تكريس الحضور: المشاركة الصينية في عمليات إعادة الإعمار في المشرق العربي

17/03/2026

تتحرك الصين للمشاركة في عمليات إعادة الإعمار بدول منطقة المشرق العربي، إلا أن تلك المشاركة ستواجه بتحديات، بما يُعرقل تزايد التواجد الصيني بتلك المنطقة الحيوية، التي تعتبر جزءًا من مبادرة “الحزام والطريق”، كما قد يُثير ذلك التنافس الدولي والإقليمي على تلك المنطقة، ولا يمكن تحديد إذا ما كانت تلك المنافسة في صالح الدول المستهدفة بالإعمار من عدمه.

تحرك حذر:

يُلاحظ أن التحرك الصيني للمشاركة في عمليات إعادة الإعمار بدول المشرق العربي يتسم بالحذر اعتمادًا على التطورات في تلك الدول، كما لا يتسم بصفة الدورية، وقد يكون ذلك لعدد من الأسباب، أبرزها: التحديات الأمنية وعدم الاستقرار السياسي في بعض تلك الدول، فضلًا عن تزايد المنافسة على عمليات إعادة الإعمار بها، إضافة إلى صعوبة زيادة الحضور في بعضها مثل قطاع غزة، في ظل قيادة أمريكية لعملية إعادة الإعمار للقطاع عبر مجلس السلام الذي أنشأ حديثًا بمشاركة العديد من الدول.

ويُشار في هذا الصدد إلى أن آخر تحرك للصين تمثل في إعلان مجموعة “GCI” الصينية (تضم 25 شركة متخصصة في مجالات عدة) في 6 فبراير 2026، استقرارها في منطقة “شتورا” في البقاع اللبناني، متخذة منها مركزًا لوجستيًا وإداريًا إقليميًا تمهيدًا للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار داخل الأراضي السورية، وأرجعت الشركة اختيارها لمنطقة “شتورا” نظرًا لأنها موقع جغرافي استراتيجي يقع بالقرب من دمشق (تبعد نحو 50 كيلومترًا)، مما يجعلها نقطة ارتكاز مثالية لإدارة العمليات والمشاريع المستقبلية في سوريا والمنطقة.

يعكس تواجد مجموعة GCI في لبنان التخوف من عدم الاستقرار في سوريا، وبالتالي في حالة تراجع الاستقرار يمكن للمجموعة الصينية المشاركة في إعادة إعمار الجنوب اللبناني وقطاع غزة إن أمكن، ويُرى أن التحرك الصيني يستهدف خلق كيان موازي لـ”مجلس السلام”، مع الأخذ في الاعتبار أنه ستكون هناك أفضلية للصين في ضوء نهجها الذي يركز على اتخاذ خطوات عملية غير مشروطة سياسيًا، وذلك عبر شركات صينية يمكنها ان تبدأ فورًا في إعادة إعمار، بما يضمن تحقيق مكاسب مشتركة سواء للصين وشركاتها أو للدول المستهدفة، وفي نفس الوقت منافسة الدول أخرى التي تسعى لتعزيز حضورها في منطقة المشرق العربي.

يُشكل التحرك الصيني منافسة لدول أخرى تسعى لتعزيز نفوذها في المشرق العربي، مثل فرنسا التي تعهدت بدعم عمليات إعادة الإعمار في لبنان، ويُشار في هذا الصدد إلى أن السفير الصيني في لبنان سبق أن أكد في يوليو 2025 استعداد بلاده لتعميق التعاون مع لبنان ضمن مبادرة الحزام والطريق، وتشجيع الشركات الصينية على المشاركة في إعادة إعمار لبنان، ولفت إلى أنه في عام 2026، سيتم الاحتفال بالذكرى الـ 55 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وبالتالي قد يشهد ذلك العام تحركات صينية جادة لدعم الاقتصاد اللبناني وإعادة الإعمار.

وقد امتدت المنافسة مع الشركات الصينية في عملية إعادة الإعمار إلى قطاع غزة، وهو ما دلل عليه تقرير لمجلة Globes الإسرائيلية نُشر في 23 أكتوبر 2025، أوضح فيه شكل التحركات الصينية للمشاركة في إعادة إعمار قطاع غزة، سواء عبر الفوز بمناقصات أممية لتوريد مبانٍ جاهزة ومواد بناء بأسعار تقل بنحو50 – 60% عن منافسيها، أو عبر فوز شركات من جنسيات أخرى بتلك المناقصات ولكنها تستخدم منتجات صينية لإعادة الإعمار، ويُشكل ذلك منافسة لإسرائيل التي تريد الاستفادة من مشاركتها في عمليات إعادة الإعمار بالمنطقة، خاصةً بقطاع غزة، ويُؤكد ذلك ما كشفته “هآرتس” الإسرائيلية في 4 فبراير 2026 بأن مسئولين كبار في وزارة المالية الإسرائيلية عقدوا مشاورات مع ضباط في الجيش لبحث فرص اقتصادية مرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب، تعتمد على الاستفادة من جهود إعمار قطاع غزة لدعم الداخل الإسرائيلي، وترسيخ تبعية القطاع الاقتصادية لإسرائيل، وبالتالي يُعد ذلك التوجه عقبة في زيادة الحضور الصيني بالقطاع مستقبلًا، بالإضافة إلى عقبات أخرى تتمثل في الرفض الأمريكي للتواجد الصيني في المشرق العربي لاعتبارات استراتيجية.

آفاق مُحفّزة:

يُتوقع سعى الصين لتعزيز حضورها في منطقة المشرق العربي التي تحتاج العديد من دولها ومناطقها لجهود إعادة الإعمار، وهي المنطقة التي تعتبر جزء من مبادرة “الحزام والطريق” التي توظفها الصين لتعزيز نفوذها الاقتصادي، حيث أعربت الصين في عدة مناسبات عن دعمها لعمليات إعادة إعمار غزة وسوريا ولبنان، وتبدي دائمًا استعدادها لتوفير الدعم المالي والإنساني، والمشاركة في المؤتمرات الدولية ذات الصلة، مع الوضع في الاعتبار أن برامج الإقراض الصينية الخارجية المنضوية تحت “مبادرة الحزام والطريق” تركز على مشاريع البنية التحتية، وهي المشاريع التي تحتاجها دول المشرق العربي حاليًا.

بالنسبة للصين إن إعادة إعمار سوريا قد يسفر عن منافسة ممر IMEC الذي يربط الهند بأوروبا عبر منطقة غرب آسيا، حيث يمكن أن تكون سوريا بديلًا لإسرائيل التي تواجه العديد من الانتقادات والمقاطعات بسبب ممارساتها في قطاع غزة وتجاه الفلسطينيين بشكل عام، وبالتالي يمكن اعتبار أن إعادة إعمار سوريا يأتي في إطار منافسة الصين لتجارة الهند مع أوروبا ودول الشرق الأوسط، فيما قد تعتمد الصين على الموانئ اللبنانية في تعزيز التجارة بين الصين والمشرق العربي مستقبلًا، أو في استيراد مستلزمات إعادة الإعمار الصينية، وذلك في مقابل توقيع عقود تطوير وإدارة وتشغيل الصين لتلك الموانئ، بما يرسخ من حضورها في بعض الموانئ بالمشرق العربي.

فرص واعدة:

على المستوى الداخلي للصين، فإن المشاركة في عمليات إعادة الإعمار في المشرق العربي يعزز الاقتصاد الصيني، لأن عمليات إعادة الإعمار ستوفر فرص لامتصاص فائض إنتاج الشركات الصينية، فضلًا عن أن تعزيز اقتصادات دول المشرق العربي سيعزز من القدرة الشرائية لمواطنيها، وسيجعلها ذلك أسواق مستهلكة للمنتجات الصينية في المستقبل، وذلك في ظل تزايد العراقيل الأوروبية والأمريكية لوقف تمدد الصين بأسواقها، ومع توجهات إدارة دونالد ترامب بتقليص الحضور الصيني في أمريكا الجنوبية، بما يقيد مسارات الحركة الصينية في أسواقها التقليدية.

في هذا السياق، يكشف الواقع الحالي أن هناك محاولات لحصار وخنق الصين في السوق العالمي، وبالتالي تتيح عمليات إعادة الإعمار، في المشرق العربي وفي مناطق أخرى، فرص للصين لتنويع الأسواق المستقبلة لصادراتها، ومواجهة محاولات حصارها، وتعزيز حضورها وانتشارها جغرافيًا، مع الوضع في الاعتبار أن بكين لا تريد أن تفقد نفوذها بمنطقة غرب اسيا ومنطقة المشرق العربي تحديدًا، لجملة من الأسباب على رأسها توافر الموارد بدول تلك المنطقة، والاطلالة على ممرات ربط استراتيجية، ولكونها أسواق مستهدفة للمنتجات الصينية، وبالتالي تعتبر عملية إعادة الإعمار في المشرق العربي بمثابة دفاع متقدم للصين في مواجهة مخططات حصارها.

قد تسفر المنافسة المحتملة على إعمار دول المشرق العربي عن نتائج عكسية، بحيث أن ذلك سيدفع العديد من الدول للإحجام عن ضخ رؤوس أموال كبيرة لإعادة إعمار تلك الدول، وسيتم الاكتفاء بمساعدات إنسانية او لدعم الحاجات الأساسية، كما قد تسفر ضغوط بعض الدول الغربية عن عدول أنظمة بعض دول المشرق العربي عن الانفتاح على دول بعينها مثل الصين وإيران وروسيا، ليسفر ذلك عن إشكالية تعرقل نمو واستقرار منطقة المشرق العربي، التي من المهم أن تنوع من مصادر تمويلها من الخارج.

ختامًا، يأتي التحرك الصيني تجاه عملية إعادة الإعمار بمنطقة المشرق العربي ضمن سياق أشمل يتعلق بإعادة ترتيب الشرق الأوسط، حيث أن إعادة تشكيل المنطقة قد يدفع قوى دولية وإقليمية لإيجاد فرص ودور في تلك الترتيبات، ولهذا تبادر الصين بالمشاركة في إعادة الإعمار بدول المنطقة عبر عدة وسائل منها إعادة الإعمار، ولكن قد يجذب التحرك الصيني دولًا أخرى للانخراط في تلك العمليات في إطار المنافسة على التواجد بالمشرق العربي، وللحفاظ على مصالحها بالمنطقة، بما يجعل المشرق العربي منطقة صراع على النفوذ الاقتصادي، ولكن سيتحدد مدى مركزية دور كل دولة بناءً على حجم الأموال التي سيتم ضخها، ومدى أهمية القطاعات التي ستقوم بإعادة تأهيلها، ليحدد ذلك بدوره نفوذ تلك الدول مستقبلًا في المنطقة.

Is-eco
قراءة استشرافية في مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي
4555
المناطق الاقتصادية الحدودية وتسوية الصراعات بين دول الجوار
1234
النفط الفنزويلي وتعزيز النفوذ الأمريكي في أسواق الطاقة العالمية
121212
مقاربة اقتصادية: استراتيجية الأمن القومي الأمريكية 2025
Scroll to Top