العدد (106)

03/08/2026

الافتتاحية

لواء / طارق عبد العظيم

رئيس المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط

يصدر هذا العدد من مجلة “أوراق الشرق الأوسط” الدورية الرئيسة للمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط في ظل تطورات مهمة تشهدها المنطقة العربية، وفي القلب منها منطقة الخليج، ارتباطًا بالحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، ومسار السلام الذي بدأته الأطراف المُتصارعة، إلى جانب التحركات التي اتخذتها الأطراف الإقليمية في إطار التعامل مع مستقبل المنطقة وبنية النظام الإقليمي العربي ومؤسساته، أو حتى التطورات المتوقعة داخل دول المنطقة.

انخرطت الولايات المتحدة وإيران في مسار السلام بعد توقيع مذكرة التفاهم والبدء في المفاوضات، وعلى الرغم مما يُوجده ذلك من سياق إقليمي يتسم ببعض مظاهر الاستقرار، فإن هناك بعض العوامل التي قد تحد من هذا التفاؤل، لعل من أبرزها: ارتباط استقرار المنطقة بما ستُفضي إليه المفاوضات الأمريكية الإيرانية ومدى الالتزام بها، ومراعاة الجانبين لرؤى ومصالح دول المنطقة. إلى جانب اتجاه بعض دول المنطقة إلى إعادة ترتيب أولوياتها ومحاولة تحقيق مصالحها وتلبية شواغلها الأمنية وفق مفهومها الخاص، وقد يؤدي ذلك إلى تضارب في الرؤى والتحركات بما يُعمق من حالة عدم الثقة الإقليمية، ويُكرس حالة عدم الاستقرار، فعلى سبيل المثال، ترفض إسرائيل أي تفاهمات لا تتضمن التفكيك الكامل للبرنامج النووي الإيراني، وبالتالي، فإن أولوياتها الأمنية، ورؤيتها لتحقيق مصالحها يجعل التزامها بما قد تُسفر عنه المفاوضات الأمريكية الإيرانية موضع تساؤل حقيقي.

يُضاف إلى ذلك سعي الولايات المتحدة الدؤوب نحو دمج إسرائيل في البنية الأمنية الإقليمية، بما قد يدفع نحو تأسيس تحالفات جديدة ومضادة لمحاولات التغلغل الإسرائيلي، ناهيك عن تأثير ذلك سلبًا على الأمن القومي العربي ومؤسسات العمل العربي المُشترك وفي مقدمتها الجامعة العربية، التي تواجه ضغوطًا جدية، لا تتعلق بالطموحات الإسرائيلية ونزعتها التوسعية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى بروز الرغبة لدى أطراف أخرى من خارج المنطقة العربية مثل باكستان وتركيا للعب أدوارًا مهمة في مرحلة ما بعد الحرب، كامتداد لدورها في مسار التفاوض.

في هذا السياق المُعقد والمتداخل، ويُركز هذا العدد من مجلة أوراق الشرق الأوسط على التحولات السياسية والاستراتيجية المُحتملة للحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، ومسار السلام والمفاوضات، على المنطقة العربية والشرق الأوسط عمومًا، حيث أفرد العدد سلسلة تحليلات مُعمقة ضمن ملف شامل عن التحولات في المنطقة، وارتداداتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، وهو ما تضمن تأثير هذه التحولات على الاتفاق الأمني في لبنان، والملف الفلسطيني وغزة، والتوجهات المستقبلية لدول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب جهود التسوية في الدول المأزومة، مثل: اليمن وليبيا والسودان. ويُقدم العدد رؤية لمحددات ومرتكزات مشروع عربي للأمن الإقليمي في مواجهة المشروعات الأخرى المطروحة، ودور مصر الريادي في إعادة بناء التوازن الإقليمي.

كما يتناول العدد طبيعة تأثيرات الحرب على الأمن البحري، والاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية، والاستراتيجية الدفاعية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، والتحولات المحتملة للظاهرة الإرهابية في المنطقة، وخيارات فصائل «محور المقاومة» تجاه مشروعات نزع السلاح.

وفيما يتعلق بالتأثيرات الاقتصادية، فقد تم التركيز على اقتصاد الممرات البديلة، والتعاون الاقتصادي الإقليمي، والتعاون الاقتصادي الدولي في إدارة الممرات المائية الدولية، إلى جانب التأثير على اقتصاد إعادة الاعمار، واقتصاد التأمين على المخاطر، والتحول الطاقوي، وأخيرًا التطورات المُحتملة في بنية الاقتصاد الدولي.

وقد ترجمت مؤخراً باستئناف المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران (يوليو الجاري) بما يُشير إلى أن مخاطر الانزلاق لحرب إقليمية تشمل مسارح عمليات متعددة، الأمر الذي سيؤثر على الأمن القومي العربي عامةً، وعلى منطقة الخليج على وجه الخصوص.

أسال الله أن يكون هذا العدد من مجلة “أوراق الشرق الأوسط”، بموضوعاته النوعية والمُتخصصة، مقدمة جادة في إطار بناء رؤية عربية مُشتركة لتحقيق الأمن القومي العربي، وتفعيل مؤسساته، الأمر الذي يُمثل أولوية مُطلقة، في ظل ما تموج به المنطقة من مظاهر عدم الاستقرار.

العدد 105
العدد (105)
العدد 104
العدد (104)
العدد 103
العدد (103)
العدد 102
العدد (102)
Scroll to Top