قراءة استشرافية في مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي

11/02/2026

يشهد الاقتصاد الإسرائيلي خلال المرحلة الراهنة تحولات جوهرية فرضتها التطورات الجيوسياسية المتسارعة وتداعيات الحرب الممتدة في المنطقة، والتي انعكست بصورة مباشرة على هيكل الموازنة العامة، ومستويات الدين العام، حيث أدى تصاعد الاعتبارات الأمنية إلى إعادة توجيه الموارد العامة نحو الإنفاق الدفاعي، بما أفرز ضغوطًا متزايدة على القطاعات الاجتماعية والخدمية، وفي الوقت نفسه، تواجه إسرائيل تحديات متنامية تتعلق بارتفاع تكلفة المعيشة، وتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي، مقابل تعافٍ غير متوازن يتركز أساسًا في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، الأمر الذي ألقى بظلاله على الآفاق المستقبلية للاقتصاد الإسرائيلي.

الوضع الراهن:

يواجه الاقتصاد الإسرائيلي خلال عام 2026 عددًا من التحديات الناجمة عن الصراعات الإقليمية الممتدة، ومحاولات التعافي منها، ويُمكن استعراض الوضع الراهن للاقتصاد الإسرائيلي على النحو التالي:

أولوية الإنفاق الدفاعي على الإنفاق التنموي: تعكس موازنة الحكومة الإسرائيلية لعام 2026 بوضوح اختلال أولويات الإنفاق العام لصالح القطاع الدفاعي، إذ استحوذ بند الدفاع على النصيب الأكبر من الموازنة بنحو 112 مليار شيكل، في مقابل تخصيص 63 مليار شيكل فقط لقطاع الرعاية الصحية، فيما خصصت الحكومة نحو 887 مليون دولار للخدمات الدينية، إلى جانب 413 مليون شيكل لوزارة الداخلية، وقرابة 3.34 مليار شيكل لوزارة الخارجية، وهو ما يشير إلى استمرار تغليب الاعتبارات الأمنية والعسكرية على حساب القطاعات الخدمية والتنموية الأخرى، بما يعكس التوجهات الاستراتيجية للحكومة في ظل البيئة الإقليمية المتوترة[1].

ارتفاع تكلفة المعيشة: أظهرت دراسة صادرة عن منظمة “داف هاداش” غير الهادفة للربح، تفاقم الضغوط المعيشية داخل المجتمع الإسرائيلي، إذ يعجز ما يقرب من ثلث الأسر عن الوفاء بالنفقات الأساسية، في حين لا يتمكن نحو 40% من مواجهة أي نفقات طارئة غير متوقعة، كما يعاني قرابة 30% من الأسر من تأخر في سداد القروض والالتزامات المالية، بينما يواجه نحو خُمس مالكي الوحدات السكنية مخاطر حقيقية تتعلق بفقدان منازلهم، وهو ما يعكس اتساع رقعة الهشاشة الاقتصادية وتراجع قدرة شريحة واسعة من السكان على الصمود المالي، ومن المتوقع أن يُساهم ارتفاع تكلفة المعيشة في التأثير على اتجاهات الادخار والاستثمار[2].

• تراجع جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر: شهدت إسرائيل تراجعًا حادًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عقب اندلاع حرب غزة، متأثرة بحالة عدم اليقين الأمني والاقتصادي المصاحبة للصراع، وما نتج عنها من تآكل ثقة المستثمرين، حيث انخفضت من نحو 22.88 مليار دولار في عام 2022 إلى 16.14 مليار دولار في عام 2023، مسجلة تراجعًا سنويًا قدره 29.4%، ورغم تسجيل تحسن محدود لاحقًا وارتفاع الاستثمارات الأجنبية إلى نحو 16.81 مليار دولار في 2024، فإن هذا التعافي ظل جزئيًا ولم ينجح في إعادة التدفقات إلى مستويات ما قبل الحرب، بما يعكس استمرار تأثيرات الصراع والتوترات الجيوسياسية على مناخ الاستثمار وجاذبية الاقتصاد الإسرائيلي لرؤوس الأموال الأجنبية.

تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى إسرائيل (مليار دولار)

Source: UNCTAD, Foreign Direct Investments (FDI)

مخاطر خفض التصنيف الائتماني: يُسهم استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في تصاعد مخاطر خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل، إذ قررت وكالة “موديز” في فبراير 2026 الإبقاء على التصنيف الائتماني عند مستوى Baa1، بعدما خفضته في سبتمبر 2024 من A2 إلى Baa1، وفي الوقت ذاته، رفعت الوكالة النظرة المستقبلية للتصنيف من سلبية إلى مستقرة، في إشارة إلى تحسن نسبي في بعض المؤشرات الاقتصادية، غير أن هذا الاستقرار يظل هشًا، حيث لا تزال احتمالات التعرض لخفض جديد في التصنيف قائمة، لاسيما في حال تصاعد التوترات الأمنية والجيوسياسية.

• ارتفاع الدين الحكومي: تشهد إسرائيل ارتفاعًا في الدين الخارجي بسبب الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري لتغطية تكلفة الحرب، وإصدار المزيد من السندات المحلية والدولية، والاعتماد على الاقتراض لسد الفجوة المالية، ما أدى في النهاية إلى زيادة كبيرة في الدين الخارجي حتى بلغ حوالي 160.386 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025، مرتفعًا من 146.292 مليار دولار خلال الربع المناظر من عام 2024.

الدين الخارجي الإسرائيلي (مليار دولار)

Source: Bank of Israel

• تعاف القطاع التكنولوجي: يُعد قطاع التكنولوجيا المتقدمة المحرك الرئيس للنمو في الاقتصاد الإسرائيلي، إذ يستوعب نحو 12% من القوى العاملة، ويساهم بنسبة 20% من الناتج المحلي الإجمالي، ويُمثل نحو 53% من الصادرات، وقد بدأ القطاع في الانتعاش خلال عام 2025 مدفوعًا بعودة تدفقات التمويل ونشاط الاندماج والاستحواذ، حيث نجحت الشركات التكنولوجية الناشئة في جمع تمويلات تُقدر بنحو 16 مليار دولار خلال عام 2025، في حين تمكنت شركات التكنولوجيا المالية من تأمين تمويلات تقارب 1.4 مليار دولار، كما سجلت صفقات الاندماج والاستحواذ في قطاع التكنولوجيا المالية قفزة ملحوظة، إذ ارتفعت قيمتها إلى نحو 5.8 مليار دولار خلال العام المنصرم، مقارنة بنحو 1.2 مليار دولار في عام 2024، ويعكس هذا النشاط تحسنًا نسبيًا في شهية المستثمرين تجاه قطاع التكنولوجيا، رغم استمرار التحديات الاقتصادية والجيوسياسية الأوسع.

آفاق مستقبلية:

تشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي بنسبة 4.8% خلال عام 2026 مقارنة بنسبة 2.9% خلال عام 2025، بافتراض هدوء التوترات السياسية والأمنية واستمرار الدعم الأمريكي خاصة في ظل زيادة المديونية الأمريكية، في المقابل، من المتوقع أن يتباطأ التضخم إلى ما دون 2% بقليل بحلول منتصف عام 2026[3].

وعلى المدى المتوسط، يتوقع الصندوق أن يحقق الاقتصاد الإسرائيلي معدل نمو بنحو 3.5%، مقارنةً بنحو 4% قبل اندلاع حرب غزة، بما يعكس استمرار التأثيرات السلبية للحرب على آفاق النمو، ويُعزى ذلك بصفة خاصة إلى ارتفاع الإنفاق الدفاعي، وزيادة علاوات المخاطر، وتراجع عرض العمالة غير الإسرائيلية، فضلًا عن تفاعل هذه العوامل مع التحديات الهيكلية القائمة، وعلى رأسها تباطؤ نمو السكان في سن العمل، وانخفاض معدلات مشاركة بعض الفئات في سوق العمل، وضعف مستوى مهاراتها.

من جهة أخرى، تشير التقديرات إلى تراجع نسبي في عبء الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، حيث يُتوقع أن تنخفض هذه النسبة من نحو 8% في عام 2025 إلى قرابة 6% خلال عام 2026، ومع ذلك، يظل هذا المستوى مرتفعًا مقارنة بفترة ما قبل اندلاع الحرب، حين لم تتجاوز نسبة الإنفاق الدفاعي نحو 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يعكس استمرار الضغوط على المالية العامة، في حين يتوقع أن تتجه إسرائيل نحو تقويض استخدام حركة حماس للشيكل، وهو الأمر الذي من شأنه تعطيل أو على أقل تقدير الضغط على العمليات المالية لحركة حماس.

في المقابل، تُظهر توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) نظرة أكثر تفاؤلًا نسبيًا، إذ يُتوقع أن يسجل الاقتصاد الإسرائيلي معدل نمو يبلغ نحو 4.9% خلال عام 2026، قبل أن يتباطأ بصورة طفيفة ليصل إلى حوالي 4.6% في عام 2027، ويُعزى هذا التوسع الاقتصادي بالأساس إلى الدور المحوري للقطاع الخاص في دفع معدلات النمو، وفي هذا السياق، من المُرجح أن يتجه التضخم نحو مسار هبوطي، لينخفض من نحو 3.1% في عام 2025 إلى قرابة 2.4% خلال عام 2026، ثم إلى حوالي 2% في عام 2027، بما يعكس انحسار الضغوط السعرية وتحسن التوازن بين العرض والطلب[4].

وفي السياق ذاته، يتوقع البنك المركزي الإسرائيلي أن تستقر نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي عند مستوى يقارب 71% خلال عام 2026، وهو ما يمثل زيادة بنحو 10 نقاط مئوية مقارنة بعام 2024، ويُعزى هذا الارتفاع بالأساس إلى متطلبات تمويل الحرب، كما أن التوقعات بارتفاع الإنفاق الدفاعي خلال العقد المقبل من شأنها أن تضيف أعباءً إضافية مستمرة على الموازنة العامة، بما قد يحد من قدرة الحكومة على توجيه الموارد نحو بنود إنفاق تنموية أو اجتماعية، ويُبقي مستويات الدين والعجز تحت ضغوط متصاعدة على المدى المتوسط.

ختامًا، يعكس المشهد الاقتصادي الإسرائيلي حالة من التباين الواضح بين مؤشرات تعافٍ كلي مدفوعة بنشاط القطاع الخاص وقطاع التكنولوجيا، وبين ضغوط مالية وهيكلية متراكمة فرضتها تداعيات الحرب واستمرار أولوية الإنفاق الدفاعي، فعلى الرغم من تحسن توقعات النمو وتراجع معدلات التضخم وفق تقديرات المؤسسات الدولية، فإن هذه المؤشرات الإيجابية لا تُخفي هشاشة التوازنات المالية وارتفاع مستويات الدين العام، فضلًا عن المخاطر المرتبطة باستدامة هذا المسار في ظل بيئة أمنية غير مستقرة.


[1]  “Knesset gives first approval to 2026 budget”, JNS News. 30 January 2026. Available at https://www.jns.org/knesset-gives-first-approval-to-2026-budget/

[2] Gad Lior, “Cost of living crushes Israel’s middle class as one-third of households fail to make ends meet”, YNET. 18 January 2026. Available at https://www.ynetnews.com/business/article/rkkgxjyr11l.  

[3] “Israel: Staff Concluding Statement of the 2026 Article IV Mission”, IMF, 5 February 2026. Available at https://www.imf.org/en/news/articles/2026/02/05/mcs-02052026-israel-staff-concluding-statement-of-the-2026-article-iv-mission  

[4] “OECD Economic Outlook, Volume 2025 Issue 2”, OECD. 2 December 2025. Available at https://tinyurl.com/ywfenja6

12
تكريس الحضور: المشاركة الصينية في عمليات إعادة الإعمار في المشرق العربي
4555
المناطق الاقتصادية الحدودية وتسوية الصراعات بين دول الجوار
1234
النفط الفنزويلي وتعزيز النفوذ الأمريكي في أسواق الطاقة العالمية
121212
مقاربة اقتصادية: استراتيجية الأمن القومي الأمريكية 2025
Scroll to Top