الرأي العام والذكاء الاصطناعي

31/10/2025

يشهد العالم في العقدين الأخيرين ثورة رقمية غير مسبوقة تُعدّ من أبرز سماتها بروز الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) بوصفه أحد أهم التحولات التكنولوجية التي غيّرت طبيعة الحياة الإنسانية في مختلف مجالاتها.

وقد تجاوز الذكاء الاصطناعي حدود البرمجة التقليدية ليصبح منظومة معرفية قادرة على التعلّم والتكيّف واتخاذ القرار بصورة شبه مستقلة، وهو ما جعله أداة إستراتيجية في القطاعات الاقتصادية والعسكرية والطبية والتعليمية والإعلامية على حدّ سواء. غير أنّ أحد أخطر وأعمق تطبيقات الذكاء الاصطناعي يتمثل في مجال صناعة وتوجيه الرأي العام، حيث باتت “الخوارزميات” قادرة على التأثير في إدراك الأفراد، وتشكيل تفضيلاتهم، وتوجيه سلوكهم الجمعي بطرق دقيقة ومتدرجة يصعب إدراكها بالوعي التقليدي.

إنّ الرأي العام يُعَدّ من المقومات الجوهرية في استقرار المجتمعات وتوجيه سياساتها، وهو يمثل انعكاسًا لتفاعل الجماهير مع القضايا العامة والمواقف السياسية والاجتماعية والثقافية. ومع التحول الرقمي الهائل في وسائل الاتصال، ولا سيّما انتشار منصات التواصل الإجتماعي مثل «فيسبوك» و«إكس (تويتر)» و«يوتيوب» و«تيك توك»، أصبح الفضاء العام ينتقل تدريجيًا من الساحات المادية إلى الفضاء الافتراضي، حيث تشكّل الآراء وتتداول المعلومات بسرعة غير مسبوقة.

وفي هذا السياق، ظهر الذكاء الاصطناعي كأداة مركزية في تحليل البيانات الضخمة (Big Data Analytics) والتعرّف على الأنماط السلوكية للمستخدمين، مما مكّن المؤسسات الإعلامية، والحكومات، والشركات من رصد اتجاهات الرأي العام والتأثير فيها بطرق علمية دقيقة.

وفي الحالة المصرية، تزايد الاهتمام الأكاديمي والسياسي بدراسة أثر الذكاء الاصطناعي على تشكيل الرأي العام في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الإعلامية الوطنية منذ عام 2015 وحتى اليوم، وقد أصبح الذكاء الاصطناعي جزءً من بنية الإعلام المصري الحديث من خلال خوارزميات التوصية (Recommendation Systems) في المنصات الإخبارية، وكذا استخدام تحليل المشاعر  (Sentiment Analysis)  في متابعة التوجهات الشعبية على شبكات التواصل، إضافة إلى روبوتات الدردشة الذكية (Chatbots) التي باتت تُستخدم في التواصل مع الجمهور وتوجيه الرسائل السياسية أو التسويقية بصورة مخصصة.

يثير هذا الاستخدام تساؤلات عميقة حول حدود التفاعل بين الذكاء الاصطناعي والإرادة الإنسانية، ومدى تأثير الخوارزميات على تشكيل الوعي الجمعي وصياغة مواقف المواطنين تجاه القضايا الوطنية والإقليمية.

كما أنّ التحليل النقدي لتجربة الذكاء الاصطناعي في توجيه الرأي العام يكشف عن بعدين رئيسين: الأول، بعد توظيفي إيجابي يتمثل في الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحسين التواصل بين الدولة والمجتمع، وتعزيز الشفافية عبر تحليل اتجاهات المواطنين وتقديم محتوى أكثر استجابة لاحتياجاتهم المعرفية. أما البعد الثاني، فهو بعد إشكالي أو نقدي يرتبط باحتمالات “تسييس التكنولوجيا”، وتوجيه الخوارزميات بصورة تخدم مصالح معينة أو توجهات محددة، بما قد يؤدي إلى خلق “فقاعات معلوماتية” (Information Bubbles) تحجب عن الجمهور التنوع في الرأي والمصادر، وتُسهم في تشكيل رأي عام موجه أو منحاز.

في ضوء ذلك، يمكن القول أنّ الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تطور تقني، بل أصبح ظاهرة اتصالية واجتماعية مركّبة تمسّ جوهر العملية الديمقراطية والثقافية في المجتمع المصري، وتفرض على الباحثين ضرورة تحليلها ضمن إطار علمي شامل يجمع بين العلوم السياسية، وعلم الاجتماع، ودراسات الإعلام، وعلوم الحاسب.

ومن ثمّ، تُعَدّ هذه الدراسة محاولة لفهم كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة لبناء رأي عام مستنير ومستنير تقنيًا يخدم التنمية والاستقرار، بدلًا من أن يتحول إلى وسيلة لتوجيه الإدراك الجمعي وفق أهداف غير معلنة.

العدد2
العدد 3
حزمة الحماية الاجتماعية في مصر 2025
الشائعات
الشائعات... استطلاع الرأي
Scroll to Top