Council. 2025. Available at https://tinyurl.com/yc4634a6

