يُعد أمن الطاقة أحد المفاهيم المحورية في الدراسات الاستراتيجية والاقتصادية، إذ يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية لاستقرار الدول ونموّها وقدرتها على استدامة مساراتها التنموية.
ويُعرَّف أمن الطاقة، في أبسط صوره، بأنه ضمان توافر مصادر الطاقة بشكل مستدام، وبأسعار مناسبة، ومن دون تعرّض الإمدادات لتهديدات داخلية أو خارجية.
ومع التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي، وتعقّد المشهد الجيوسياسي المحيط بمصادر الطاقة، اتسع هذا المفهوم ليشمل قضايا أكثر عمقًا، مثل تنويع مزيج الطاقة، والتحول نحو مصادر نظيفة، وتقليل الانبعاثات، وتعزيز كفاءة الاستخدام.
وفي هذا الإطار تأتي التجربة المصرية مثالًا بالغ الأهمية لدولة تعمل على إعادة صياغة استراتيجياتها للطاقة بما يتوافق مع متطلبات الأمن القومي ومعايير الاستدامة.
لقد شهد قطاع الطاقة في مصر خلال العقود الأخيرة تحديات مركّبة، تمثلت في تزايد الطلب على الكهرباء والوقود نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني والصناعي، في مقابل ضغوط على قدرات الإنتاج التقليدية. وقد بلغ هذا التحدي ذروته خلال مطلع العقد الماضي، حين عانت البلاد من نقص في الكهرباء وتقلبات في إمدادات الوقود، الأمر الذي سلط الضوء على هشاشة المنظومة وضرورة إصلاحها بصورة جذرية.
وبالفعل، تبنت الدولة المصرية منذ عام 2014 رؤية استراتيجية شاملة لإعادة هيكلة قطاع الطاقة، كان من أبرز ملامحها التوسّع في قدرات التوليد، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، وتحقيق الاكتشافات الغازية الكبرى التي أعادت لمصر موقعها كمركز إقليمي للطاقة، وعلى رأسها اكتشاف حقل «ظهر» في البحر المتوسط وغيرها من الحقول الجديدة.
ومع انتقال مصر من مرحلة تأمين الاحتياجات الأساسية إلى مرحلة التخطيط طويل المدى، أصبح مفهوم أمن الطاقة يتجاوز الاعتبارات التقليدية للعرض والطلب، ليرتبط بمسائل أعمق مثل تنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وزيادة مساهمة الطاقة الجديدة والمتجددة في المزيج الوطني.
وقد انعكس ذلك في التوسع السريع لمشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتحديد حصة واضحة للطاقة النظيفة ضمن الاستراتيجية القومية. كما تبنت مصر سياسات للربط الكهربائي مع دول الجوار، بما يعزز مرونة الشبكة الوطنية ويجعل من البلاد محورًا إقليميًا لتداول الطاقة.
ورغم هذه الخطوات المهمة، لا يزال تحقيق أمن الطاقة في مصر يواجه مجموعة من التحديات، من بينها الحاجة إلى تطوير البنية التحتية بوتيرة أسرع، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة في القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي ومتطلبات التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون. كذلك يفرض السياق الدولي – خاصةً التحولات العالمية في أسواق الغاز والطاقة المتجددة – ضرورة تبني سياسات أكثر ديناميكية تستجيب للتقلبات الجيوسياسية والاقتصادية.
إن تناول أمن الطاقة في مصر أصبح ضرورة بحثية ملحّة ليس فقط لفهم التحولات التي مر بها هذا القطاع الحيوي، بل أيضًا لتحليل أثره المباشر في التنمية الشاملة، والأمن القومي، والقدرة التنافسية للاقتصاد المصري في بيئة عالمية سريعة التغير.
ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة في تقديم تحليل معمّق لمفهوم أمن الطاقة في السياق المصري، واستكشاف التحديات الراهنة، وتقييم السياسات المتبعة، ورصد الفرص المستقبلية التي يمكن أن ترسّخ مكانة مصر كفاعل رئيس في منظومة الطاقة الإقليمية والدولية.
العدد-3

