أجرى ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان” زيارة إلى الولايات المتحدة يومي 18 و19 نوفمبر 2025، رافقه وفدًا رفيع المستوى، ضم العديد من كبار المسئولين، أبرزهم: الأمير “عبدالعزيز بن سلمان” وزير الطاقة رئيس الجانب السعودي للجنة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية السعودية الأمريكية، والأمير “فيصل بن فرحان” وزير الخارجية، والدكتور “مساعد بن محمد العيبان” وزير الدولة عضو مجلس الوزراء مستشار الأمن الوطني، وجاءت هذه الزيارة تلبية للدعوة التي تلقاها من الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، واستهدفت في مجملها بحث ملفات العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية.
نتائج ملموسة:
حظي ولي العهد السعودي بمراسم استقبال خاصة، وتضمنت زيارته العديد من الفعاليات، حيث عقد قمة مع الرئيس الأمريكي “ترامب”، والتقى برئيس مجلس النواب الأمريكي “مايك جونسون”، وعددًا من قيادات مجلسي الشيوخ والنواب، كما عُقد منتدى الاستثمار الأمريكي – السعودي الذي شهد الإعلان عن توقيع عدد من الاتفاقات بقيمة بلغت نحو 270 مليار دولار[1].
وقد أفضت الزيارة إلى جملة من النتائج على صعيدي القضايا الإقليمية والعلاقات السعودية الأمريكية، وذلك كما ورد في البيانات الرسمية الصادرة عن الجانبين، والاتفاقات التي جرى توقيعها، حيث ستزداد الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة من 600 مليار دولار إلى تريليون دولار، كما سيكون هناك تعاونًا في تأمين سلاسل الإمداد لليورانيوم والمعادن والمغانط الدائمة والمعادن الحرجة، وإجراءات لتسريع وتيرة الاستثمارات السعودية.
كما وقع الجانبان اتفاقية الدفاع الاستراتيجي، التي تسهل على شركات الدفاع الأمريكية العمل في السعودية، إلى جانب موافقة الرئيس “ترامب” على حزمة مبيعات دفاعية كبرى، تتضمن منح السعودية مقاتلات F35، واتفاقية لتزويد السعودية بنحو “300” دبابة، إلى جانب إعلان الرئيس الأمريكي “ترامب” تصنيف السعودية كحليف رئيس للولايات المتحدة من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو).
امتدت التفاهمات الأمريكية السعودية إلى مجالات أخرى ذات الأولوية، حيث جرى توقيع مذكرة تفاهم في مجال الذكاء الاصطناعي تمنح السعودية إمكانية الوصول إلى نظم التكنولوجيا الأمريكية الرائدة عالميًا، مع حماية التكنولوجيا الأميركية من التأثيرات الأجنبية، كما وقع الجانبان إعلانًا مشتركًا بشأن استكمال المفاوضات للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية مع مراعاة معايير منع الانتشار النووي.
حظيت التطورات الإقليمية باهتمام واضح من الجانبين، حيث أوضح ولي العهد السعودي أن بلاده ترغب في أن تكون جزءًا من الاتفاقيات الإبراهيمية، لكن يجب التأكد أولًا من وجود مسار واضح لحل الدولتين، كما أكد أن بلاده تعمل بشكل وثيق للمساعدة في إبرام اتفاق جيد بين الولايات المتحدة وإيران بشكل يرضي المنطقة والعالم، فيما أعلن الرئيس الأمريكي “ترامب” أنه سيعمل مع شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، خاصةً مصر والإمارات والسعودية لإنهاء الأزمة في السودان وتحقيق الاستقرار[2].
دلالات مهمة:
حملت زيارة ولي العهد السعودي للولايات المتحدة العديد من الدلالات المهمة، وذلك كما يلي:
- مثلت الزيارة ومخرجاتها طبيعة الموقف السعودي المتماسك من العلاقات مع الولايات المتحدة، لا سيما أنها جاءت بناءً على توجيهات الملك “سلمان بن عبد العزيز” وذلك وفق البيان الصادر عن الديوان الملكي بتاريخ 17 نوفمبر 2025، ووفق ما أعلنه مجلس الوزراء السعودي في جلسته المنعقدة بتاريخ 18 نوفمبر 2025 من أن زيارة ولي العهد للولايات المتحدة تأتي في إطار تعزيز العلاقات الثنائية والشراكة الإستراتيجية بين البلدين، مع السعي لتحقيق رؤيتهما المشتركة نحو شرق أوسط يسوده الأمن والاستقرار.
- على جانب آخر، تُظهر زيارة ولي العهد السعودي إلى الولايات المتحدة والمخرجات من اتفاقات وتفاهمات طبيعة النظرة الأمريكية لتطور الدور السعودي على الساحة الإقليمية والدولية، وأن الولايات المتحدة أصبح بإمكانها التعاون والتنسيق مع السعودية لتحقيق المصالح المشتركة في العديد من المناطق المأزومة (سوريا – لبنان – غزة) دون الحاجة لتدخل أمريكي مكثف قد يفرض تكاليف كبرى.
- يتضح أن هناك رغبة أمريكية كبيرة من أجل انضمام السعودية للاتفاقيات الإبراهيمية، حيث ينظر الرئيس “ترامب” لهذه الخطوة على أنها ركيزة لدمج إسرائيل في البنية الإقليمية بشكل فاعل، لأن السعودية “لن تأتي وحدها”، حيث سيستتبع تطبيعها خطوات مماثلة من دول عربية وإسلامية، ومع ذلك فإنه من الواضح أن السعودية تحجم عن اتخاذ هذه الخطوة وتعرقل تنفيذها اعتمادًا على أمرين، الأول: أهمية توافر السياق الإقليمي المناسب، وذلك من حيث وجود مسار واضح لإقامة الدولة الفلسطينية، وهو شرط سعودي أولي قبل التطبيع، ومعالجة ارتدادات الحرب الأخيرة على غزة، الثاني: التأثير السلبي لهذه الخطوة في الوقت الراهن على العلاقات السعودية الإيرانية والدور السعودي في بناء مناخ ملائم لإبرام اتفاق بين إيران والولايات المتحدة بشأن برنامج طهران النووي، بل إن رد الفعل الإيراني على التطبيع السعودي مع إسرائيل قد يؤثر بالسلب على مسار بكين الذي بدأه الجانبان وأدى إلى استقرار العلاقات بينهما خلال الفترة الأخيرة.
- سعي الرئيس “ترامب” إلى توظيف الاتفاقات والعوائد الاقتصادية المتحصلة منها لتحقيق مكاسب شخصية، تتمثل في إظهار التزامه بنهجه “أمريكا أولًا” وأن التقدم في العلاقات مع السعودية يُسهم في تعزيز مكانة الولايات المتحدة كقائدة على الساحة العالمية، كما ستوفر العديد من الوظائف عالية الأجر للأمريكيين، وتحقق عوائد كبرى للعمال والأسر الأمريكية لعقود قادمة.
- يكمن الهدف الرئيس لهذا الاهتمام الأمريكي بتوطيد وترسيخ العلاقات مع السعودية لا سيما في المجالات الاستراتيجية والنوعية (الدفاع – التكنولوجيا الحساسة) يكمن في ربط السعودية بشكل وثيق بالولايات المتحدة، بما يساعد في إبعادها عن الصين.
مسارات محتملة:
- من المحتمل تزايد حجم الانفاق الدفاعي السعودي خلال السنوات المقبلة للإيفاء بالصفقات مع الجانب الأمريكي، إضافةً إلى أن نظم التسلح التي تطلبها السعودية مرتفعة التكلفة، ويُرجح أن تؤدي صفقات الأسلحة بين الولايات المتحدة والسعودية إلى رفع حجم الأسلحة الأمريكية الموردة للسعودية خلال السنوات المقبلة، مع الأخذ في الاعتبار أن نسبة الأسلحة الأمريكية الموردة خلال الخمس سنوات الأخيرة “74%”، أي أكثر من ثلثي ما استوردته السعودية، الأمر الذي يعني تزايد الارتباط بين البلدين.
- من المحتمل أن تؤدي الصفقات الدفاعية إلى رفع قيمة وحجم وعدد شركات الأسلحة الأمريكية عالميًا لتتفوق على نظيرتها الصينية، مع الأخذ في الاعتبار أن شركة “الصين لعلوم وصناعة الطيران CASIC” أصبحت ثالث أكبر شركة أسلحة عالميًا خلال عام 2024، متفوقة على شركات أسلحة أمريكية كبرى مثل “General Dynamics” و”Boeing” لكن مع تنفيذ الصفقات الجديدة فإن الشركات الأمريكية ستستعيد ريادتها عالميًا مرة أخرى[3].
- من المستبعد أن يتم تسليم السعودية مقاتلات F35 في المدى المنظور، مع استمرار المناورة الأمريكية بخصوص توقيتات التسليم وطراز المقاتلة التي سيتم تسليمها، ويرجع ذلك إلى المخاوف الأمريكية من تسرب تكنولوجيا المقاتلة الحساسة إلى الصين، والمعارضة الإسرائيلية لإتمام هذه الصفقة، حيث تعد إسرائيل الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط التي تمتلك هذا النوع من المقاتلات، وتعتمد عليها في تفوقها الجوي في المنطقة، وبالتالي فإن حصول السعودية عليها سيحرمها من هذه الميزة العملياتية، بل قد تؤدي إلى إضعاف التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة، وزيادة تمسك شركاء الولايات المتحدة الإقليميين بمطالبهم بالحصول على هذه المقاتلة أسوة بالسعودية، وبالتالي فإن عدم استجابة الولايات المتحدة لهذه المطالب قد يدفعهم إلى زيادة الارتباط بالصين وروسيا والحصول على نظم تسلح متطورة وحساسة منهما.
ختامًا، يمكن التأكيد على أن هذه الزيارة ونتائجها قد تُكسب التحركات السعودية الإقليمية خلال الفترة المقبلة حالة من الجرأة في العديد من المناطق، استنادًا إلى ما ستوفره الولايات المتحدة من دعم سياسي وعسكري، في المقابل، فإن تراكم القدرات الدفاعية وتزايد النفوذ الإقليمي للسعودية قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار سواء في العلاقات السعودية الإيرانية أم على المستوى الإقليمي، حيث ستنظر إيران إلى الدور السعودي المتنامي وما ستوفره الصفقات مع الولايات المتحدة من قدرات دفاعية ونووية وتكنولوجية على أنه تهديد لأمنها القومي.
[1] “سياسي / البيان المشترك في ختام زيارة سمو ولي العهد للولايات المتحدة الأمريكية”، وكالة الأنباء السعودية (واس). 20 نوفمبر 2025. متاح على https://www.spa.gov.sa/N2448850
[2] للمزيد حول فعاليات الزيارة ومخرجاتها، انظر:
- “Fact Sheet: President Donald J. Trump Solidifies Economic and Defense Partnership with the Kingdom of Saudi Arabia”, the White House. 18 November 2025. Available at https://tinyurl.com/597ntv4b
- “زيارة ولي العهد السعودي إلى أمريكا (تغطية مباشرة)”، الشرق للأخبار. متاح على https://tinyurl.com/yc7wxszk
[3] “Top 100 for 2025”, Defence News. Available at https://people.defensenews.com/top-100/

