صراع مستمر: المعادن النادرة بين الهيمنة الصينية وتحالف “باكس سيليكا”

23/12/2025

تصاعد السباق العالمي لتأمين سلاسل توريد المعادن النادرة خلال الآونة الأخيرة، ارتباطًا بتزايد الأهمية الاستراتيجية لهذه المعادن باعتبارها مدخلًا أساسيًا للصناعات المستقبلية. ويتزامن ذلك مع تزايد التنافس الجيوسياسي والتكنولوجي بين القوى الكبرى، ففي الوقت الذي تسعى فيه الصين إلى تعزيز نفوذها وإحكام سيطرتها على مختلف حلقات سلاسل التوريد العالمية، من الاستخراج إلى المعالجة والتصنيع، تعمل الولايات المتحدة على مواجهة هذا النفوذ عبر حزمة من التحركات، والتي يأتي في مقدمتها تشكيل تحالف “باكس سيليكا” بالتعاون مع 8 دول من قارات مختلفة[1]، بهدف بناء سلاسل توريد أكثر تنوعًا وأمانًا واستقرارًا، وضمان إمدادات موثوقة من المعادن النادرة.

سياق تنافسي:

لا يمكن فصل إطلاق تحالف “باكس سيليكا” عن السياق الأوسع للتنافس العالمي على تأمين الموارد الحيوية للصناعات المستقبلية، ويمكن تحليل هذا التوجه استنادًا إلى المحاور التالية:

ارتفاع الطلب على المعادن: تشهد المعادن النادرة والحيوية تصاعدًا ملحوظًا في مستويات الطلب العالمي، في ظل انتقال طبيعة التنافس الجيوسياسي والجيواقتصادي من الصراع على مصادر الطاقة التقليدية، مثل النفط والغاز الطبيعي، إلى تنافس يتمحور حول التحكم في المعادن النادرة بوصفها مدخلًا رئيسيًا للصناعات المستقبلية، كصناعة الإلكترونيات، والسيارات الكهربائية، وتقنيات الطاقة المتجددة، والبطاريات، إلى جانب المعدات والنظم العسكرية المتقدمة، وفي هذا السياق، يُعد التنافس على المعادن النادرة جزءًا من صراع عالمي أوسع على الريادة التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية، خاصةً مع تنامي إدراك القوى الغربية للمخاطر المترتبة على هيمنة الصين على خريطة إمدادات المعادن الأرضية النادرة، وهشاشة سلاسل الإمداد العالمية إزاء الاضطرابات الجيوسياسية والتجارية.

خطوات مضادة مستمرة: لا يُعد إطلاق هذا التحالف الإجراء الأول الذي اتخذته الولايات المتحدة لتأمين سلاسل توريد المعادن النادرة؛ إذ سبقته مجموعة من التحركات الاستراتيجية، شملت تعزيز الإنتاج المحلي عبر التوسع في فتح مناجم جديدة، وتطوير تقنيات التعدين، ودعم الابتكار في أساليب استخراج الموارد، إلى جانب وضع مستهدفات لتوجيه استثمارات كبيرة نحو قطاع المعادن في عدد من دول آسيا الوسطى وأفريقيا، في إطار مساعيها لموازنة النفوذ الصيني المتنامي في تلك المناطق.

• الإعلان عن تحالف صيني موازٍ: يأتي إطلاق تحالف “باكس سيليكا” في أعقاب دعوة رئيس مجلس الدولة الصيني، “لي تشيانغ”، خلال قمة قادة مجموعة العشرين التي عُقدت في جنوب أفريقيا في نوفمبر 2025، إلى إنشاء تحالف دولي يضم الدول النامية بهدف تطوير واستغلال المعادن النادرة، وقد طُرحت هذه الدعوة في إطار ما أطلق عليه “مبادرة التعاون الاقتصادي والتجاري الدولي بشأن المعادن الخضراء”، والتي تسعى الصين من خلالها إلى تعزيز التعاون مع الدول النامية في مجالات الاستخراج والمعالجة، بما يعكس مساعيها لترسيخ دورها المحوري في سلاسل القيمة العالمية للمعادن الحيوية[2].

مُحركات دافعة:

جاء إطلاق تحالف “باكس سيليكا” لتحقيق عدد من الأهداف، التي يُمكن استعراضها على النحو التالي:

تنويع سلاسل توريد المعادن النادرة: تسعى الولايات المتحدة إلى إيجاد مسار موازٍ للحد من هيمنة الصين على سلاسل توريد التكنولوجيا والمعادن الحيوية؛ فالصين لا تسيطر فقط على “جغرافية الاحتياطات”، بل هي اللاعب المهيمن على الصناعة، مستحوذة على أكثر من 60% من الإمدادات العالمية للمعادن الأرضية النادرة و90% من عمليات التكرير والمعالجة[3]، وقد مكّنها ذلك من استخدام هذه المعادن كأداة ضغط سياسي واقتصادي، من خلال تقييد الصادرات أو التحكم بالأسعار، مما أثار القلق في العديد من الدول الكبرى وأدى إلى البحث عن سياسات واستراتيجيات مضادة للهيمنة الصينية.

• الاستفادة من الثقل الاستراتيجي للدول الأعضاء: لم يكن اختيار الولايات المتحدة للدول الأعضاء في تحالف “باكس سيليكا” اختيارًا عشوائيًا بل جاء استنادًا إلى ثقلها الاستراتيجي في سلاسل قيمة المعادن النادرة، ودورها المحوري في القطاعات التكنولوجية المتقدمة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث تقود اليابان وكوريا الجنوبية مبادرات بحثية في خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتصنيع الرقائق وأشباه الموصلات، بينما تعتبر سنغافورة قوة تكنولوجية تعتمد على الابتكار، وتنسق هولندا البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتبادل البيانات عبر الحدود، كما تمتلك إحدى الشركات الرائدة في صناعة الرقائق ” ASML”، فيما تتمتع الإمارات بوفرة التمويل، والاستثمار في التطبيقات الصناعية القائمة على الذكاء الاصطناعي، وفي المقابل تعتبر أستراليا من بين قائمة أكبر 10 دول تمتلك احتياطي للمعادن النادرة.

توزيع احتياطي المعادن النادرة حول العالم (مليون طن)

Source: United States Geological Survey, Mineral Commodity Summaries 2025.

توحيد ضوابط التصدير: يسعى تحالف “باكس سيليكا” إلى إنشاء إطار موحد للبحث والتطوير، وإدارة اللوجستيات الخاصة بالمعادن النادرة، وتوحيد ضوابط التصدير، ومعالجة ممارسات الإغراق التجاري، بهدف تقليل الاعتماد على الصين وضمان تأمين الموارد الحيوية لعصر الذكاء الاصطناعي. ويعكس هذا التحالف تحولًا في مفهوم الأمن الاقتصادي، ليشمل الأمن التقني والقدرة على التحكم في الموارد والمكونات الأساسية للذكاء الاصطناعي[4].

تحديات بنيوية:

على الرغم من وضوح أهداف التحالف، فإنه يواجه عددًا من التحديات البنيوية التي قد تعوق تحقيقه لكامل مستهدفاته، في مقدمتها استمرار اعتماد العديد من الدول الأعضاء على الصين في إمدادات المعادن، أو عمليات تعدينها ومعالجتها، ووفقًا لتقرير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية لعام 2025، تُزوّد الصين الولايات المتحدة بأكثر من 50% من احتياجاتها من 21 معدنًا حيويًا، بما يعكس عمق التشابك القائم في سلاسل التوريد، كما لا تزال كوريا الجنوبية تعتمد على الصين في استيراد العناصر الأرضية النادرة بنسبة تقارب 80%، في حين تتراوح درجة اعتماد اليابان على الصين بين 60% و70%، ويشير هذا المستوى المرتفع من الاعتماد إلى صعوبة تحقيق فك ارتباط سريع أو كامل عن الصين، ويطرح تحديات عملية أمام قدرة التحالف على بناء سلاسل توريد بديلة ومستقلة في الأجلين القصير والمتوسط[5].

كما يواجه التحالف تحديات أخرى تتعلق بتنسيق السياسات بين الدول الأعضاء، لا سيما في ظل تباين الأطر التنظيمية واختلاف الأولويات الاقتصادية والاستراتيجية لكل دولة. يُضاف إلى ذلك تفاوت القدرات التكنولوجية ومستويات التطور الصناعي بين الدول المشاركة، وهو ما قد يحد من فاعلية التكامل المنشود داخل التحالف، وقد يؤدي هذا التفاوت إلى نشوء أنماط جديدة من التبعية داخل التحالف ذاته، بحيث تتركز المراحل الأعلى قيمة في سلاسل القيمة لدى دول بعينها، الأمر الذي قد يؤدي إلى استفادة بعض الدول من التحالف بدرجة أكبر مقارنة بغيرها.

وتشهد بعض الدول الأعضاء في التحالف قدرًا ملحوظًا من التنافس فيما بينها على استقطاب الاستثمارات التكنولوجية المتقدمة، لا سيما في مجال إنشاء مصانع أشباه الموصلات والإلكترونيات المتقدمة، ويُعدّ التنافس الكوري – الياباني المثال الأبرز على ذلك؛ إذ تسعى كل منهما إلى ترسيخ موقعها في الصناعات عالية التقنية، وهو ما انعكس في تصاعد التوترات التجارية بين الجانبين في أكثر من مناسبة، أبرزها: أزمة عام 2019، حين قضت المحكمة العليا الكورية بإلزام شركات يابانية بتعويض ضحايا العمل القسري خلال فترة الاحتلال الياباني لكوريا الجنوبية، الأمر الذي دفع اليابان إلى فرض قيود على صادرات مواد أساسية تدخل في صناعة أشباه الموصلات إلى كوريا الجنوبية، وإزالة كوريا الجنوبية من قائمتها البيضاء للشركاء التجاريين الموثوق بهم، وردًا على ذلك، اتخذت كوريا الجنوبية إجراءات مماثلة تتعلق بالرقابة على الصادرات، وقدمت شكاوى إلى منظمة التجارة العالمية، بالتوازي مع تصاعد حملات المقاطعة الشعبية للمنتجات اليابانية[6].

مجمل القول، يعكس التنافس المتصاعد على المعادن النادرة تحوّلًا جوهريًا في طبيعة الصراع الدولي، حيث باتت السيطرة على الموارد الحيوية للصناعات المتقدمة محددًا رئيسًا لموازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية، ويمثل تحالف “باكس سيليكا” محاولة أمريكية لإعادة تشكيل سلاسل توريد المعادن النادرة وتقليص الاعتماد المفرط على الصين، عبر بناء شبكة من الشراكات تجمع بين الثقل التكنولوجي والقدرات التمويلية ووفرة الموارد الطبيعية، غير أن قدرة هذا التحالف على تحقيق أهدافه تظل مرهونة بجملة من العوامل، أبرزها عمق التشابك القائم مع الصين، وتفاوت مصالح وقدرات الدول الأعضاء، فضلًا عن احتمالات تصاعد التنافس البيني داخل التحالف ذاته، وعليه، فإن نجاح التحالف لا يتوقف فقط على توفير بدائل مادية للإمدادات الصينية، بل يتطلب أيضًا تنسيقًا سياسيًا وتنظيميًا فعالًا، واستثمارات طويلة الأجل في البحث والتطوير والتصنيع المحلي.


[1] يضم إلى جانب الولايات المتحدة كل من: اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وهولندا والمملكة المتحدة وإسرائيل والإمارات وأستراليا.

[2] “«فاينانشيال تايمز»: الصين تدعو لإنشاء تحالف دولي للمعادن النادرة بين الدول النامية”، الأهرام. 26 نوفمبر 2025. مُتاح على https://gate.ahram.org.eg/News/5341099.aspx

[3] “الصين تمنح الشركات الأوروبية تراخيص أكثر مرونة للمعادن النادرة”، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. مُتاح على https://www.ecssr.ae/ar/research-products/news-brief/2/204292

[4] “Pax Silica Summit”, US Department of State. 11 December 2025. Available at https://www.state.gov/releases/office-of-the-spokesperson/2025/12/pax-silica-initiative.

[5]. Diana Roy, “The U.S. Critical Minerals Dilemma: What to Know”, Council on Foreign Relations. 30 July 2025. Available at https://www.cfr.org/article/us-critical-minerals-dilemma-what-know

[6] Lee Gyu-lee, “Korea-Japan economic relations: 80 years of competition, evolving partnership”, The Korea Times. 11 August 2025. Available at https://tinyurl.com/uk5nvz5u

4555
المناطق الاقتصادية الحدودية وتسوية الصراعات بين دول الجوار
1234
النفط الفنزويلي وتعزيز النفوذ الأمريكي في أسواق الطاقة العالمية
121212
مقاربة اقتصادية: استراتيجية الأمن القومي الأمريكية 2025
CBAM
ضغوط متزايدة: تأثير تطبيق "آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية" على دول الشرق الأوسط
Scroll to Top