ضغوط متزايدة: تأثير تطبيق “آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية” على دول الشرق الأوسط

26/11/2025

أطلق الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تُعرف بـ”آلية تعديل حدود الكربون”، في إطار سعي الاتحاد لتحقيق أهدافه المناخية الطموحة المتمثلة في الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2050، وخفض الانبعاثات بنسبة 55% بحلول عام 2030، وقد بدأت هذه الآلية مرحلتها الانتقالية في أكتوبر 2023، على أن تدخل حيز التنفيذ في يناير 2026، ومن المرجح أن يترتب على ذلك تغيّرات محورية في خريطة التجارة العالمية مع أوروبا.

ويأتي بدء تنفيذ هذه الآلية في توقيت شديد الحساسية، إذ أن المشهد العالمي يترقب تطورات الأوضاع الجيوسياسية، سواء فيما يتعلق بمدى صمود وقف إطلاق النار في غزة، وقياس مدى الالتزام به، أم اشتداد الحرب التجارية مرة أخرى بين الولايات المتحدة والصين، ويُثير هذا التوقيت مخاوف حقيقية بشأن القدرة على تحمّل الأعباء الاقتصادية الإضافية الناتجة عن تطبيقها، خاصةً بالنسبة لدول الشرق الأوسط التي لم تتعاف بعد من التداعيات الاقتصادية والإقليمية للحروب والنزاعات القائمة، مما يجعل تطبيق هذه الآلية في هذه المرحلة عبئًا مضاعفًا على اقتصادات تعاني بالفعل من ضغوط هيكلية حادة، كما يُخشى أن تتحول هذه الآلية إلى حاجز جديد من الحواجز التي تفرضها الدول المتقدمة على وارداتها من الدول النامية.

آلية تعديل حدود الكربون وأهدافها:

تُعرف آلية تعديل حدود الكربون “Carbon Border Adjustment Mechanism- CBAM” بأنها أداة تهدف إلى فرض رسم أو ضريبة على الواردات القادمة للاتحاد الأوروبي، من بعض القطاعات كثيفة الانبعاثات الكربونية، بهدف أن تتحمل المنتجات المستوردة نفس “التكلفة الكربونية” التي تتحملها المنتجات المماثلة المصنعة داخل الاتحاد الأوروبي، بهدف تحقيق تكافؤ الفرص بن المنتجين داخل الاتحاد الأوروبي، وخارجه، وتشجيع طرق الإنتاج الأكثر استدامة وحفاظًا على البيئة على مستوى العالم، وتنقسم آلية التطبيق إلى أكثر من مرحلة، وذلك كما يلي[1]:

  • المرحلة الانتقالية (أكتوبر 2023 – ديسمبر 2025): في هذه المرحلة لا يتم فرض أي رسوم مالية، ولكن يُلزم المستوردون في الاتحاد الأوروبي فقط بتقديم تقارير ربع سنوية توضح حجم الانبعاثات الدفيئة والمضمنة في البضائع، والسلع التي يستوردونها (الانبعاثات المباشرة وغير المباشرة)، على أن تُطبق آلية في البداية على واردات بعض السلع وبعض المواد الأولية المختارة التي تُعد عمليات إنتاجها كثيفة الانبعاثات الكربونية والأكثر عرضة لخطر تسرب الكربون، وتشمل: الحديد والصلب، والأسمنت، والألومنيوم، والأسمدة، والكهرباء، والهيدروجين.
  • مرحلة التطبيق الفعلي (تبدأ من يناير 2026): حيث سيُطلب من المستوردين الأوروبيين شراء شهادات آلية تعديل حدود الكربون، وتسليمها سنويًا لتعكس الانبعاثات المضمنة المتحقق منها في السلع المستوردة، وفي هذه المرحلة سيقوم مستوردين السلع في الاتحاد الأوروبي بالتسجيل لدى السلطة المركزية الأوروبية، حيث يمكنهم أيضًا شراء شهادات الكربون الأوروبية، وسيتم تحديد سعر هذه الشهادات بناءً على متوسط السعر الأسبوعي للمزادات الخاصة بحصص تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي، حيث يجب على المستورد تسليم عدد من الشهادات بما يعادل إجمالي الانبعاثات الكربونية المضمنة في تلك الشحنة.

ويتمثل الهدف الأساسي من هذه الآلية في منع تسرب الكربون، وهو ما يحدث عندما تنقل الشركات الإنتاج إلى الدول التي لديها لوائح بيئية أقل صرامة، وهذا لا يؤدي فقط إلى فقدان الوظائف والاستثمارات داخل أوروبا، بل يصعب أيضًا من تحقيق الهدف البيئي العالمي الذي يهدف إليه الاتحاد الأوروبي، حيث أن الانبعاثات فقط تنتقل من مكان إلى أخر، وبالتالي تسعى هذه الآلية إلى إزالة هذه الميزة التنافسية للشركات الاوروبية الذي ينقلون الإنتاج إلى الخارج، مما يشجعهم على البقاء داخل الاتحاد الأوروبي وزيادة حجم إنتاجهم بما يتوافق مع المعايير البيئية.

كما يهدف الاتحاد الأوروبي من خلال هذه الآلية إلى إرسال إشارة قوية إلى الشركاء التجاريين مفادها أن الوصول إلى السوق الأوروبية أصبح مرتبطًا بشكل كبير بالأداء البيئي، وبالتالي قد تُسهم هذه الآلية في دفع الدول النامية إلى تطوير آليات وطنية لتسعير الكربون وتنظيم انبعاثاته، بما يضمن توافق صادراتها مع المعايير البيئية الأوروبية وتجنب الأعباء الإضافية عند التصدير إلى الاتحاد الأوروبي.

التحديات المطروحة:

تبذل دول الشرق الأوسط جهودًا كبيرة لتقليص انبعاثات الكربون تشمل مشروعات لزراعة الأشجار، وتوسيع استخدام الطاقة المتجددة، وتقليل انبعاثات الميثان، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، الأمر الذي يُسهم في تحقيق أهداف الحياد الصفري والمساهمة في العمل المناخي العالمي، وعلى الرغم من ذلك، قد لا تكون هذه الدول مستعدة بشكل كافٍ لتطبيق الآلية الأوروبية الجديدة، إذ يُتوقع أن تواجه مجموعة من التحديات على النحو التالي:

  • تعتمد اقتصادات الشرق الأوسط بدرجة كبيرة على صادرات كثيفة استهلاك الطاقة مثل الأسمنت والحديد والصلب والألومنيوم والأسمدة والبتروكيماويات، فقد ارتفعت حصة دول المنطقة في توريد الحديد المسطح إلى الاتحاد الأوروبي لتصل عام 2023 إلى نحو 4.19 مليون طن (حوالي 45% من واردات الاتحاد الأوروبي من لفائف الحديد الساخنة)[2]، وتبرز تركيا كأحد أبرز الموردين، ومن المتوقع أن تتأثر هذه القطاعات بشكل كبير بتطبيق آلية الكربون الأوروبية، مما يضر بالمصدرين الإقليميين، كما أن توحيد التشريعات الأوروبية سيزيد من تعقيدات التوافق مع المعايير الجديدة، في حين أن ارتفاع تكاليف الكربون سيضعف القدرة التنافسية لصادرات المنطقة ويؤدي إلى تراجع الطلب عليها في الأسواق الأوروبية.
  • تواجه معظم دول المنطقة تحديات كبيرة في امتلاك نظم دقيقة للقياس والإبلاغ والتحقق من الانبعاثات الكربونية، أو ما يعرف بنظام (MRV) Measurement, Reporting, and Verification، حيث أن حوالي 50% من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعاني من نقص في البنى التحتية الداعمة[3]، كما أن معظم الدول النامية لا يوجد بها تشريعات محلية خاصة بتسعير الكربون أو تداول الانبعاثات مما يجعل وجود الكثير من التحديات أمام مواءمة متطلبات الاتحاد الأوروبي.
  •  التوقع بأن تواجه الدول تحديًا جوهريًا يتمثل في إثبات وتوثيق الأثر الكربوني الفعلي للطاقة المستخدمة في عمليات الإنتاج الصناعي، لا سيما في القطاعات الموجهة للتصدير إلى الاتحاد الأوروبي، فكلما ارتفعت نسبة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء المستخدم لتشغيل المصانع، انخفضت الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن الإنتاج، وبالتالي تراجعت التكلفة الضريبية ضمن آلية تعديل حدود الكربون (CBAM)، الأمر الذي يضع التحديات أمام توثيق واثبات هذا المحتوى النظيف من الطاقة بشكل دقيق ومطلوب من السلطات الأوروبية لضمان ان هذه الميزة النسبية تترجم فعلًا إلى تكلفة أقل للمصدرين الإقليميين.
  • ضعف توافر البيانات وغياب الإفصاح الشفاف عن الانبعاثات بما يمثل تحديًا جوهريًا أمام تطوير آليات تسعير الكربون في هذه الدول، فبينما تفتقر بعض الشركات إلى القدرات الفنية الكافية لرصد الانبعاثات وإعداد تقارير دقيقة بشأنها، قد تتردد شركات أخرى في الإفصاح العلني عن بياناتها البيئية خشية أن يؤدي ذلك إلى فرض تشريعات أو قيود تنظيمية أكثر صرامة من جانب الحكومات، ويؤدي هذا النقص في الشفافية إلى إضعاف القدرة على بناء قاعدة بيانات موثوقة تُستخدم كأساس لصياغة سياسات مناخية.

سيناريوهات مستقبلية:

السيناريو الأول: تأجيل أو تعطيل تطبيق الآلية بسبب الأوضاع الاقتصادية الراهنة:

يُرجح هذا السيناريو أن الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة في الشرق الأوسط ليست مواتية لتطبيق آلية تحديد الكربون، خاصةً في ظل التوترات الجيوسياسية الإقليمية والعالمية (مثل احتمالية عودة الصراعات المسلحة في الشرق الأوسط نتيجة التخوف من عدم التزام إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار) وحالة عدم اليقين التي يتسم بها المشهد الاقتصاد العالمي وحالة الترقب في الأسواق، إلى جانب التخوف من تصاعد الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، وما لكل ذلك من تداعيات اقتصادية على دول المنطقة الشرق الأوسط، بما يضعها أمام ضغوط معقدة، تقلل من قدرتها على استيعاب تكاليف إضافية جديدة تتعلق بالتحول المناخي.

وفي هذا السياق قد تتجه بعض دول المنطقة إلى الدعوة إلى تأجيل تنفيذ الآلية أو إعادة تقييمها استنادًا إلى مبدأ “العدالة المناخية”، الذي يعترف بتفاوت القدرات والمسئوليات بين الدول، كما أن فرض الآلية في الوقت الراهن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج والسلع النهائية مما قد يُضعف القدرة التنافسية لصادراتها للاتحاد الأوروبي، وحتى إن استطاعت الدخول إلى أسواق تلك الدول، يؤدي ذلك إلى ضغوط تضخمية إضافية، إلى جانب التأثير السلبي المحتمل على القدرة التنافسية لصادرات منطقة الشرق الأوسط إلى الخارج بشكل عام في وقت تعاني فيه من اختلال في موازين مدفوعاتها، ويدفع ذلك نحو تبني نهج حذر أو مرحلي في التطبيق حتى تتضح ملامح الاستقرار الإقليمي والدولي.

السيناريو الثاني: التكيف التدريجي من خلال سياسات انتقالية:

يفترض هذا السيناريو أن معظم دول الشرق الأوسط ستتبنى نهجًا تدريجيًا للتكيف مع هذه الآلية، بحيث يتم الموازنة بين الالتزامات البيئية والحفاظ على القدرة التنافسية للصناعات المحلية لدول المنطقة، ويُرجح أن تركز دول المنطقة في هذا الإطار على تحسين القدرات الرقابية والمؤسسية من خلال تطوير نظم رصد الانبعاثات والتحقق منها MRV، وتشجيع رفع كفاءة الطاقة في القطاعات التصديرية الكبرى كالألومنيوم والأسمنت والصلب، كما يُتوقع أن تتنافس في جذب التمويل الأخضر والتقنيات النظيفة عبر شراكات مع الاتحاد الأوروبي أو المؤسسات المالية الدولية للتخفيف من أعباء تطبيق الآلية، ومع ذلك فإن تطبيق ذلك الأمر قد يؤدي إلى ارتفاع نسبي في الأسعار المحلية، إلا أنه يعتبر خيارًا واقعيًا في الوقت الراهن.

السيناريو الثالث: التحول الهيكلي ودمج الآلية في استراتيجية التنمية طويلة الأمد: 

يتصور هذا السيناريو أن بعض دول الشرق الأوسط لا سيما الاقتصادات الأكثر تنوعًا ستنجح في تحويل آلية تحديد الكربون إلى فرصة استراتيجية لإعادة هيكلة اقتصاداتها  نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات الكربونية، وقد يرتكز هذا التوجه على دمج سياسات تسعير الكربون المحلية ضمن الخطط التنموية، وتوسيع الاستثمارات في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، ورغم ما قد يترتب عليه من تكاليف انتقالية مرتفعة في الأجل القصير، فإن هذا السيناريو قد يُسهم في تعزيز مرونة اقتصاديات دول الشرق الأوسط على المدى الطويل و تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

يُرجح أن يكون السيناريو الثاني هو الأقرب للتحقق، وهو الذي ستتبنى فيه دول الشرق الأوسط نهجًا تدريجيًا للتكيف مع آلية تعديل حدود الكربون، بحيث يتم التوازن بين ما تمليه هذه الآلية من الحفاظ على البيئة والمناخ، وبين الحفاظ على القدرة التنافسية لصادرات منطقة الشرق الأوسط، ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الانعكاس السلبي على صادرات دول المنطقة وموازين مدفوعاتها، إذ يُحتمل أن تختلف حدة التأثير من دولة لأخرى، وعليه، فإن الدول التي ستتمكن من التكيف  بشكل أسرع مع متطلبات هذه الآلية، ستتمكن من الحد من الأضرار المحتملة على اقتصاداتها.

وختامًا،  يتضح أن قرب تطبيق آلية تحديد الكربون الأوروبية، يضع دول الشرق الأوسط تحت ضغوط ما بين متطلبات التحول البيئي وانعكاسات الوضع الاقتصادي والسياسي،  وبينما تمثل الآلية خطوة مهمة نحو خفض انبعاثات الكربون عالميًا، فإنها تزيد من التحديات التي تواجهها المنطقة، بدءًا من ضعف البنية المؤسسية والقدرات الفنية لرصد الانبعاثات، مرورًا بصعوبة توثيق المحتوى النظيف للطاقة، وصولًا إلى الضغوط على القطاعات التصديرية الحيوية، وتُظهر السيناريوهات المطروحة أن مسار التكيف لن يكون موحدًا بين جميع الدول، إذ أنه من المرجح أن تتفاوت الدول بين التأجيل الحذر، والتدرج المرحلي، والتحول الهيكلي،  ومن ثم، فإن مدى نجاح دول الشرق الأوسط في مواجهة هذه التحولات يتوقف على قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين التزاماتها المناخية وحماية استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.


[1]  “Carbon Border Adjustment Mechanism: The EU’s environmental policy tool for fair carbon emissions pricing”, European Commission. Available at: https://taxation-customs.ec.europa.eu/carbon-border-adjustment-mechanism_en#why-cbam

[2] Julia Bolotova, Serife Durmus and the Fastmarkets team, “MENA steel suppliers well positioned to grab bigger share of EU market during green transition”, Fast Markets. 9 August 2024. Available at: https://www.fastmarkets.com/insights/mena-steel-suppliers-well-positioned-to-grab-bigger-share-of-eu-market/

[3] “Navigating Article 6: Opportunities for the Middle East and North Africa”, World Economic Forum. November 2023. Available at https://www3.weforum.org/docs/WEF_Navigating_Article_6_Opportunities_for_the_Middle_East_and_North_Africa_2023.pdf

4555
المناطق الاقتصادية الحدودية وتسوية الصراعات بين دول الجوار
1234
النفط الفنزويلي وتعزيز النفوذ الأمريكي في أسواق الطاقة العالمية
121212
مقاربة اقتصادية: استراتيجية الأمن القومي الأمريكية 2025
Pax
صراع مستمر: المعادن النادرة بين الهيمنة الصينية وتحالف "باكس سيليكا"
Scroll to Top