شهدت أسواق الطاقة العالمية تطورات جديدة عقب الضربة التي شنتها الولايات المتحدة ضد فنزويلا، واعتقال رئيسها “نيكولاس مادورو”، وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عن مساعٍ لإعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي وإعادة دمجه تدريجيًا في السوق العالمية، بما يمهد الطريق أمام زيادة المعروض النفطي خلال الفترة المقبلة. يأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه سوق الطاقة العالمي بالفعل وفرة نسبية في الإمدادات، مدعومة بتوسع الإنتاج من تحالف “أوبك+”، ومن خارجه، واستمرار الضغوط على جانب الطلب.
قدرات متدهورة:
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، ما يمنحها من حيث الإمكانات النظرية قدرة كبيرة على لعب دور محوري في أسواق الطاقة العالمية، غير أن هذه الوفرة الاحتياطية لم تُترجم إلى أداء إنتاجي فعّال، إذ شهد إنتاج النفط الفنزويلي تراجعًا مستمرًا منذ منتصف العقد الماضي، ويُبين الشكل التالي تطور إنتاج فنزويلا من النفط:
الشكل رقم (1): إنتاج فنزويلا من النفط الخام (مليون برميل يوميًا)

Source: OPEC Database.
يوضح الشكل السابق أن الإنتاج قد بلغ أدنى مستوياته في عام 2020، في ظل تشديد العقوبات الأمريكية التي قيدت قدرة الدولة على تصدير النفط والحصول على التمويل والتكنولوجيا اللازمة للصيانة والتطوير، فضلًا عن الآثار السلبية لجائحة “كوفيد-19” التي أدت إلى انكماش الطلب العالمي على الطاقة، ما فاقم الضغوط على الاقتصاد الفنزويلي وعمّق أزمة قطاع النفط[1]، وبشكل عام تراجع إنتاج النفط الفنزويلي نتيجة تراكم اختلالات هيكلية في قطاع الطاقة، شملت تدهور البنية التحتية، ونقص الاستثمارات، وهجرة الكفاءات الفنية.
وبالنظر لقدرات فنزويلا في قطاع النفط، فيما يتعلق بالقدرة الإنتاجية والبنية التحتية، والتي أثرت عليها العقوبات الأمريكية، فلم يتم تحديث شبكات وخطوط الأنابيب الخاصة بشركة “بي دي في إس إيه” (PDVSA) منذ ما يقرب من خمسين عامًا، وهو ما يعكس حجم التدهور في البنية التحتية لقطاع النفط، ويُفسّر جانبًا من القيود الفنية التي تحد من قدرة فنزويلا على رفع الإنتاج أو تحسين كفاءة النقل والتصدير، كما تعاني موانئ تصدير النفط الفنزويلية من تدهور ملحوظ في المعدات والبنية التشغيلية، الأمر الذي أدى إلى إطالة مدة تحميل ناقلات النفط العملاقة المتجهة إلى الصين لتصل إلى نحو خمسة أيام، مقارنة بيوم واحد فقط قبل سبع سنوات، أما مجمّع التكرير الضخم في باراغوانا، الواقع على الساحل شمال غربي كراكاس، فيعمل بصورة متقطعة وبمعدلات تشغيل منخفضة، نتيجة الأعطال الفنية المتكررة التي تعكس تدهور حالته التشغيلية.
مُخطط أمريكي:
يتيح إحكام النفوذ على قطاع النفط الفنزويلي للولايات المتحدة هامشًا واسعًا للتأثير غير المباشر في استقرار أسعار النفط العالمية على المدى المتوسط، وتعزيز أمنها الطاقي، فضلًا عن الحد من قدرة المنتجين المنافسين على توظيف النفط كأداة للضغط الجيوسياسي أو لرفع الأسعار العالمية، وفي هذا السياق، تنطلق الاستراتيجية الأمريكية تجاه فنزويلا من السعي إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، من أبرزها:
• استغلال الخام الفنزويلي الثقيل: تسعى واشنطن إلى بلورة منظومة شبه مكتفية ذاتيًا لإنتاج وتكرير النفط ضمن نطاق جغرافي واحد يتمثل في منطقة الأمريكيتين، بما يسهم في خفض الاعتماد على واردات الطاقة من خارج الإقليم وتقليص التعرض للمخاطر الجيوسياسية العالمية، إلى جانب توفير مخزون آمن ومستقر وقريب جغرافيًا من الأراضي الأمريكية، ويتحقق ذلك عبر قيام الشركات الأمريكية بتصدير مادة “النافثا” – بوصفها أحد نواتج تكرير النفط الخفيف – إلى فنزويلا لاستخدامها في تخفيف النفط الثقيل، قبل إعادة شحن الخام المخلوط لمسافات قصيرة نسبيًا إلى المصافي الأمريكية، التي صُممت تاريخيًا لمعالجة النفط الفنزويلي، وفي هذه المصافي، تُفصل النافثا مجددًا ويُعاد تكرير النفط الثقيل لإنتاج المشتقات البترولية الرئيسية، وعلى رأسها البنزين والديزل.
• الإبقاء على أسعار النفط عند مستويات منخفضة: يستهدف “ترامب” زيادة المعروض النفطي وخفض أسعار النفط إلى مستوى يُقارب 50 دولار للبرميل، وتتماشى هذه المستهدفات مع سياساته منذ توليه الفترة الرئاسية الثانية حيث يعتبر أن النفط الرخيص يمثل أداة استراتيجية لتعزيز القوة الاقتصادية للولايات المتحدة، حيث يرى “ترامب” أن خفض أسعار الوقود سيخفف الأعباء المالية عن الأسر الأمريكية ويعزز القدرة الشرائية للمستهلكين، كما سيدعم تنافسية الصناعات المحلية ويحد من تكاليف الإنتاج، مما يسهم في تحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل إضافية.
• محاصرة النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية: تسعى إدارة “ترامب” إلى الحد من توسع العلاقات التجارية والاستثمارية بين الصين ودول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، في إطار استراتيجية تهدف إلى تطويق النفوذ الصيني فيما يُعرف بالحديقة الخلفية للولايات المتحدة، خاصة وإن الصين قد أصبحت الشريك التجاري الأول لأمريكا اللاتينية والكاريبي، باستثناء المكسيك، بحجم تبادل تجاري يبلغ 515 مليار دولار بنهاية عام 2024 مقارنة بنحو 12 مليار دولار في عام 2000، إلى جانب ذلك، تستحوذ أمريكا اللاتينية على نحو 18% من الاستثمارات الصينية الخارجية، بقيمة تقارب 568 مليار دولار، ما يعكس اتساع الدور الاقتصادي الصيني في المنطقة[2].
ومن شأن سيطرة الولايات المتحدة على قطاع النفط الفنزويلي أن تحرم الصين من المزايا التفضيلية التي كانت تمنحها لها فنزويلا، حيث تُعدّ الصين أكبر مشتري للنفط الفنزويلي منذ عام 2020، وبلغ متوسط صادرات فنزويلا من النفط الخام إلى الصين حوالي 395 ألف برميل يوميًا في عام 2025، ما يمثل نحو 4% من واردات الصين من النفط الخام المنقول بحرًا، وفق بيانات شركة كيبلر، كما تستفيد الصين من الميزة السعرية التي تحصل عليها مقابل شراء النفط الفنزويلي بسعر منخفض[3]، ويبين الشكل التالي خريطة صادرات النفط الخام الفنزويلي:
الشكل رقم (2): توزيع صادرات النفط الفنزويلي وفقًا للدولة (مليون برميل) – عام 2023

Source: US Energy Information Administration.
وبهذا، ستتمكن الولايات المتحدة من استخدام الإمدادات الفنزويلية كورقة ضغط على الصين، في مواجهة إمدادات المعادن النادرة التي تتحكم الصين فيها بصورة شبه كاملة، والتي مثلت أهم الأدوات الصينية وأكثرها فعالية في النزاع التجاري القائم مع الولايات المتحدة.
ارتدادات ممتدة:
يمكن تقييم انعكاسات أزمة فنزويلا على أسواق النفط العالمية أجلين زمنيين رئيسين، يتمثلان في الأجل القصير والأجل الطويل، وذلك على النحو الآتي:
• الأجل القصير: جاءت استجابة أسواق النفط العالمية لأزمة فنزويلا محدودة نسبيًا، حيث تذبذبت أسعار النفط ما بين الصعود والهبوط، وذلك على عكس ما اعتادت عليه الأسواق في حالات الأزمات الجيوسياسية الحادة التي غالبًا ما تُترجم سريعًا إلى ارتفاعات فورية في أسعار النفط نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات، ويُعزى هذا التفاعل المحدود إلى حالة الترقب وعدم اليقين التي تهيمن على الأسواق في ظل تقييم السيناريوهات التي تواجه أسواق النفط وتقييم مدى واقعية وقدرة الولايات المتحدة على إعادة دمج النفط الفنزويلي تدريجيًا في الأسواق العالمية.
إلى جانب ذلك، تُسهم وفرة المعروض النفطي العالمي، الناتجة عن استمرار مستويات إنتاج مرتفعة لدى كبار المنتجين في تقليص حساسية الأسواق تجاه أي تطورات جيوسياسية، كما أن الانخفاض النسبي في مساهمة الصادرات الفنزويلية ضمن إجمالي الصادرات النفطية العالمية يقلل من قدرة فنزويلا على التأثير في توازنات السوق أو إحداث اضطرابات سعرية ملموسة، ويُضاف إلى ذلك استمرار الشكوك المتعلقة بالقدرات الفنية والإنتاجية لفنزويلا على زيادة إنتاجها في الأجل القصير، في الحد من قوة الاستجابة السعرية للأسواق النفطية.
عطفًا على ذلك، لا تزال بعض الشركات الأمريكية، وعلى رأسها “إكسون موبيل”، متحفظة حيال ضخ استثمارات ضخمة في دولة تُدار من قبل حكومة مؤقتة مدعومة من الولايات المتحدة، وفي ظل غياب إطار مؤسسي مستقر وقواعد قانونية ومالية وأمنية راسخة تضمن حماية الاستثمارات واستدامتها، كما تتردد هذه الشركات في الاستثمار في فنزويلا بسبب التقديرات التي تشير إلى أن إعادة تأهيل قطاع النفط تتطلب نحو 100 مليار دولار، إضافةً إلى مخاوفها من أن يؤدي ضخ كميات كبيرة من النفط الفنزويلي إلى إغراق الأسواق وخفض الأسعار إلى مستويات قد تؤثر على مستوى أرباحها[4].
• الأجل الطويل: رغم التعقيدات الهيكلية والفنية التي تعترض مسار إعادة تأهيل قطاع النفط الفنزويلي، لاسيما ما يرتبط بتدهور البنية التحتية ونقص الاستثمارات والتكنولوجيا، فإن نجاح “ترامب” في دفع هذا المسار إلى الأمام قد يترتب عليه تداعيات ملحوظة على أسواق الطاقة العالمية؛ إذ من شأن عودة الإمدادات الفنزويلية تدريجيًا إلى الأسواق أن تسهم في زيادة المعروض النفطي، بما يدفع نحو ضغوط هبوطية على أسعار النفط، لا سيما في سوق الخامات الثقيلة.
ختامًا، تعكس التحركات الأمريكية تجاه فنزويلا محاولة لإعادة توظيف النفط كأداة جيوسياسية واقتصادية في آن واحد، ورغم أن القيود الهيكلية والفنية لا تزال تحد من قدرة فنزويلا على استعادة دورها النفطي بالكامل في الأجل القصير، فإن أي نجاح تدريجي في إعادة تأهيل القطاع قد يحمل آثارًا ممتدة على توازنات العرض والطلب، وعلى ديناميكيات أسعار النفط على المستوى العالمي.
[1] Graeme Bruce, “6 charts that tell the story of Venezuela’s struggling oil economy”, CBC News, 7 January 2026, Available at https://www.cbc.ca/news/world/charts-venezuela-oil-economy-9.7036544
[2] ” فنزويلا في قلب التدافع الجيوسياسي بين واشنطن وبكين”، سكاي نيوز، 9 يناير 2026، مُتاح على https://tinyurl.com/bdzdxse3.
[3] أحمد جمال أحمد، ” تدخل ترامب في فنزويلا يربك الصين.. النفط الرخيص في مرمى الضغط الأمريكي”، العين الإخبارية، 10 يناير 2026، مُتاح على https://tinyurl.com/5bxkmkwj
[4] ” خطة ترامب لإحياء نفط فنزويلا.. رهان صعب قيمته 100 مليار دولار”، اقتصاد الشرق، 5 يناير 2026، مُتاح على https://tinyurl.com/yc82ez86

