مستقبل المشهد السياسي في ضوء نتائج الانتخابات العراقية

17/11/2025

شارك ملايين الناخبين العراقيين يوم 11 نوفمبر 2025 في الانتخابات التشريعية لاختيار ممثلين عنهم في مجلس النواب الجديد، وقد أُجريت هذه الانتخابات وفقًا لقانون الانتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل بالقانون رقم 4 لسنة 2023، وقد تنافست القوى المختلفة على 329 مقعدًا، هم إجمالي عدد مقاعد البرلمان العراقي، وقد بلغ عدد الناخبين في هذه الانتخابات نحو 29 مليونًا، وقد اتسمت الانتخابات بالتنافسية الكبيرة، وجاءت في ظل بيئة سياسية وأمنية معقدة، وذلك من حيث عدد المرشحين الذي بلغ أكثر من سبعة آلاف مرشح، ووجود العديد من التحالفات.

القوي الرئيسة:

عُقدت الانتخابات العراقية في ظل بيئة تنافسية، بين القوى السياسية وبعضها، بل وداخل القوى نفسها، وذلك كما يلي:

  • القوى الشيعية: سيطرت الخلافات السياسية بين قوى الإطار التنسيقي ورئيس الوزراء “محمد شياع السوداني” على المشهد الشيعي، حيث اعترض الإطار على تحركات “السوداني” الخارجية والإدارية، مما دفع بقوى الإطار وعلى رأسهم “نوري المالكي” رئيس ائتلاف دولة القانون، و”هادي العامري” رئيس “منظمة بدر”، إلى خوض الانتخابات بقوائم متعددة ومنفردة لتحقيق مكاسب فردية قبل تشكيل تحالفات ما بعد الانتخابات، بينما منحت مقاطعة التيار الصدري للقوى الشيعية الأخرى نفوذًا واسعًا. وتفاقم التوتر بسبب العقوبات الأمريكية على الفصائل المسلحة، ما دفع بعض القيادات الشيعية، كزعيم تيار الحكمة “عمار الحكيم” إلى تبني خطاب يدعو لنزع سلاح الفصائل المسلحة.
  • المكون السني: تشكل المكون السني من 71 نائبا، لكنه انقسم إلى 6 كتل رئيسة، تتمثل في: تحالف “السيادة” بزعامة “خميس الخنجر”، وحزب “تقدم” برئاسة “محمد الحلبوسي”، وتحالف “العزم” بقيادة “مثنى السامرائي”، و”حسم الوطني” بقيادة “ثابت العباسي”، وكتلة “الصدارة” بقيادة “محمود المشهداني”، وذلك بعد انشقاق مجموعة نواب من كتلتي “العزم، والسيادة”، على إثر الخلافات حول من يتولى رئاسة البرلمان بعد إقالة “محمد الحلبوسي”، عوضًا عن كتلة “المبادرة” بزعامة النائب “زياد الجنابي”، بعد انشقاقهم عن حزب “تقدم” الذي كان يسيطر على أغلبية مقاعد السنة.
  • المكون الكردي: انقسم إلى 4 كتل برلمانية، في مقدمتها الحزبان الحاكمان في الإقليم، “الحزب الديمقراطي” الذي كان يمتلك عدد 31 مقعدًا، والاتحاد الوطني بعدد 18 مقعدًا، بالإضافة إلى حركة “الجيل الجديد”، الذي امتلك 9 مقاعد، و”الاتحاد الإسلامي الكردستاني” الذي امتلك 4 مقاعد، وعلى الرغم من هذا التشتت، ظل وزن الكرد حاسمًا حيث يمثلون مفتاحًا للتوازن بين المحاور الشيعية والسنية، وكانت تتمحور أهدافهم التفاوضية بين ضمان الاستقلال المالي النسبي للإقليم، وتوسيع الصلاحيات الإدارية والدستورية، والحصول على تمثيل سياسي متوازن بحقائب استراتيجية، ومعالجة الملفات المؤجلة مع الحكومة المركزية كالمناطق المتنازع عليها في كركوك.
  • الأقليات: امتلك المكون التركماني بقيادة “حسن توران” 3 مقاعد، فيما امتلك المكون المسيحي وتمثله قائمة “بابليون” بزعامة “ريان الكلداني” 5 مقاعد، أما الإيزيديين والشبك والكرد الفيليين والصابئة المندائيين فكان لكل منهم مقعدًا واحدًا.
  • القوي المدنية: هدفت القوى السياسية الناشئة التي برزت بعد احتجاجات أكتوبر 2019 إلى توحيد صفوفها عبر تشكيل تحالف انتخابي مدني واسع، ولعل أبرز هذه الحركات “حركة نازل آخذ حقي”، و”حزب البيت الوطني”، و”تيار قضيتنا”، بالإضافة إلى “الحزب الشيوعي العراقي”، وأيضًا انضمام شخصيات مستقلة وقيادية بارزة كرئيس الوزراء السابق “حيدر العبادي”[1]، والنائب “عدنان الزرفي”، والنائب “سجاد سالم”.

العوامل المؤثرة:

ارتبط السياق الانتخابي العراقي بمجموعة من العوامل المؤثرة، وذلك كما يلي:

  • اكتساب الشرعية: جاءت الانتخابات وسط سباق حاد على الشرعية، حيث واجه الإطار التنسيقي الشيعي، القوة السياسية الرئيسة وقيادة “ائتلاف إدارة الدولة”، تهديدًا لوحدته بسبب سعي بعض القوى التي تمتلك ظهيرًا مسلحًا لتمرير قوانين خاصة (مثل قانون الحشد الشعبي). ومع سحب هذا المشروع، تركز الخطاب السياسي في الإطار على دولة المؤسسات وشعار “عراق مقتدر”. في المقابل، سعى رئيس الوزراء “محمد شياع السوداني” لترسيخ شرعيته عبر إنجازات حكومته التنموية، وبتشكيل تحالفه الانتخابي “الإعمار والتنمية”، متجاوزًا بذلك الإطار التنسيقي ليصبح طرفًا فاعلًا رئيسيًا مستقلًا.
  • مشهد أمني معقد: ساد المشهد الأمني معادلة معقدة تمثلت في تزايد المخاوف من تحول التصعيد الإقليمي نحو العراق. وقد نجحت الضغوط الحكومية في وقف عمليات “المقاومة الإسلامية في العراق”، والتي سعت للاختباء من تهديدات الاستهداف الأمريكي، على صعيد أخر، شددت الولايات المتحدة من إجراءاتها، حيث عملت على تسريع خطط إعادة تموضع قواتها باتجاه كردستان، ونفذت تحركات مكثفة لمقاتلاتها، بالإضافة إلى تصنيف 6 فصائل مسلحة موالية لإيران ككيانات إرهابية أجنبية[2]، وهو ما أعطي شرعية لاستهداف هذه الفصائل عسكريًا مستقبلًا. ومع ذلك، تظل الميليشيات العراقية فاعلًا لا يمكن تجاوزه في المشهد السياسي والأمني، بما تمتلكه من قوة مسلحة، واقتصاد ظل واسع، وحضور اجتماعي، وروابط إقليمية. إلى جانب ما تواجهه هذه القوى من خيارين، إما “الاندماج المشروط” في أطر الدولة النظامية مقابل ضمانات سياسية واقتصادية تمنحها شرعية وتنظم نفوذها، أو “التصعيد والافتكاك” إذا شعرت بتقلص نفوذها وضعف سيطرتها على الدولة، وهنا ستلجأ إلى التصعيد الأمني، واستهداف البنى التحتية، وتوسيع اقتصاديات الجباية والتهريب كثمن لتعطيل المسار السياسي.
  • الفواعل الإقليمية: تركزت المصالح الإقليمية في الانتخابات على تحقيق الاستقرار وتفضيل العراق كشريك قادر على كبح جماح الفصائل المسلحة، فتركيا تولي الأولوية لأمن حدودها وملاحقة حزب العمال الكردستاني، وتستخدم ورقة المياه، وتراهن على المشاريع الاقتصادية كطريق التنمية. في المقابل، تعتمد دول الخليج على جهود مشروعات الربط الكهربائي والاستثمارات الذكية في البنية التحتية والموانئ، بهدف إعادة العراق للحاضنة العربية، وتوظيف أدوات الطاقة والدبلوماسية لتشكيل شراكة إقليمية أكثر توازنًا.
  • الضغط الأمريكي: حملت الولايات المتحدة نظرة مركبة للانتخابات العراقية، حيث استهدفت تحقيق استقرار أمني يمنع عودة تنظيم داعش، ووجود توازن سياسي، وتدفق آمن للطاقة، وهي تستند على عدة مرتكزات أهمها المساعدات والتدريب الأمني المشروطان بالإصلاح وضبط السلاح، والدبلوماسية الانتقائية، وذلك عبر دعم شخصيات وبرامج بدل الرهان على كتلة واحدة، أو الضغط على الاقتصاد العراقي.
  • الوجود الإيراني: لا تميل إيران إلى الاشتباك المباشر مع معارضيها في العراق، بل تعمد إلى التأثير المؤسسي الهادئ، عبر الضغط على الاقتصاد العراقي من بوابة الغاز والطاقة والتي تجعل العراق في حاجة ملحة لها، كما تستند إلى شبكات سياسية وعقائدية داخل مجلس النواب وخارجه، تضبط الإيقاع وتمنع نشوء أغلبية معارضة.
  • البعد الطائفي والعشائري: تتحكم التوازنات الطائفية والعشائرية في المشهد السياسي العراقي، حيث تفرض اصطفافات متعارضة وحراكًا داخليًا لتحديد تمثيل كل طائفة وتحقيق مطالبها السياسية، وقد انعكس هذا التوتر بشكل واضح في إقليم كردستان، الذي يشهد انقسامًا في السلطة والموارد بين مركزي نفوذ رئيسيين: الاتحاد الوطني في السليمانية والحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل.

رؤية استشرافية:

أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أن نسبة التصويت الإجمالية بلغت 56.11%، بعد استكمال فرز نحو 99.98% من الأصوات، حيث بلغ العدد الكلي للمصوتين نحو 12 مليونًا. في السياق ذاته، أظهرت البيانات تفاوتًا بين الفئات؛ إذ بلغت نسبة المشاركة في التصويت العام 54.35%، بينما سجلت نسبتا التصويت الخاص 82.52% وتصويت النازحين 77.35% وهي معدلات مرتفعة بشكل لافت عن المرات السابقة.

كما أظهرت النتائج الأولية للانتخابات التشريعية العراقية تقدمًا ملحوظًا لـ “ائتلاف الإعمار والتنمية” الذي يتزعمه رئيس الوزراء الحالي “محمد شياع السوداني”، حيث تمكن من تحقيق هيمنة سياسية كبيرة، بعدما حصل على 1,317,491 صوتًا، ما سمح له بحصد 50 مقعدًا في البرلمان، وجعله على رأس الكتل الانتخابية الشيعية مدعومًا بقوته في الجنوب والوسط، ليبقى التحالف الأكبر في البرلمان القادم، وسيكون له دور رئيسي في تشكيل الحكومة المقبلة.

ونشير في هذا الإطار للملاحظات التالية:

  • يعكس نجاح ائتلاف “السوداني” إيمان الناخبين بمشروعه الوسطي الذي ركز على تقديم الخدمات والأداء الحكومي، وتكوين نقطة تقاطع وتوافق داخليًا وإقليميًا، حيث تمكن “السوداني” من تبني استراتيجية واضحة ومُعلنة لإبعاد العراق عن الصراع، مدعومة بتحركات دبلوماسية على الجانبين الأمريكي والإيراني وتركيز على السياسة المحلية، وهو ما انعكس في حالة الاستقرار النسبي الذي يتمتع به العراق حتى الآن.
  • على الرغم من أن عدد المقاعد التي حصدها “ائتلاف السوداني”، فإن هذا التقدم لا يحسم تلقائيًا ولايته الثانية، حيث أن تشكيل الحكومة المقبلة سيظل مرهونًا بالتحالفات والمساومات التي تلي الانتخابات، إلا أن الدعم المبدئي الذي أبداه قادة كبار مثل “محمد الحلبوسي” زعيم تحالف تقدم السني، و”مسعود بارزاني” زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني يعزز موقف السوداني في مفاوضات تشكيل الكتلة النيابية الأكبر دستوريًا.
  • رغبة الأطراف الإقليمية والدولية على تثبيت معادلة التوافق والشراكة، عبر تشكيل حكومة توافقية بمشاركة جميع القوى الشيعية التقليدية، مع منح حصص أوسع للسنة والأكراد، برئاسة “السوداني” الذي يحظى بقبول كافة الأطراف وهو ما انعكس في ظهور المبعوث الأمريكي “مارك سافايا” مع “السوداني” في أجواء ودية توحي بدعم أمريكي لطموحه في ولاية ثانية على خلفية تراجع النفوذ الإيراني، ما يبقي العراق محكومًا بمنطق الشراكة وتقاسم السلطة.

في المقابل، جاء حزب “تقدم” الذي يعد أكبر تحالف سني بزعامة “محمد الحلبوسي” الذي حصل على 945,273 صوتًا، ليحصد 36 مقعدًا، لكن المفارقة تكمن في “رمزية بغداد” عبر حصوله على 284 ألف صوت و10 مقاعد متقدمًا على “ائتلاف المالكي” في العاصمة، وهو ما يمثل تحولًا مهمًا في حسابات المكون السني داخل العاصمة، ويعزز أوراق الحلبوسي التفاوضية. وفي السياق ذاته، حققت قوى سنية أخرى مقاعد في مختلف المحافظات، حيث حصل تحالف “العزم” بزعامة “مثني السامرائي” على 15 مقعدًا، وحصل “حسم” على 8 مقاعد، وحصل “تحالف السيادة” بزعامة “خميس الخنجر” على 9مقاعد، وهو ما يُظهر أنه بالرغم من العراقيل التي واجهها تحالف “تقدم” بسبب المنافسة الحادة، فإنه حافظ على نفوذه الكبير، خصوصًا في المناطق السنية.

فيما جاء في المركز الثالث ائتلاف “دولة القانون” برئاسة “نوري المالكي” بحصوله على 728,167 صوتًا، ليحصد 29 مقعدًا، وعلى الرغم من تراجع شعبيته مقارنة بالانتخابات السابقة، فإنه لا يزال أحد أبرز القوى السياسية المؤثرة في الكيان الشيعي.

كما أبرزت النتائج الأولية تقدمًا لافتًا في تمثيل الأجنحة السياسية للميليشيات المسلحة داخل البرلمان العراقي، مما يعزز دورها المحوري في التوازنات المقبلة، حيث حصلت “عصائب أهل الحق” بقيادة “قيس الخزعلي” على 28 مقعدًا، وهو ما يعكس حجم الدور الكبير الذي ستلعبه في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، لا سيما في الملف الأمني والتفاهمات السياسية مع الكتل الشيعية الكبرى الأخرى، وعلى رأسها ائتلاف الإعمار والتنمية ودولة القانون، كما حصدت “منظمة بدر” بزعامة “هادي العامري” 21 مقعدًا، وهو ما يعكس قوتها وتأثيرها داخل الكتلة الشيعية، فيما سجلت حركة “حقوق”، الذراع السياسي لكتائب “حزب الله” العراقي، تقدمًا بسيطًا بحصولها على 3 مقاعد، ما يعكس استمرار تنامي التيارات السياسية المرتبطة بالميليشيات في المشهد البرلماني والسياسي المقبل. وبذلك تصل جميع مقاعد الكتلة الشيعية في البرلمان إلى ما يزيد 170 مقعدًا، مما يمنح هذه القوى ثقلًا مهمًا في العملية السياسية القادمة، وتكريسًا لسيطرتها على المشهد السياسي العراقي.

وعلى الصعيد الكردي، فقد حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة “مسعود بارزاني” على 1,099,914 صوتًا، ليحصد 28 مقعدًا، وهو ما يعزز من نفوذه في المناطق الكردية ويبقيه القوة الكبرى في أربيل والسليمانية.

وعلى الرغم من أن مرحلة تشكيل التحالفات ما تزال في بدايتها، فإن النتائج الأولية للانتخابات قد رسمت معالم رئيسة للقوى الفاعلة في المشهد السياسي، حيث يبرز “تحالف الإعمار والتنمية” برئاسة رئيس الوزراء “محمد شياع السوداني” كحجر زاوية في التحالفات القادمة، حيث فاز في 8 محافظات من ضمنها العاصمة بغداد. في المقابل، حصل “الإطار التنسيقي” الذي يضم باقي القوى الشيعية باستثناء التيار الصدري على نتائج تؤهله ليكون منافسًا حقيقيًا، وهو ما سيجعل التنافس بين التحالفين الشيعيين متصاعدًا ما لم يتم التوصل إلى موقف موحد حول من سيمثل المكون الشيعي في معادلة التحالفات.

من هذا المنطلق، يرى “السوداني” أن الفوز الانتخابي الذي حققه ائتلافه يمنحه الأهلية للبدء في مفاوضات تشكيل الكتلة، مع تأكيده أن تحالفه سيكون منفتحًا على الجميع للعمل المشترك، في المقابل، تتحرك قوى الإطار التنسيقي المنافسة للإعلان عن نفسه ككتلة أكبر وتدعو إلى الانضمام إليها لتسمية الرئاسات الثلاث، وتعكس محاولات الإطار التعجيل بإعلان الحكومة تعقد المشهد، لكونها تتجاهل المكاسب الانتخابية لتحالف السوداني، وهو ما قد يفتح الباب أمام احتمالية تكرار “سيناريو الشلل الدستوري” الذي ساد بعد انتخابات 2021، حيث لم يتمكن الفائز الأكبر (التيار الصدري آنذاك) من تشكيل الحكومة، حيث قد يؤدي التنافس الحالي إلى نجاح الأطراف المعارضة للسوداني في بناء تحالف يمثل الثلث المعطل، وهو ما يُعيق انعقاد البرلمان ويطيل أمد أزمة تشكيل الحكومة.

في السياق ذاته، يعكس تمكن القوى السنية والكردية، لاسيما حركة “تقدم” السني، و”الحزب الديمقراطي الكردستاني” من حصد عدد أكبر من المقاعد في هذه الانتخابات ثقلًا تفاوضيًا كبيرًا، في المقابل، فشلت القوى السياسية الناشئة المشاركة في الحصول على مقاعد تؤهلها للعب دور مؤثر في المرحلة المقبلة.

ويتزامن هذا الصراع مع تحد غير مسبوق “للعرف السياسي” السائد في العراق منذ عام 2003 بشأن توزيع الرئاسات الثلاثة، فقد أعلن رئيس حزب تقدم بزعامة “محمد الحلبوسي” أن تحالفه سيسعى للحصول على منصب “رئيس الجمهورية”، معتبرًا إياه استحقاقًا للسنة بدلًا من رئاسة البرلمان. وقد أثار هذا الموقف اعتراضًا قويًا من “الحزب الديمقراطي الكردستاني” بزعامة “مسعود بارزاني”، مما يهدد بإضافة أزمة قومية إلى الأزمة الشيعية الداخلية حول الكتلة الأكبر.

وعلى الرغم من مقاطعة التيار الصدري للانتخابات، فإنها لم تلغ دوره في رسم المشهد القادم، وهو ما دفع قوى سياسية فاعلة، وعلى رأسها رئيس الوزراء “محمد شياع السوداني” للاستعداد للتواصل معه لإقناعه بالمشاركة في تحديد الاستحقاقات المقبلة، خاصة عقدة تسمية رئيس الوزراء، التي تمثل أصعب الملفات. حيث أكد الصدر أن مقاطعته لا تعني تخليه عن دوره المستقبلي، محذرًا ممن وصفهم بـ “المنتفعين” بضرورة القيام بواجباتهم في إخراج العراق من حاله الراهن، ووقف التدخلات الخارجية، وكشف الفساد، ومع هذا التدخل الصدري المحتمل، يظل التحدي الأكبر هو التوفيق بين هذه المطالب، وبين إصرار “السوداني” على استحقاقه الدستوري لولاية ثانية، واستمرار حالة الرفض القاطع لهذا المطلب من غالبية قوى الإطار التنسيقي.

ختامًا، اكتسبت هذه الانتخابات أهميتها من كونها فرصة لإعادة رسم الخريطة السياسية وتصحيح اختلال التوازن الناجم عن سيطرة “الإطار التنسيقي” على السلطتين التشريعية والتنفيذية بعد غياب التيار الصدري، كما مثلت اختبارًا للشرعية في ظل استمرار الخلاف حول منصب رئيس البرلمان، إضافةً إلى حالة التجاذب حول مستقبل المشهد السياسي العراقي وتأرجحه ما بين تشكيل حكومة شاملة عابرة للطوائف تجمع القوى كافة، أو تشكيل حكومة تقودها قوى شيعية معتدلة، مثل كتلة السوداني وتيار الحكمة، بمشاركة الكرد والسنة.


[1] دعا رئيس الوزراء العراقي الأسبق وزعيم ائتلاف النصر “حيدر العبادي” في يوليو 2025 إلى ضرورة اصلاح النظام الانتخابي ليشمل جميع المكونات، وذلك بعدما أعلن انسحاب ائتلافه من سباق الانتخابات البرلمانية.

[2] تتمثل أبرز الفصائل المسلحة التي تم ادراجها في قوائم الأرهاب: “كتائب سيد الشهداء” و”كتائب حزب الله” و”حركة النجباء”، و”كتائب الأمام علي”.

usa-ksa
مقاربة أخرى: قراءة في نتائج زيارة ولي عهد السعودية للولايات المتحدة
turkusa
رؤى بحثية: مستقبل العلاقات التركية الأمريكية
1212
تعزيز النفوذ: حدود الدعم السعودي – القطري للنظام السوري الانتقالي
turk-oppos
دلالات إعادة انتخاب رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي
Scroll to Top