دخلت الحرب السودانية مرحلة جديدة تتجاوز كونها صراعًا على المدن أو النفوذ المحلي، لتتحول إلى معركة مفتوحة لإعادة تشكيل ميزان القوة داخل الدولة نفسها، فبعد سقوط الفاشر في يد قوات الدعم السريع، أصبحت دارفور عمليًا تحت سيطرة شبه كاملة للحركة، ما دفع مركز الثقل العسكري والسياسي إلى التحرك شرقًا نحو إقليم كردفان، الذي بات نقطة الالتقاء بين حسابات الجيش السوداني، وطموحات الدعم السريع، وضغوط الرباعية الدولية.
في هذا السياق المضطرب، جاء تصريح الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ليُضيف بعدًا جديدًا للمشهد، إذ لمح إلى تحرك حاسم لإنهاء الحرب في السودان يمكن تفسيرها بأنها بداية للتدخل الأمريكي بقوة لإعادة هندسة مسار الأزمة وفرض تسوية إذا لزم الأمر، هذا التطور، مع تزايد العمليات الجوية والبرية للجيش في كردفان ورفضه عروض الهدنة مقابل قبول الدعم السريع لها، يُشير إلى أن الأطراف المختلفة تستعد لجولة أكثر حسمًا من أي مرحلة سابقة، وتزداد أهمية كردفان اليوم لأنها خط الدفاع الأخير قبل الوسط والخرطوم، خاصة أن السيطرة على كردفان باتت اليوم تشكل العقدة الحاكمة في مسار الحرب، وهي ليست مجرد جبهة إضافية، بل نقطة الفصل التي يترتب عليها عزل دارفور تمامًا عن الوسط والشرق، ومن يفرض نفوذه على كردفان يُمسك فعليًا بالممر الذي يحدد استدامة قوات الدعم السريع أو انحسارها، وبالتبعية يرسم اتجاه الحرب كلها في الشهور المقبلة.
الأهمية الاستراتيجية لكردفان:
يُمثل الإقليم أهمية عسكرية لطرفي الصراع بالسودان، حيث يُسيطر الإقليم على أهم الطرق القومية الرئيسة، أبرزها:
- طريق الأبيض – الخرطوم وهو أحد أهم الطرق القومية على الإطلاق بالإقليم ويربط الخرطوم بمدينة الأبيض (عاصمة شمال كردفان)، ويعد شريان الإمداد الرئيس من الخرطوم إلى وسط وغرب السودان، كما تتمثل أهميته العسكرية كونه يسمح بإرسال قوات أو تعزيزات أو إمدادات من القوات المسلحة السودانية إلى كردفان ودارفور، كما تعتمد عليه أيضًا قوات الدعم السريع في حالة سيطرتها على مناطق بين الخرطوم والأبيض.
- طريق الأبيض – الفاشر/ نيالا، ويمتد من الأبيض نحو دارفور عبر النهود – الغبيش – الفاشر/ نيالا، ويعتبر الشريان الأهم لربط كردفان بغرب السودان، كما تتمثل أهميته العسكرية في كونه خط الإمداد الرئيس لإقليم دارفور، ويسمح بتحريك المدرعات والمركبات العسكرية بين الإقليمين، وتستخدمه قوات الدعم السريع كخط عمق خلفي بين دارفور وكردفان.
- الطرق المرتبطة بمناطق النفط – والتي تمثل أهمية إستراتيجية، خاصةً بولاية غرب كردفان، التي تضم أهم حقول النفط (هجليج، وبليلة، ودفرا، …)، ومن هذه الطرق: طريق بليلة – المجلد – بابنوسة، وطريق هجليج – الفولة – المجلد، وتعني السيطرة على هذه الطرق السيطرة على سلاسل توريد النفط، وبالتالي ضغط اقتصادي وسياسي مرتفع على الدولة.
يُشير ما سبق إلى أن إقليم كردفان هو “مسرح العمليات الحاسم” من وجهة نظر طرفي الصراع خاصة القوات المسلحة السودانية، وقد تزايدت أهميته عقب سقوط مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور بنهاية أكتوبر 2025.
تصاعد حدة العمليات العسكرية:
شهدت العمليات العسكرية في السودان خلال الفترة الأخيرة عقب سقوط الفاشر عدة تطورات، خاصة إقليم كردفان حيث برز الآتي:
1-القوات المسلحة السودانية:
- كثفت القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها من هجماتها الجوية والعمليات البرية ضد تمركزات وحشود الدعم السريع في الإقليم وحققت العديد من النجاحات على الأرض أبرزها السيطرة على عدد من المدن الرئيسة في شمال وغرب كردفان منها (كازقيل، وأم دم حاج أحمد، وأم صميمة، وأم سيالة، وأبى قعود) مع استمرار التقدم في اتجاه مدينتي (بارا، والخوي)، وفى جنوب كردفان، نجح الجيش السوداني في السيطرة على مدينتي (برونو، وهبيلا).
- تزايد نشاط القوات الجوية السودانية اعتبارًا من أول نوفمبر 2025 في استهداف سلاسل إمداد قوات الدعم السريع في منطقة الصحراء الكبرى حيث تُعد هذه المنطقة ضمن المواقع الاستراتيجية نظرًا لقربها من الحدود مع ليبيا وخطوط إمدادها المفتوحة مع شمال وشرق السودان، وقد قام الجيش السوداني بتنفيذ ضربات جوية مؤثرة لخطوط إمداد الدعم السريع، كان أخرها يوم 21 نوفمبر حيث استهدف حوالى خمس مركبات قتالية وعددًا من ناقلات الوقود التابعة لقوات الدعم السريع في منطقة المثلث الحدودي حيث كانت في طريقها إلى السودان، وتمتد خطوط الإمداد هذه على طول غرب السودان، وتحديدًا في ولاية شمال دارفور، بدءًا من المثلث الحدودي وصولًا إلى الفاشر ونيالا، كما استُهدف أيضًا أحد مناجم الذهب بمنطقة المليحة بولاية شمال دارفور، وذلك في إطار الحد من قدرة الدعم السريع على الصمود في العمليات العسكرية.
2-قوات الدعم السريع:
- قامت قوات الدعم السريع بعمليات حشد واسعة لقواتها في إقليم كردفان في إطار سعيها لتحقيق تقدمات عسكرية أخرى في الإقليم خاصة حول مدينتي الأبيض بولاية شمال كردفان ومدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان والتي تتمركز فيها الفرقة 22 مشاة، وحصارها من كافة الاتجاهات، واعتبارًا من يوم 9 نوفمبر، بدأت قوات الدعم السريع في مهاجمة المدينة بالقصف المدفعي والطائرات المُسيرة، كما سعت يوم 16 نوفمبر لتنفيذ هجوم بري من أكثر من محور أبرزهم شمال المدينة نحو مقر اللواء 89 مشاة، إلا أن عناصر الفرقة 22 مشاة نجحت في صد الهجوم، وسط أنباء عن مقتل 6 من القيادات الميدانية لقوات الدعم السريع وتدمير معدات قتالية ومدرعات.
- الاستمرار في تنفيذ هجمات بطائرات مُسيرة في العمق حيث استهدفت مقر القيادة العامة في مدينة مروي بشمال السودان، ومطار مروي، إضافة إلى سد مروي، مع بروز تطور أخر تمثل في استهداف حقول النفط (منطقة هجليج بغرب كردفان، ومحطة ضخ البترول في منطقة “المخاليف” في مدينة الجبلين بولاية النيل الأبيض)، ونتيجة لتكرار هذه الاعتداءات، أبلغت الحكومة السودانية نظيرتها في جنوب السودان بوقف أعمال النفط في منطقة هجليج حفاظًا على سلامة المهندسين والمنشآت، وذلك بهدف التأثير على موارد الجيش السوداني وحكومة جنوب السودان بما يدفع لزيادة توريط جنوب السودان في الصراع الراهن.
- هدد نائب رئيس هيئة الأركان بحركة جيش تحرير السودان “أحمد يحيى جدو” المتحالف مع الدعم السريع، باجتياح مناطق إضافية في شمال دارفور، مؤكدًا أن السيطرة التي تحققت حتى الآن اقتصرت على مدينة الفاشر دون امتداد إلى بقية أنحاء الولاية.
وتشير مجمل التطورات العسكرية في إقليم كردفان إلى محاولة الجيش السوداني استعادة السيطرة على المواقع الاستراتيجية غرب الأبيض، بما يمهد الطريق أمامه للتقدم نحو ولاية غرب كردفان ثم تطوير العمليات البرية تجاه إقليم دارفور، كما أن هذه التحركات العسكرية تعكس رغبة الجيش في تعزيز وجوده الميداني وتوسيع نطاق سيطرته في مناطق تشهد أهمية جغرافية وعسكرية بالغة.
شكل يوضح مناطق السيطرة في كردفان حتى 20 نوفمبر 2025

Source: https://www.criticalthreats.org/
موقف الرباعية الدولية:
سبق وأن اقترحت الرباعية الدولية (مصر والولايات المتحدة والسعودية والإمارات) في شهر سبتمبر 2025 مبادرة لحل الأزمة بالسودان تتضمن دعوة إلى وضع آلية عملية لوقف إطلاق النار وبناء مفاوضات سياسية داخلية تُفضي إلى الحكم المدني التوافقي وهدنة إنسانية أولية مدتها 3 أشهر، لفتح ممرات المساعدات، كما عقدت جولة تفاوضية مع وفدي الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 24 أكتوبر 2025 في واشنطن لمناقشة المبادرة المتكاملة، إلا أن تلك المحاولات لم تلق تجاوبًا من طرفي الصراع في البداية، حتى سيطر الدعم السريع على مدينة الفاشر في أواخر أكتوبر 2025، ثم تبع ذلك إعلان الدعم السريع يوم 5 نوفمبر موافقتها على الهدنة الإنسانية التي اقترحتها الرباعية الدولية، فيما لم تتحفظ الحكومة السودانية على الهدنة بأبعادها الإنسانية، وقدمت 4 ملاحظات من أبرزها وضع شرط سحب الدعم السريع قواتها من المناطق التي احتلتها مؤخرًا، كما طالبت بتجميع قوات الدعم السريع في مناطق محددة، واشترطت أيضًا نشر الشرطة في جميع المناطق التي تنسحب منها الدعم السريع.
وفي تطور بارز، أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عقب لقائه بولي العهد السعودي في واشنطن يوم 18 نوفمبر 2025 وبحث تطورات الأزمة بالسودان، وبناءً على مطالب العديد من قادة المنطقة والعالم، استخدام سلطة ونفوذ الرئاسة الأمريكية لوقف ما يحدث في السودان، كما أكد على أنه سيعمل مع مصر والسعودية والإمارات وشركاء آخرين في الشرق الأوسط لتحقيق الاستقرار في السودان.
كما كشف كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشئون العربية والإفريقية “مسعد بولس” أن الرئيس “ترامب” دخل شخصيًا على خط الأزمة، مشيرًا إلى أن إعلان الرئيس الأمريكي كان له وقع دولي كبير وأنه أصبح يتابع الملف بشكل يومي، كما أن الرئيس كلفه بالتوجه إلى المنطقة لعقد اجتماعات مع شركاء الرباعية وفاعلين إقليميين آخرين من بينهم قطر وتركيا للوصول إلى حل عاجل، وتعمل الولايات المتحدة على مقترح جديد يقوم على ثلاثة محاور رئيسة (الوضع الإنساني عبر وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات ومعالجة أوضاع النازحين واللاجئين – الانتقال السياسي من خلال عملية تفاوض سودانية/سودانية تؤدي إلى حكم مدني بعيد عن الأطراف المتنازعة – إعادة الإعمار عبر خطة شاملة للمرحلة التي تلي انتهاء الحرب) كما شدد على وجود خطوط حمراء واضحة لدى الولايات المتحدة وشركائها تشمل تأثير النظام السابق، ودور جماعة الإخوان المسلمين، والتدخل الإيراني.
بالإضافة إلى ما سبق، وفي تحول بارز في السياسة الأمريكية تجاه جماعة الإخوان، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 24 نوفمبر أمرًا تنفيذيًا على يقدم كلٍ من وزير الخارجية ووزير الخزانة خلال ثلاثين يومًا تقريرًا مشتركًا حول تصنيف هذه الفروع – وإن لم تتضمن الحالة السودانية – كمنظمات إرهابية أجنبية.
مسارات محتملة:
يُشير مجمل ما سبق إلى دخول السودان مرحلة أكثر تعقيدًا منذ اندلاع الحرب، مع تداخل عميق بين مسارات الصراع الداخلي والتحركات الإقليمية والدولية المتسارعة، فالتطورات الأخيرة من سقوط الفاشر، وتصاعد العمليات العسكرية في كردفان، إلى مبادرات الهدنة المتعثرة، ودخول إدارة “ترامب” على خط الأزمة، ويضيف ذلك طبقة جديدة من عدم اليقين، ويجعل المستقبل مفتوحًا على عدة مسارات محتملة، منها الآتي:
المسار الأول: تكثيف الضغوط الأمريكية والإقليمية على طرفي الصراع لفرض هدنة ووقف إطلاق لمدة محددة يتبعها مسار سياسي لحل الأزمة، وهو سيناريو مُرجح في الفترة القادمة قد تتجاوب معه القوات المسلحة السودانية عقب تحقيق تقدم مرضي في إقليم كردفان.
المسار الثاني: رفض الحكومة السودانية لأي هدنة مقترحة لا تحقق أهدافها وشروطها المعلنة سابقًا (سحب الدعم السريع قواتها من المناطق التي احتلتها مؤخرًا، كما طالبت بتجميع قوات الدعم السريع في مناطق محددة) الأمر الذي قد يؤدي إلى مواقف متباينة مع الولايات المتحدة خاصة حال تبني الرئيس الأمريكي مبادرة للهدنة، وهو سيناريو محتمل حدوثه، وقد يؤدى أيضًا إلى تصاعد توتر الأوضاع بالسودان وإطالة أمد الصراع.
المسار الثالث: موافقة الحكومة السودانية الفوري على وقف إطلاق النار والهدنة المقترحة (دون أي شروط مسبقة)، وهو سيناريو محدود ارتباطًا بالتداعيات المنتظرة لهذه الموافقة على تحسين وضعية الدعم السريع (التقاط قواته الأنفاس وإعادة ترتيب أوضاعها عقب الخسائر التي لحقت بها في عمليات كردفان)، وكذلك التأثير السلبي على دور المؤسسة العسكرية السودانية في مستقبل الأوضاع بالسودان.
ختامًا، يبدو أن السودان يقف عند مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع حسابات الأطراف الداخلية مع ضغوط الفاعلين الإقليميين والدوليين، ما يجعل أي مسار من المسارات المطروحة مرهونًا بميزان القوة المتغير على الأرض وبالقدرة على فرض مقاربة سياسية تستوعب تناقضات المرحلة، وبينما تحاول القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إعادة تشكيل المشهد بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار ويمنع انزلاق البلاد نحو تفكك كامل، فإن ديناميات الصراع الداخلي خاصًا – في كردفان ودارفور – ستظل العامل الحاسم في تحديد تطور الأحداث في المستقبل. وفي ظل هذا التعقيد، يبقى أهم ما يمكن مراقبته في مدى المنظور هو مدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات عملية، ومدى قدرة الضغوط الخارجية على تحويل نقاط الخلاف إلى فرصة قابلة للتفاوض، قبل أن تتدحرج الأزمة إلى مرحلة يصعب التحكم في عواقبها الداخلية بالسودان وعلى المستوى الإقليمي.

