تايوان في إطار منظومة العلاقات الصينية الأمريكية، والصينية الروسية

15/06/2026

يمثل ملف تايوان واحدًا من أبرز الملفات التي تؤثر على شكل التوازنات الدولية وحدود الصراع بين القوى العظمى، خاصةً مع تصاعد التنافس بين الصين والولايات المتحدة، وتأكيد الصين على أن تايوان جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، والدعم الروسي الواسع للصين في ذلك الملف، في الوقت الذي تنظر فيه الولايات المتحدة لتايوان باعتبارها جزءًا من حماية نفوذها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وفي هذا السياق، تحظى اللقاءات الأخيرة للرئيس الصيني “شي جين بينج” مع كل من الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” والرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” بأهمية كبرى، حيث يُعتبر طرح ملف تايوان خلالها بمثابة اختبارًا للمصداقية الأمريكية فيما يرتبط بدعم تايوان، وفرصة لروسيا للتأكيد على دعمها للصين، لا سيما في ملف تايوان.

الصين بين قمتين:

شهدت الفترة الأخيرة استضافة الصين لقمتين بارزتين كان لهما صدى عالمي، حيث استقبل الرئيس الصيني نظيره الأمريكي في زيارة هي الأولى من نوعها منذ 9 سنوات، وتزامنت مع توترات عالمية كبرى كان لها عواقب مؤثرة على الاقتصاد العالمي، أبرزها الحرب الأمريكية الإيرانية، وقد ناقش الجانبان خلال القمة سبل تعزيز التعاون الاقتصاد بينهما، بما في ذلك توسيع نطاق وصول الشركات الأمريكية إلى الأسواق في الصين وزيادة الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة، وتحقيقًا لذلك اتفق الجانبان على إنشاء مجلسين للتجارة والاستثمار.

وقد أعلن البيت الأبيض عن شراء الصين لنحو 200 طائرة بوينج أمريكية الصنع لشركات الطيران الصينية، دون الإفصاح عن تفاصيل الصفقة، وفيما يخص التوترات في الشرق الأوسط، اتفق الجانبان على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز لدعم التدفق الحر للطاقة، وعبرا عن رفضهما السماح لأي دولة أو منظمة فرض رسوم للعبور، وأكدا على أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا، وعلى هدفهما المشترك المتمثل في نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية[1].

وبعد نحو أسبوع، استضاف الرئيس الصيني نظيره الروسي في قمة جاءت احتفالًا بمناسبة مرور 25 عامًا على معاهدة الصداقة والتعاون بين البلدين، والذكرى الثلاثين للشراكة الاستراتيجية بينهما، ووقع خلالها الطرفين بيانًا مشتركًا بشأن مواصلة تعزيز التنسيق الاستراتيجي الشامل، وتعميق حسن الجوار والتعاون الودي بين البلدين[2]، كما وقعا 20 وثيقة تعاون في مجالات مختلفة تشمل الاقتصاد والتجارة والتعليم والعلوم والتكنولوجيا، بالإضافة إلى مناقشة الأوضاع الحالية في الشرق الأوسط وغيرها من القضايا الدولية والإقليمية الكبرى، وجددا دعوتهما إلى بناء نظام متعدد الأقطاب ونوع جديد من العلاقات الدولية[3].

وعلى الرغم مما شهدته قمة شي وترامب من مناقشة ملفات مختلفة، فإنها حققت نتائج محدودة، بل وكشفت عن كونها قمة موجهة لإدارة الصراع والتنافس وليس إنهائه، نظرًا لوصول التوتر بين البلدين مستوى تجاوز حدود الخلافات الاقتصادية التقليدية، وتحوله لصراع أوسع يتعلق بموازين القوة والنفوذ العالمي، وعلى النقيض مثلت قمة “شين” و”بوتين” فرصة لروسيا للتأكيد على أنها لا تزال قادرة على بناء شراكات دولية مؤثرة رغم العقوبات الغربية المفروضة عليها نتيجة حربها على أوكرانيا، وأبرزت مدى عمق العلاقة بين البلدين، حتى وإن بُنيت على اعتبارات عملية، فيما أكدت استضافة الصين القمتين على الدور المحوري الذي تسعى الصين إلى لعبه في النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب الذي ترغب في بنائه.

تايوان في الحسابات الصينية:

ترتبط تايوان بالعقيدة السياسية الصينية، حيث تعتبرها الصين جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وتسعى لاستعادة السيطرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية عليها، وترى أن أي محاولة لمنحها وضعًا سياسيًا مستقلًا أو دعمًا دوليًا واسعًا تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وهو ما يفسر اعتبار ملف تايوان أكثر الملفات حساسية في السياسة الخارجية الصينية، واعتباره محددًا لعلاقاتها مع الدول الأخرى وخاصة القوى الكبرى.

وتكمن أهمية تايوان في موقعها الاستراتيجي حيث تقع في الجزء الشرقي من بحر الصين، وتطل من ناحية الشرق على المحيط الهادي، ويفصلها مضيق تايوان غربًا عن الحدود الصينية (مقاطعة فوجيان الصينية)، كما تقع في نطاق “سلسلة الجزر الأولى” – وفقًا للمسمى الأمريكي – وهي الأراضي المستخدمة في الاستراتيجية الأمريكية للحد من التمدد البحري الصيني. وبالتالي فإن استعادة الصين السيطرة الكاملة على تايوان يمثل خطوة ضرورية لكسر محاولات تطويقها إقليميًا، وتأمين مجالها البحري، وتعزيز حضورها العسكري والاقتصادي في آسيا، خاصة مع تصدر تايوان صناعة أشباه المواصلات، حيث تعتبر المسئولة عن انتاج 60% من الإنتاج العالمي، وأكثر من 90% من الرقائق الإلكترونية الأكثر تقدمًا التي تدخل في صناعة معظم الأجهزة الإلكترونية.

وتعزز الصين من تحركاتها بشكل دائم لتحقيق ذلك الهدف، وقد تمثلت أبرز التحركات مؤخرًا في تكثيف انتشارها البحري والعسكري في المنطقة، عبر نشر السفن والطائرات العسكرية حول تايوان، وتنفيذ مناورات بحرية وجوية قرب مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي، فيما اتهمت تايوان الصين بدفعها أكثر من 100 سفينة حربية حول الجزيرة،[4] وهو التصعيد الذي جاء بعد أيام من زيارة الرئيس الأميركي إلى الصين، مما يعتبر رسالة ردع من الجانب الصيني.

وقد سبق ذلك التصعيد الأخير زيارة زعيمة حزب “كومينتانغ” التايواني المعارض إلى الصين في زيارة هي الأولى لرئيس حزب تايواني منذ نحو عقد، وعكست الزيارة محاولة الصين تبني نهج الدبلوماسية مع المعارضة، وخاصة حزب كومينتانغ الذي يؤيد بناء علاقات أوثق مع الصين، بدلًا من التواصل الرسمي مع الحكومة التايوانية التي يقودها الحزب “الديمقراطي التقدمي”، والذي يتبنى موقفًا متشددًا تجاه الصين.

تايوان في أجندة القمتين:

طرحت قمة “شي” و”ترامب” ملف تايوان، حيث أكد الرئيس الصيني على أن استقلال تايوان والسلام في مضيق تايوان أمران لا يجتمعان، مشيرًا إلى أن تعامل الولايات المتحدة مع الملف هو ما سيحدد شكل العلاقة مع الصين، فحال تعاملت الولايات المتحدة مع الملف بشكل صحيح، ستبقي العلاقة بين البلدين مستقرة بشكل عام، وإن لم تتعامل معه بشكل جيد، فسيعرض ذلك البلدان للاصطدام أو حتى النزاع، مما سيدفع العلاقات الصينية الأمريكية برمتها إلى وضع بالغ الخطورة[5].

ومن جانبه، تجنب “ترامب” الادلاء بتصريحات حول تايوان خلال القمة، إلا أنه أشار في تصريحات صحفية لاحقًا إلى أن لا شيء تغير بشأن سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان، كما وجه تحذيرًا شديد اللهجة لتايوان من الإقدام على إعلان الاستقلال رسميًا عن الصين، وفي الوقت ذاته ذكر أنه لا يزال يفكر فيما إذا كان سيمضي قدمًا في حزمة أسلحة كبيرة لتايوان مخطط لها هذا العام، وتبلغ قيمتها نحو 14 مليار دولارًا[6].

وتعكس تصريحات ترامب اعتماده سياسة الغموض الاستراتيجي في الملف التايواني، دون الإخلال بمحاولة الحفاظ على معادلة تقوم على ردع الصين من جهة، ومنع تايوان من اتخاذ خطوات مثل الإقدام على تغيير وضعها السياسي القائم وما قد يتبعه من دفع الصين إلى بدء الحرب من جهة أخرى.

أما عن قمة “شي” و”بوتين”، فعلى الرغم من عدم تطرقها بشكل مباشر لملف تايوان، فإن الطرفين أكدا على الدعم المتبادل للقضايا التي تمس مصالحهما الأساسية، وهو أمر متوقع، حيث لطالما دعمت روسيا الموقف الصيني تجاه تايوان، وكانت دائمة التأكيد على مبدأ الصين الواحدة. وعلى غرار روسيا، جدد رئيس كوريا الشمالية “كيم جونغ أون” دعمه الكامل لمبدأ الصين الواحدة وذلك خلال مباحثات جمعته مع الرئيس الصيني أثناء زيارة الأخير لبيونج يانج في يونيو 2026، الأمر الذي يعكس الدعم الواسع الذي تحظى به الصين فيما يخص ملف تايوان من جانب أهم وأبرز جيرانها.

المسارات المستقبلية:

يؤكد الطرح السابق على أن ملف تايوان لم يعد ملفًا ثنائيًا، وإنما أصبح نقطة مركزية تحدد شكل العلاقات والتوازنات الدولية، ومع رغبة الصين وروسيا في بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، واعتبار الصين أن تايوان من أهم الملفات الاستراتيجية التي ترتبط بطموحها في تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، فمن المرجح ألا تتنازل الصين عن موقفها ورغبتها في استعادة تايوان، وبالتالي، تعزيز الصين من أدوات ضغطها على تايوان، عبر توسيع حضورها العسكري وتكثيف أنشطتها في محيط الجزيرة خلال الفترة المقبلة.

ويُرجح أن تستمر الولايات المتحدة في دعم تايوان، وذلك في ضوء التزامها قانونيًا بدعمها – وفقًا لقانون العلاقات مع تايوان 1979 – فضلًا عن أن تايوان تعتبر نقطة ارتكاز للحفاظ على التوازن الاستراتيجي الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث يُسهم دعمها في تعزيز تقييد النفوذ الصيني في المنطقة وبالتالي حماية القواعد الأمريكية والنفوذ الأمريكي هناك، ومع ذلك فإنه من غير المستبعد أن تستغل الولايات المتحدة ملف تايوان كورقة تفاوض مع الصين خاصة في القضايا المتعلقة بالتجارة والتكنولوجيا والنفوذ الصيني في إقليمها.

ومن غير المستبعد استخدام الولايات المتحدة تايوان في إطار صفقة مقايضة مع إيران بشكل غير مُعلن، عبر خفض الولايات المتحدة من دعمها لتايوان مقابل توظيف الموقف الصيني تجاه إيران لصالح الولايات المتحدة.

وفيما يخص ملف تايوان بالنسبة للجانب الروسي، فإنه من المرجح استمرار روسيا في دعمها لمبدأ الصين الواحدة، لضمان دعم الصين لها في حربها على أوكرانيا، فضلًا عن ضمان استمرار الصين في الاعتماد على النفط الروسي وغيره من المنتجات الأخرى التي تستوردها منها، خاصةً في ظل العقوبات الغربية المفروضة على روسيا.

ختامًا، يمكن الإشارة إلى أن الملف التايواني سيظل أبرز الملفات التي من شأنها التأثير بشكل مباشر على القارة الأسيوية، فأي تصعيد صيني تجاه الجزيرة قد يؤثر على استقرار المنطقة كافة، فيما سيظل الملف واحدًا من أهم الملفات تأثيرًا على شكل العلاقات والتحالفات الدولية.


[1] “Fact Sheet: President Donald J. Trump Secures Historic Deals With China, Delivering For American Workers, Farmers, And Industry”, The White House, 17 May 2026. Available at https://2u.pw/vZs7d2

[2] “Xi, Putin sign joint statement on enhancing comprehensive strategic coordination, deepening good-neighborliness and friendly cooperation”, The State Council The People’s Republic of China, 20 May 2026. Available at https://2u.pw/EAR3tH

[3] “President Xi Jinping Holds Talks with Russian President Vladimir Putin”, Ministry of Foreign Affairs People’s Republic of China, 20 May 2026. Available at https://2u.pw/6MAwQc

[4] Robert McGreevy, “China deployed over 100 vessels near Taiwan in the wake of Trump-Xi summit, Taiwan security official claims”, Fox News, 23 May 2026. Available at https://2u.pw/tJidTe

[5] Alastair McCready and Yu-chen Li, “For anxious Taiwan, Trump’s silence after Xi talks is best possible outcome”, The Guardian, 14 May 2026. Available at https://2u.pw/PqD14J

[6] Amy Hawkins, “What was actually achieved at Trump and Xi’s ‘stalemate summit’ in Beijing?”,The Guardian, 15 May 2026. Available at https://2u.pw/rgyut9

Rep
أبعاد الخلافات داخل الحزب الجمهوري الأمريكي
21214
المقاربة الإثيوبية تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية
1111145
تراجع شعبية الرئيس "دونالد ترامب": رؤية تحليلية
455
التحركات الإثيوبية الراهنة في منطقة القرن الأفريقي
Scroll to Top