العالم العربي ومصر .. مؤشرات واتجاهات عام 2026

18/12/2025

يتجه العالم خلال عام 2026 إلى التعايش مع الصراعات والأزمات، مع عدم التوقع بحدوث تغييرات هيكلية حقيقية في مسار الأزمات العربية الراهنة، سواء في سوريا أم غزة أم اليمن أم ليبيا، وغيرها من مناطق الصراعات العامة في الإقليم، خاصةً أن القدرة على تفكيك عناصر الأزمة تحتاج إلى ضوابط ومعايير لم تُطرح بعد، كما لا توجد فرص حقيقة للتعامل أو محاولة تجزئة الخيارات والحلول، فأغلب صراعات العالم العربي باتت لها امتدادات دولية وإقليمية.

وتُشير التوقعات إلى تزايد التدخل الخارجي في أزمات المنطقة العربية المُعقدة، خاصةً أن عام 2025 قد شهد تحولات عميقة في النظام الإقليمي العربي، حيث اتسم باستمرار حالة “السيولة” السياسية والأمنية، وتراجع مركز القرار العربي المُوحد، في مقابل صعود نفوذ قوى إقليمية غير عربية (مثل: تركيا وإيران)، إلى جانب القوى الدولية (الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند وباكستان)، التي تتصارع فيما بينها على الحضور والنفوذ في المنطقة العربية وبما جعلها حلبة تنافس، وتهديدًا لوحدة النظام الإقليمي العربي بل وهيبته.

وصحيح أن المنطقة العربية ما زالت تواجه خيارات صعبة ومعقدة، خاصةً أن الأزمات تتداخل فيها الأبعاد التاريخية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وتوفر البيئة المواتية لحدوث أزمات إنسانية عميقة، وتحديات تهدد استقرار المنطقة بأكملها، وبما يجعل المنطقة العربية في حاجة مُلحة إلى مناخ جديد، ونهج سياسي مختلف، بل ومراجعات جادة لمبادرات الحل في غزة واليمن وسوريا وباقي المناطق المأزومة، إضافةً إلى امتلاك القدرة على فرض الحلول.

إن حل هذه الأزمات يتطلب مسارات تعامل عربية واضحة، تتضمن حوارًا داخليًا، ووساطة ومصالحة، وتعزيز الثقة، والتعاون الاقتصادي والثقافي، وتطبيق استراتيجيات إدارة الأزمات العلمية، مع التركيز على الشفافية، والعدالة، وحقوق الإنسان كركائز أساسية لإعادة بناء الثقة وتحقيق الاستقرار المستدام، للخروج من دائرة الصراعات نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.

إن الدول العربية الرئيسة والمسئولة، وفي مقدمتها مصر، تبذل قصارى جهدها للتوصل إلى حلول وتهدئة للأزمات الراهنة والمتوقعة، ولعل ما يجري في المقاربة المصرية تجاه القضية الفلسطينية، وتأكيدها الدائم على الخيارات العربية أولًا في مواجهة الشرق أوسطية كفكرة وأيديولوجية تدعو لها بعض القوى الإقليمية والدولية مثالًا واضحًا على ذلك، حيث تدفع مصر في اتجاه فرض الحل العربي في كل القضايا الراهنة. كما تبرز دول عربية رئيسة مثل مصر والسعودية والجزائر كقوى مركزية تقود ديناميكيات النظام الإقليمي العربي في مواجهة المتغيرات الدولية.

تواجه الخيارات العربية تحديات دولية وإقليمية معقدة، وتتراوح بين الرهان على التحالفات الدولية، أو التوافق العربي لتحقيق أمن جماعي، أو اعتماد استراتيجيات مرنة كالتكيف الإيجابي عبر الدبلوماسية والقانون الدولي. وبشكلٍ عام، تتجه الخيارات العربية نحو مسارات تتجاوز الاعتماد على طرف واحد، نحو رؤية شاملة تعزز القوة الذاتية، مع محاولة إيجاد توازن بين المصالح الذاتية والمسؤوليات الجماعية، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، فالخيار العربي ليس “صداميًا”، بل يعتمد على تنويع الشركاء، وتحويل المنطقة من ساحة للصراع الدولي إلى مركز ربط تجاري ولوجستي عالمي عبر مشروعات دولية، تُسهم في تعزيز حالة الاستقرار، ودفع مسارات التنمية المستدامة.

في ظل هذه البيئة الإقليمية والدولية المضطربة، كان التوجه الاستراتيجي المصري بالإبقاء على الخيارات الوطنية وتعزيزها، وبما يعني التوجه نحو الاعتماد على الذات في مجالات متنوعة، ووضع معايير جودة وطنية خاصة بمصر بالاستفادة من الخبرات العالمية، مع تطوير القدرات العسكرية عبر تنويع مصادر التسلح (الأمريكي، والروسي، والصيني) مع التقييم المستمر للمخاطر، والتركيز أيضًا على بناء قدرات وطنية في قطاعات حيوية.

وخارجيًا، تركز مصر على مبدأ “الاتزان الاستراتيجي”، باعتباره النهج الذي يضمن للدولة المصرية الحفاظ على مصالحها الوطنية في ظل تحديات إقليمية ودولية متزايدة، وتبني مبدأ الندية والاحترام المتبادل، والالتزام بسيادة الدول ورفض التدخل في الشئون الداخلية، مع التأكيد على أن أمن مصر جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة العربية، مع تعميق الحضور الفاعل في القارة الإفريقية.

وتهتم مصر بمواصلة دورها كوسيط محوري للتهدئة في غزة، مع الرفض القاطع لتهجير الفلسطينيين والدعوة لتشكيل “قوة استقرار” ودعم حل الدولتين ومسارات التسوية السياسية، إضافةً إلى السعي لتشكيل حكومة موحدة في ليبيا، ووقف التصعيد في السودان، كما ستظل قضية مياه النيل أولوية قصوى، حيث تتبع مصر تحركات دبلوماسية مكثفة للدفاع عن حقوقها المائية ضد الإجراءات أحادية الجانب من قبل إثيوبيا. إلى جانب تبني مصر سياسة تنويع الشراكات من خلال بناء علاقات متوازنة مع القوى الكبرى (الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي) وتجنب الاستقطاب الدولي.

ختامًا، فإن عام 2026 سيكون عامًا محوريًا في المشهد المصري، وسيمثل نقطة تحول تجمع بين إعادة تشكيل المؤسسات التشريعية والانتقال إلى مرحلة “جني ثمار” الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية، حيث تتوقع المؤسسات الدولية (مثل فيتش وصندوق النقد) نموًا يتراوح بين 4.7% إلى 5.2% في العام المالي 2025/2026، مع انخفاض ملحوظ في معدلات التضخم، ومن المتوقع تشغيل مشروع الربط الكهربائي مع السعودية في عام 2026، مما يعزز من مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة. إن عام 2026 سيكون عام “إدارة الاستقرار”، حيث تسعى الدولة المصرية لترسيخ المكاسب السياسية والاقتصادية.

general Tarek abd El azeem
الدبلوماسية الرئاسية وصورة مصر الدولية
dr
المتحف المصري الكبير: هدية مصر للعالم ومدخل إلى الحضارة الخالدة
general Tarek abd El azeem
مقاربة حقيقية: تحالفات تتشكل وترتيبات تُعد بمنطقة الشرق الأوسط
general Tarek abd El azeem
الاتفاق السعودي الباكستاني وإشكاليات الاستقرار الإقليمي
Scroll to Top