استضافت تركيا القمة الأخيرة لحلف الناتو يومي 7 و8 يوليو 2026، وهو ما يأتي ضمن التحركات التركية لإعادة تعريف نفسها وأدوارها كطرف فاعل في السياسات الأمنية الأوروبية، وأنها قد تجاوزت فكرة توظيفها كحارس للجناح الجنوبي للحلف، لتصبح عنصرًا مؤثرًا لا يمكن إنكاره، لا سيما أنها تمتلك قدرات عسكرية وتقنية وموقع جغرافي حيوي يؤهلها لأدوار أكثر أهمية، إلى جانب بروز الحاجة الأوروبية لسياسات أمنية ودفاعية جديدة، تجعلها قادرة على التعامل مع التحولات العسكرية والجيوسياسية العالمية، فضلًا عن اهتزاز حالة الثقة في الحليف الأمريكي الذي يرغب في تقليص التزاماته العسكرية داخل حلف الناتو.
الأهداف الاستراتيجية:
اتجهت تركيا نحو إبداء أكبر قدر ممكن من المرونة السياسية والاستراتيجية في التعامل مع القوى الأوروبية المختلفة، وانتهجت سياسة “فصل الملفات”، بحيث تستطيع إحراز تقدم في القضايا التي تشهد تقاربًا، وتسكين القضايا التي تشهد تضاربًا في الرؤى والأهداف. ويُستدل على ذلك بالموافقة التركية على استضافة منظومة دفاع جوي إيطالية متطورة في قاعدة “قونية”[1]، وتؤشر هذه الخطوة على أن تركيا والجانب الأوروبي يوظفان التعاون العسكري والتقني كركيزة لبناء تفاهمات متقدمة، مع تنامي الإدراك بأن المصالح الأمنية والاستراتيجية المتبادلة تتفوق في النهاية على الخلافات أو المناورات السياسية الضيقة.
وفي الوقت ذاته، توفر النُظم الدفاعية الأوروبية فرصة مهمة لتركيا لتحقيق أمنها الذاتي، حيث تُسهم في تعزيز قدرات الردع وذلك لحين استكمال مخططاتها الخاصة بإقامة قبة فولاذية من خلال نُظم التسلح التي يجري تطويرها محليًا.
ويُثير ذلك مسألة مهمة تتعلق بالرغبة التركية الطموحة في تعزيز قطاع الصناعات الدفاعية المحلية ووصوله إلى مستويات أكثر تقدمًا، وتجاوز مراحل سابقة كانت تعتمد فيها بشكل كبير على نُظم التسلح الغربية. بدأت تركيا في تحويل رؤيتها لقطاع الصناعات الدفاعية من مجرد كونه مورد لتحقيق الاكتفاء الذاتي من نُظم التسلح، إلى أن يُصبح مُوردًا رئيسًا لنظم التسلح إلى أوروبا، لا سيما مع التصدع في العلاقات الأمريكية الأوروبية، وتحول الاهتمام الأمريكي بصورة أكبر ناحية منطقة الإندو باسيفيك لمواجهة التمدد الصيني، إلى جانب الترويج التركي المكثف لصناعتها العسكرية باعتبارها خيارًا عمليا واقتصاديًا، وأن لديها البنية التحتية والقدرة العملية على توفير خطوط إنتاج سريعة ومرنة.
وتُشير بيانات عام 2025 إلى أن صادرات الدفاع التركية قد تضاعفت أكثر من ثلاث مرات منذ عام 2021 لتصل إلى 10 مليارات دولار عام 2025، بما يمثل نحو 3.7٪ من إجمالي الصادرات التركية، وخلال الفترة ذاتها، تضاعفت الصادرات إلى القوى الغربية أربع مرات تقريبًا ووصلت إلى نحو 5.6 مليار دولار[2].
التصور التركي:
يعتمد التصور التركي لمستقبل الأمن الأوروبي على مراجعة أخطاء حلف الناتو الحالية وفهم طبيعة العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة. إذ ترى تركيا أن تحقيق أمن أوروبي مستدام يتطلب تقليل الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، والانتقال إلى بناء منظومة دفاعية إقليمية تعتمد على دول قوية قريبة جغرافيًا وقادرة على تحمل المسؤولية الأمنية والتحديات الجيوسياسية. وبناءً على ذلك، تستثمر تركيا تقدمها الصناعي والعسكري للضغط على أوروبا للاعتراف بها كشريك استراتيجي فاعل ومتكافئ، لا كدولة وظيفية تابعة فقط، بهدف إعادة صياغة العلاقات مع القوى الأوروبية ودمج قدراتها العسكرية بشكل أساسي داخل منظومة الدفاع الأوروبية[3].
وبالتزامن مع ذلك، سعت تركيا إلى إعادة هندسة الأدوار والملفات الأمنية المُعقدة مع الجانب الأوروبي، عبر ثلاثة محاور رئيسة، الأول: رفض تركيا أن يقتصر دورها على “حارس بوابة” يمنع تدفق المهاجرين مقابل دعم مالي، بل تطالب بوضع خطط مشتركة تعالج أزمة الهجرة من منبعها مع توزيع عادل للأعباء. الثاني: مطالبة القوى الغربية باعتماد موقف موحد وحازم تجاه التهديدات الأمنية التي تواجه تركيا، لا سيما من تنظيم حزب العمال الكردستاني وامتداداته، مع ضمان معاملة أمن تركيا بنفس الجدية التي يحظى بها أمن بقية أعضاء الحلف. الثالث: يتمثل في تعزيز دور تركيا كممر حيوي لإمدادات الطاقة من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى أوروبا، بالإضافة إلى مسئوليتها الأساسية في حماية حركة الملاحة والمضائق في البحر الأسود، وهو الدور الذي اكتسب أهمية استراتيجية متزايدة في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية[4].
المسارات المحتملة:
يتوقف نجاح الاستراتيجية التركية في إعادة تشكيل دورها الأمني بقدرتها على إدارة شبكة معقدة من التوازنات الجيوسياسية المتضاربة، وهو ما يتطلب تحقيق توازن دقيق بين تعزيز مشاركة تركيا داخل البنية العسكرية لحلف للناتو، كإنشاء مقر قيادة فيلق عسكري جديد، وبين الحفاظ على قنوات تواصل دبلوماسية وأمنية رفيعة مع روسيا، بهدف تهدئة مخاوفها بشأن نشر صواريخ إضافية وضمان عدم تحول البحر الأسود إلى ساحة صراع مفتوحة. هذا الموقف يمنح تركيا موقع الوسيط الاستراتيجي القادر على إدارة هذه التناقضات، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” لتعزيز دورها كحارس للممرات الاستراتيجية الحيوية ومُيسر للتسويات الإقليمية[5].
ومع ذلك، تواجه هذه الطموحات تحديات رئيسة، أبرزها الفيتو الفرنسي واليوناني داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تعارض كلا الدولتين بشدة أي دور عسكري أو سياسي مؤثر لتركيا قد يمنحها نفوذًا مهيمنًا على قرارات الأمن الأوروبي، خاصة وسط الخلافات التاريخية المستمرة في شرق المتوسط وقضية قبرص.[6]
في السياق نفسه، يظل الرهان التركي على الموقف الأمريكي محفوفًا بالمخاطر، إذ يرتبط بمدى جدية الرئيس “ترامب” في تنفيذ تهديداته بالانسحاب الكامل من الناتو أو تقليص الدور الأمريكي فيه، ومدى اقتناعه بأهمية بقاء الحلف كمنظومة دفاعية مستقلة تُدار عبر قوى إقليمية قوية مثل تركيا. وبالتالي، فإن قدرة تركيا على التنسيق والتعامل مع هذا المزيج من الفيتو الأوروبي والضغوط الأمريكية ستحدد ما إذا كانت ستتمكن من أن تصبح مركز ثقل في النظام العالمي الجديد أم ستظل محصورة في حدود التوترات السياسية.
ختامًا، تتأرجح الخيارات المستقبلية للطموح التركي بين خيارين رئيسين: الأول – والأكثر ترجيحًا – يتمثل في شراكة تفرضها الوقائع، حيث تراكم تركيا عناصر قوتها وتدفع أوروبا نحو قبولها كقوة مؤثرة في ظل الأزمات الراهنة وضعف القدرات الذاتية الأوروبية. وينصرف الثاني إلى مواجهتها ومحاولة احتوائها عبر تحالفات بديلة تهدف إلى تهميش دورها، وهو مسار يصعب تنفيذه.
في هذا السياق، مثلت قمة الناتو فرصة لتركيا من أجل الترويج لنفسها كركيزة لا يمكن تجاوزها في صياغة “معادلة الأمن الأوروبي الجديد”، مستفيدة من الحاجة الملحة لأوروبا لملء الفراغات الاستراتيجية الناتجة عن الانكماش المتوقع للدور الأمريكي. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا المشروع مرتبطًا بمدى قدرة الدبلوماسية التركية على تفكيك التحفظات الفرنسية واليونانية، بالإضافة إلى إقناع الرئيس “ترامب” بأهمية الاستمرار في وجود حلف ناتو مستقل ومتعدد الأطراف يخدم المصالح الاستراتيجية لجميع الأعضاء.
[1] قحطان العبوش، “مع انحسار الحرب في المنطقة.. أنقرة تطمح لدور رئيس في الناتو”، إرم نيوز. 18 يونيو 2026. متاح على الرابط التالي: https://www.eremnews.com/news/world/b7dptvs
[2] Can Sezer and Tuvan Gumrukcu, “Turkey targets more defence sales as West rearms, alliances shift”, Reuters. 8 June 2026. Available at https://www.reuters.com/business/aerospace-defense/turkey-targets-more-defence-sales-west-rearms-alliances-shift-2026-06-05/
[3] “Turkey belongs in Europe’s security architecture, says Erdogan ahead of Nato summit”, Malay Mail. 29 Jun 2026. Available at: https://www.malaymail.com/news/world/2026/06/29/turkey-belongs-in-europes-security-architecture-says-erdogan-ahead-of-nato-summit/225696
[4] “Turkey’s strategic role in NATO grows as global order shifts, panel says”, Turkish minute. 19 February 2026. Available at: https://turkishminute.com/2026/02/19/turkeys-strategic-role-in-nato-grows-as-global-order-shifts-panel-says/
[5] Abdullah Bozkurt, “Turkey shifts Black Sea strategy with NATO-backed mission to move against Russia”, Nordic Monitor. 18 June 2026. Available at: https://nordicmonitor.com/2026/06/turkey-shifts-black-sea-strategy-with-nato-backed-mission-to-move-against-russia/
[6] MURAT YEŞİLTAŞ, “European Security: With Türkiye or Against Logic”, the SETA Foundation. 28 April 2026. Available at: https://www.setav.org/en/european-security-with-turkiye-or-against-logic

