تشهد منظومة الطاقة العالمية تحولات متسارعة في ظل تصاعد حدة الاضطرابات الجيوسياسية وتقلبات أسواق النفط والغاز، وهو ما دفع العديد من الدول إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الطاقوية بحثًا عن بدائل أكثر استقرارًا وأقل تعرضًا للصدمات الخارجية مثل اللجوء للفحم وتفعيل استخدام المفاعلات النووية، إلى جانب الوقود الحيوي الذي برز كأحد الخيارات المطروحة بقوة، ليس فقط باعتباره مصدرًا متجددًا، بل أيضًا كأداة لتعزيز الاعتماد على الموارد المحلية وتقليل المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد الدولية. ومع ذلك، فإن التوسع في إنتاجه واستخدامه لا يخلو من تعقيدات، إذ يتداخل مع قضايا حيوية مثل استخدام الأراضي، وتخصيص الموارد، وتوازنات الأسواق الزراعية، بما يفرض تحديًا أمام صانعي السياسات لتحقيق معادلة دقيقة بين متطلبات أمن الطاقة وضمان استدامة الموارد الغذائية والبيئية.
أهمية متزايدة:
يُعرَّف الوقود الحيوي بأنه نوع من الوقود يُنتج من مواد عضوية متجددة ذات أصل حيوي، مثل المحاصيل الزراعية (كالذرة وقصب السكر)، والزيوت النباتية، والمخلفات الزراعية والحيوانية، بل وحتى النفايات العضوية، وإعادة تدوير المخلفات، ويتميز هذا الوقود بكونه بديلًا نسبيًا للوقود الأحفوري التقليدي؛ إذ يمكن استخدامه في التدفئة، والنقل وتوليد الطاقة وبعض التطبيقات الصناعية، مع انبعاثات أقل من الغازات الدفيئة مقارنة بالنفط والفحم، وتشمل أبرز أنواعه الإيثانول الحيوي، والديزل الحيوي، والغاز الحيوي، ويُنظر إليه كأحد الأدوات المهمة لتحقيق أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على المصادر الأحفورية، إلى جانب دوره في دعم التوجه نحو اقتصاد أكثر استدامة[1].
وقد اكتسب الوقود الحيوي أهمية متزايدة عقب اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في مارس 2026، والتي أسهمت في اضطراب إمدادات الطاقة، وارتفاع أسعارها لمستويات قياسية نتيجة لإغلاق مضيق هرمز الذي يُمر خلاله حوالي 25% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، مما دفع الحكومات للبحث عن بدائل للنفط والغاز الطبيعي المستورد من مناطق النزاع بهدف تعزيز أمن الطاقة وتنويع مزيج الطاقة.
كما تنبع أهمية الوقود الحيوي من كونه وقودًا نظيفًا يُساهم في تسريع عملية تحول الطاقة، وانخفاض انبعاثات الغازات الدفيئة، فضلًا عن كونه مصدرًا متجددًا يمكن إنتاجه محليًا، بما يعزز من أمن الطاقة ويقلل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري، كما يُسهم في تنويع مزيج الطاقة، ويدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصةً في ما يتعلق بمكافحة التغير المناخي، إلى جانب دوره في خلق فرص اقتصادية جديدة في القطاعين الزراعي والصناعي، من خلال إعادة تدوير المخلفات.
مواقف آسيوية:
تعتبر الدول الآسيوية من أبرز الدول التي اتجهت نحو الوقود الحيوي بعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ويبدو ذلك توجهًا منطقيًا في ظل اعتماد معظمها على واردات الطاقة عبر مضيق هرمز، حيث يمر 80% من تجارة النفط المنقولة عبر المضيق إلى آسيا[2].
وفي هذا السياق، كشفت الحكومة الإندونيسية عن توجهها لإعادة إحياء خطة التوسع في استخدام مزيج الديزل الحيوي (B50) خلال الفترة المقبلة، وهو المزيج الذي يعتمد على دمج 50% من الديزل الحيوي المُنتج من زيت النخيل مع 50% من الديزل التقليدي، ويعكس هذا التوجه مساعي جاكرتا لتعزيز أمن الطاقة، وتقليل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري، فضلًا عن دعم سلاسل القيمة المحلية المرتبطة بإنتاج زيت النخيل.
واتبعت ماليزيا النهج ذاته، حيث أعلنت عن خطط لزيادة نسبة مزج الديزل الحيوي من إجمالي مزيج الديزل في البلاد من 10% إلى 15%، وذلك في وقت تسعى فيه ماليزيا إلى تنشيط قطاع الديزل الحيوي، بوصفها ثاني أكبر منتج ومُصدّر لزيت النخيل عالميًا، وهو المادة الخام الرئيسة لهذه الصناعة.
وعلى صعيد متصل، أشار وزير الطاقة التايلاندي “أوتابول ريركبيبون” إلى أن بلاده تعتزم تكثيف الاعتماد على الوقود الحيوي كجزء من استراتيجيتها لخفض فاتورة واردات النفط الخام، حيث تخطط الحكومة لزيادة نسبة المكونات الحيوية في وقود الديزل من 5% إلى 7%، كما تسعى إلى تحفيز الطلب المحلي على أنواع الوقود البديلة عبر خفض أسعار البنزين المخلوط بنسبة 20% من الإيثانول، في خطوة تستهدف تشجيع المستهلكين على التحول نحو خيارات طاقة أكثر استدامة وأقل تكلفة، بما ينعكس إيجابًا على ميزان المدفوعات ويحد من تقلبات أسعار الطاقة العالمية.
وفي الاتجاه ذاته، سارعت فيتنام إلى طرح وقود (E10) اعتبارًا من أبريل 2026، وهو مزيج يحتوي على 10% من الإيثانول و90% من البنزين التقليدي، وذلك في إطار مساعيها لخفض استهلاك البنزين وتعزيز الاعتماد على بدائل طاقة أقل تكلفة وأكثر استدامة، بينما أعلنت وزارة الزراعة والسلع الماليزية عن خطط لتوسيع استخدام وقود (B20)، الذي يتكون من 20% من زيت النخيل و80% من الديزل التقليدي، في خطوة تستهدف دعم استهلاك الوقود الحيوي في قطاع الطيران والخدمات المرتبطة به، إلا أن جمعية الوقود الحيوي الماليزية قد دعت إلى تسريع تعميم هذا المزيج على المستوى الوطني، مع وضع خارطة طريق للانتقال التدريجي إلى مزيج (B30)، كما طالبت الحكومة بإعفاء الديزل الحيوي من ضريبة المبيعات البالغة 10%، بما يعزز أمن الطاقة، ويدعم الطلب المحلي على زيت النخيل، ويُسهم في خفض الانبعاثات الكربونية وتحقيق أهداف الاستدامة[3].
انعكاسات دولية:
ينطوي التوسع في استخدام الوقود الحيوي على مجموعة من الانعكاسات الاقتصادية والبيئية المتداخلة، والتي يُمكن عرضها على النحو التالي:
• الآثار البيئية: يحمل التوسع في استخدام الوقود الحيوي آثارًا بيئية مزدوجة؛ فمن جهة، فإنه يُسهم في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري مقارنة بالوقود الأحفوري، خاصة عند إنتاجه من مصادر مستدامة أو مخلفات زراعية، كما يساعد على تقليل تلوث الهواء في المناطق الحضرية، إلا أن هذه المكاسب قد تتراجع في حال التوسع غير المنضبط؛ إذ يتطلب زيادة إنتاج الوقود الحيوي مساحات أكبر من الأراضي الزراعية، مما قد يؤدي إلى إزالة الغابات وفقدان التنوع البيولوجي، فضلًا عن زيادة استخدام الأسمدة والمبيدات، وزيادة الضغط على الموارد المائية، حيث تستهلك محاصيل الوقود الحيوي، مثل قصب السكر وزيت النخيل والذرة، كميات كبيرة من المياه، مما يزيد الضغط على موارد المياه العذبة المستخدمة في الري، ومن ثم، يعتمد الأثر البيئي الصافي للوقود الحيوي على نوع المواد الأولية المستخدمة في إنتاجه وما إذا كانت سلعًا زراعية أم المخلفات، وطرق الإنتاج، والتغيرات في استخدام الأراضي[4].
• ارتفاع أسعار السلع الغذائية: شهدت أسعار السلع الغذائية على المستوى العالمي ارتفاعًا خلال مارس الماضي مدفوعًا بتأجج المخاوف من أن تتجه الدول المُنتجة إلى زيادة تصنيع الوقود الحيوي؛ للتغلب على أزمة ارتفاع أسعار الطاقة الناجمة عن الصراع، وبارتفاع أسعار الأسمدة في ظل الاضطرابات التي تشهدها التجارة، ولهذا، فقد ارتفع مؤشر أسعار الغذاء العالمي الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى 128.5 نقطة مقارنة مع 125.5 نقطة المسجلة في فبراير السابق، وقادت تلك الزيادات السلع التي تُستخدم في إنتاج الوقود الحيوي، وعلى رأسها قصب السكر والذرة والزيوت، خاصة زيت النخيل[5]، ويوضح الشكل التالي تطور مؤشر أسعار الغذاء العالمي:
شكل يوضح مؤشر الغذاء العالمي (نقطة)

Source: FAO Food Price Index.
• التأثير على الأمن الغذائي: يشكل تسارع إنتاج الوقود الحيوي تحديًا محوريًا للأمن الغذائي، خاصة في الدول التي تعتمد على المحاصيل نفسها لتلبية الاحتياجات الغذائية الأساسي؛ إذ يؤدي تحويل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى إنتاج محاصيل الوقود الحيوي، مثل الذرة وقصب السكر وزيت النخيل، إلى تقليل المساحات المخصصة للزراعة الغذائية، مما قد يرفع أسعار الغذاء ويزيد من مخاطر نقص الإمدادات المحلية، كما يمكن أن يفاقم ذلك التنافس على الموارد الطبيعية، مثل المياه والأسمدة، ويؤثر على استدامة الإنتاج الزراعي طويل الأمد، ومن ثم، فإن تعظيم فوائد الوقود الحيوي مع الحفاظ على الأمن الغذائي يتطلب سياسات متوازنة، تشمل تحسين إنتاجية الأراضي، واستخدام المخلفات الزراعية، وتشجيع محاصيل الوقود الحيوي من الجيل الثاني (التي تُستخرج من نباتات غير صالحة للأكل ومخلفات زراعية)، أو الجيل الثالث (المستخلصة من الطحالب)، والتي لا تتنافس مباشرة مع الغذاء[6].
ختامًا، يعكس التوسع في استخدام الوقود الحيوي تحوّلًا مهمًا في سياسات الطاقة العالمية نحو مزيد من التنويع والاستدامة، إلا أنه يظل خيارًا يتطلب إدارة متوازنة تأخذ في الاعتبار أبعاده الاقتصادية والبيئية والاجتماعية؛ فبينما يُسهم في تعزيز أمن الطاقة وخفض الانبعاثات، قد يفرض ضغوطًا على الموارد الزراعية ويهدد الأمن الغذائي إذا لم يُدار بكفاءة.
[1]. “Biofuels Definition”, European Commission, Available at https://energy.ec.europa.eu/topics/renewable-energy/bioenergy/biofuels_en
[2]. “Strait of Hormuz- Factsheet”, International Energy Agency, February 2026, Available at https://www.iea.org/about/oil-security-and-emergency-response/strait-of-hormuz
[3]. “Malaysian biodiesel group urges faster B20 rollout”, Argus Media, 7 April 2026, Available at https://www.argusmedia.com/en/news-and-insights/latest-market-news/2810619-malaysian-biodiesel-group-urges-faster-b20-rollout
[4]. Rishya Narayanan, “Are Biofuels Clean Energy?”, Conversation Law Foundation, 23 April 2025, Available at https://www.clf.org/blog/the-truth-about-biofuels/
[5]. حياة حسين، “سلع إنتاج الوقود الحيوي تقود ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء العالمي في مارس وسط زيادة النفط”، بوابة الشروق، 5 أبريل 2026، مُتاح على https://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=05042026&id=5e25d599-4581-45cf-8c32-09b6009072d0
[6]. علاء فاروق، ” تأثير الوقود الحيوي على الأمن الغذائي.. مزاعم وحقائق”، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، 27 يناير 2025، مُتاح على https://www.idsc.gov.eg/Article/details/10655

