تشهد العديد من الصراعات الحالية محاولات لتسويتها عبر عدد من المقترحات، من ضمنها إقامة منطقة اقتصادية على الحدود بين الدول المتصارعة، في إطار التركيز على تعزيز التعاون الاقتصادي لإيجاد مصالح مشتركة تضمن تثبيت السلام بين الدول المعنية، ما يؤدي إلى الاستقرار، وتعزيز العلاقات السلمية عبر التجارة والاستثمار، بهدف أن تصبح الدول شركاءً بدلًا من أعداء، وهو ما يطرح تساؤل حول جدوى تلك الآلية في خلق مناخ ملائم لطرفي الصراع.
ركائز للسلام:
تزايد الحديث خلال الفترة الماضية عن الخسائر التي لحقت بالدول التي دخلت في صراع، وحاجتها لوقف الحرب وإعادة إعمار المناطق المتضررة، مع ربط ذلك الأمر بضرورة وجود نوع من أنواع التعاون بين الدول المتصارعة لتعزيز المصالح المشتركة في إطار خفض التوترات البينية وكبديل عن الحرب، وفي هذا السياق تم اقتراح إقامة مناطق اقتصادية على الحدود بين تلك الدول، تكون منزوعة السلاح.
تعتبر المنطقة الاقتصادية منطقة جغرافية يتم تحديدها داخل الدولة، تخضع الشركات العاملة بها لقوانين مختلفة عن باقي القوانين المطبقة على مختلف الشركات داخل الدولة، بحيث تكون أكثر تحررًا بما يدعم أنشطتها، وهناك العديد من أنواع تلك المناطق، مثل مناطق مخصصة لقطاعات محددة (منطقة صناعية على سبيل المثال)، ومناطق تجارة حرة.
وقد تم اقتراح إقامة مناطق اقتصادية كركيزة مبدئية لتسوية الصراع بين دول الجوار، وذلك على النحو التالي:
· الصراع الروسي/ الأوكراني: كشف الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” أن الولايات المتحدة الأمريكية، في مقاربتها لإنهاء الصراع بين بلاده وروسيا، اقترحت إنشاء “منطقة اقتصادية حرة” في “دونيتسك” (شرق أوكرانيا)، وأضاف أنه من غير المعروف من سيحكم هذه المنطقة، ويتوجب لتحقيق ذلك عدم وجود أي قوات روسية أو أوكرانية بتلك المنطقة، وفي تصريحات لاحقة له، أكد على استعداده لسحب القوات من منطقة دونباس إذا سحبت روسيا قواتها أيضًا، وإذا تحوّلت المنطقة إلى منطقة اقتصادية حرة منزوعة السلاح تخضع لرقابة قوات دولية.
· الصراع اللبناني / الإسرائيلي: أشارت مصادر إلى جولتي التفاوض المباشرة بين البلدين، التي اجتمع فيها السفير اللبناني السابق “سيمون كرم” بمسئولين إسرائيليين، أسفرت عن طرح إسرائيل إقامة منطقة اقتصادية في جنوب لبنان، شريطة أن تكون خالية من حزب الله ومن أي سلاح، كجزء من الجهود الدبلوماسية المستمرة لخفض التوترات ومنع تجدد الاشتباكات مع الحزب. وقد أفادت مصادر بأن الرئيس “دونالد ترامب” يدفع نحو إقامة تلك المنطقة تأسيسًا لتعاون ممتد بين البلدين بدلًا من الصراع المستمر من عدة عقود، وأوضحت المصادر شكل تلك المنطقة وآلية عملها بشكل مقتضب، بأن تضم مصانع تديرها الدولة اللبنانية، منفصلة عن المستوطنات الإسرائيلية على الجانب الآخر من الحدود، هذا ويُؤخذ في الاعتبار أن تلك المنطقة كان قد تم اقتراحها قبل عقد جولة المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان[1].
يتضح من المقترحين السابقين، أن الإدارة الأمريكية ترى أن المنطقة الاقتصادية منزوعة السلاح هي محور مهم في تسوية الصراع، عبر فصل القوات المتحاربة، وأن ينطلق من خلالها التعاون الاقتصادي بين البلدان المتصارعة، ويأتي ذلك ليعكس فكر وتوجهات الرئيس ترامب لاستخدامه الاقتصاد كأداة رئيسية لتحقيق أهداف سياسية، سواء للضغط على خصومه أو إحلال السلام في الصراعات التي يسعى لتسويتها.
ولكن في المقابل، نفى وزير المالية اللبناني “ياسين جابر” أي خطط لتحويل منطقة الجنوب المتضررة في لبنان إلى منطقة اقتصادية، وذلك على هامش اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) في يناير 2026.
يُذكر أن إقامة منطقة اقتصادية لم يتم طرحه في تسوية الصراع الحالي بين إسرائيل وسوريا، أو في مناطق بقطاع غزة متاخمة للحدود الإسرائيلية، بل ما يتم تداوله إسرائيليًا هو إقامة مناطق منزوعة السلاح في سوريا لضمان أمن مواطني إسرائيل، بينما تعتبر ما يسمى “الخط الأصفر” الذي يقسم قطاع غزة إلى نصفين، خط دفاعي متقدم وخط للنشاط العملياتي (وفق رئيس أركان الجيش الإسرائيلي “إيال زامير”)، وبما يعكس أنه لن يكون هناك أي مجال لتعاون اقتصادي مستقبلًا بين إسرائيل وكل من سوريا وقطاع غزة.
يُرى أن تل ابيب تنظر لسوريا على أنها منافس مستقبلي لها في العديد من المجالات الاقتصادية بمنطقة المشرق العربي، نظرًا للثروات التي تمتلكها، والقوة البشرية الكبيرة مقارنة بإسرائيل، مع إمكانية استغلال موقعها الجغرافي للربط بين منطقة الخليج العربي وأوروبا، وكذا بين الشرق والغرب، فقد تكون سوريا بديلًا لإسرائيل على ممر IMEC.
وفي هذا السياق لن يكون من مصلحة إسرائيل السماح بإقامة منطقة اقتصادية سورية على حدودها، حيث أن عدم استقرار سوريا، سواء اقتصاديًا او سياسيًا، يعتبر هدفًا لصانع القرار الإسرائيلي، ونفس الأمر في قطاع غزة الذي تسعى الحكومة الحالية لتهجير سكانه وليس إقامة منطقة اقتصادية توفر لهم سبل العيش.
تحديات قائمة:
بالرغم من الطرح الجاري تداوله حاليًا بشأن إمكانية أن يدعم التعاون الاقتصادي التسوية والتوصل لسلام مستدام بين الأطراف المتحاربة، عبر إقامة مناطق اقتصادية حدودية، فإنه تظل هناك خلافات جوهرية بين الدول يجب تسويتها أولًا، ومن ثم يمكن الحديث عن تعاون اقتصادي أو مناطق اقتصادية منزوعة السلاح على الحدود.
كما قد تظهر أسئلة محورية حول ممولي إقامة تلك المناطق الاقتصادية وأهدافهم، وأوجه الاستفادة من ضخهم تمويلًا وتحملهم مخاطرًا في منطقة قد تشتعل فيها الحرب مرة أخرى. وهل ستكون المنطقة اقتصادية مشتركة داخل حدود البلدين أم منطقة في كل دولة داخل حدودها، وإمكانية التعاون بينهما. وهل سيتم ذلك من خلال القطاع الخاص أم العام، وحدود الحضور الدولي للرقابة والإشراف على تلك المنطقة.
وبشأن تسوية الصراعات الحالية، فهي تستلزم بيئة أمنية جديدة، وديناميكيات اقتصادية تُسهم فيها، حيث يستلزم أن يكون هناك تعاون مستدام لضمان تشابك المصالح الاقتصادية بين الدول المتصارعة، وليس عبر منطقة اقتصادية ذات نطاق وتخصص محدد، إلا إذا كان الهدف من المنطقة أن تكون ضمن مرحلة انتقالية نحو توسعة التعاون الاقتصادي، وليس بهدف عسكري فقط لوقف إطلاق النار.
يعتبر إقامة منطقة اقتصادية حلًا لخفض حدة الصراع، أي أنه حلًا وسطًا لصراع من الصعب إنهائه، كما أنه يمثل هروب إلى الأمام، في حالة عدم القدرة على تسوية الصراع الجوهري، ففي الحالة اللبنانية على سبيل المثال، ستستمر الحرب طالما توجد عناصر مدعومة من إيران بالقرب من الحدود الإسرائيلية، أو أي جماعات مسلحة رافضة للكيان الصهيوني كدولة جوار، وبالتالي إن إقامة منطقة اقتصادية لن يؤدي إلى وقف الاغتيالات والعمليات النوعية الإسرائيلية في الداخل اللبناني، ويؤكد على ذلك عدم التزام إسرائيل باتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان وقطاع غزة.
وعلى جانب أخر، قد تضغط إسرائيل لعدم قيام أي صناعة متطورة داخل لبنان، ليعكس ذلك استمرار التدخل الإسرائيلي في الشأن اللبناني، بهدف ضمان الهيمنة والتفوق الاقتصادي على دول جوارها، ويُرى أنه في حالة واحدة قد تسمح إسرائيل بتعزيز التعاون الاقتصادي مع دول جوارها مثل (لبنان وسوريا)، عبر خلق تبعية اقتصادية لها، لتصبح أداة حرب وضغط وليس أداة سلام، كما تستخدمها حاليًا مع الفلسطينيين، كما أن هناك مشكلة أكبر تتمثل في انعدام الثقة بين الأطراف المتحاربة، على أساس تجارب تاريخية بينهما، ولن تستطيع المنطقة الاقتصادية محو ذلك الأمر.
وبالنسبة للحرب الروسية/ الأوكرانية، فإن الصراع الحالي على الأراضي، والرغبة في السيطرة عليها لتصبح ضمن سيادة كل منهما، يجعل التوصل لتسوية لإنهاء الحرب من الصعوبة بمكان، حيث تشير تقديرات إلى ان روسيا تسيطر على مساحة نحو 114 الف كيلومتر مربع من الأراضي الأوكرانية على الحدود مع روسيا (نحو 19% من إجمالي مساحة أوكرانيا)، أي ان تلك المناطق تصبح محل نزاع، وحتى في حالة الحديث عن تحويلها لمناطق اقتصادية، فستثار تساؤلات حول من الذي سيسيطر عليها ويديرها، وهل ستقبل أساسًا أوكرانيا بتسوية تجعل لروسيا سيادة على جزء من أراضيها تحت مسمى منطقة اقتصادية، وكيف ستستفيد الدولتان من تلك المناطق الاقتصادية.
إن تحويل عملية السلام لصفقة اقتصادية، تتضمن مكاسب قد تكون مؤقتة لأطراف الصراع، لن يكون مقبولًا في ظل الوضع الحالي لبعض الصراعات، في ظل وجود قوة مهيمنة على الوضع، لن تقبل بإنصاف حلول حتى لو كانت ستجني منها أرباحًا اقتصادية، ولكن إن ضغوط المجتمع الدولي قد تدفع الدولة المهيمنة على قبول تلك المنطقة، مع ضمان حصولها على مكاسب أخرى في المقابل، سواء سياسية أو اقتصادية.
ختامًا، لا يمكن تصور أن مقترح إقامة منطقة اقتصادية هو حل جذري لإنهاء الصراع، أو أن تكون سببًا في إحداث تسوية تؤدي لسلام مستدام، ولكن المطلوب هو حل الخلافات الجوهرية بين طرفي الصراع أولًا، وتوفير ضمانات بعدم العودة لاستخدام القوة في حل النزاعات، ليأتي بعدها التعاون الاقتصادي في أي شكل، لدعم تثبيت تلك التسوية، ولكن فكرة إقامة منطقة اقتصادية لوقف إطلاق النار قد يكون مقبولًا في بعض الحالات، خاصة بين الدول التي أنهكتها الصراعات اقتصاديًا وبشريًا، لتبدأ بعدها مفاوضات لإنهاء الحرب بموازاة طرح أفكار لتعزيز المصالح الاقتصادية المشتركة.
[1] “Trump economic zone’ between Lebanon and Israel: What we know”, The National. 26 August 2025. Available at https://tinyurl.com/2n542p93

