تشهد الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة إعادة تموضع سياسي / عملياتي، تزامنت مع الإعلان الروسي عن السيطرة على مدينة سيفيرسك في 11 ديسمبر 2025، وهي خطوة تحمل دلالات تكتيكية على مستوى شمال إقليم دونيتسك، ففي الوقت الذي تسعى فيه موسكو إلى توظيف هذا التقدم الميداني لتعزيز موقفها التفاوضي، تتحرك الولايات المتحدة لدفع إطار أولي لاتفاق سلام يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار واحتواء التصعيد، في حين تمارس الدول الأوروبية ضغوطًا موازية لضمان تضمين أي تسوية محتملة بنودًا تحافظ على مصالحها الأمنية والاقتصادية داخل أوكرانيا وعلى حدودها الشرقية.
يعكس هذا التزامن بين التحركات العسكرية والجهود الدبلوماسية – بالأفكار الأمريكية والأوروبية – حالة من التفاعل المتبادل بين الميدان والسياسة، حيث لم يعد التقدم العسكري هدفًا بحد ذاته بقدر ما أصبح أداة لإعادة تشكيل ميزان التفاوض، بينما تحاول الأطراف الغربية موازنة دعمها لكييف مع السعي إلى تجنب انزلاق الصراع نحو مرحلة تصعيد أوسع أو أطول أمدًا، عبر إعادة تدوير بعض الأفكار المتعلقة بالتجاوب الحذر مع مطالب طرفي الحرب.
مؤشرات عملياتية:
عقد الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” اجتماعًا مع مختلف مستويات قادة مجموعة القوات المشتركة الروسية في 11 ديسمبر 2025، وقد أكد قائد مجموعة القوات الجنوبية الروسية، الفريق “سيرغى ميدفيديف” خلال الاجتماع أن عناصر من الجيش الثالث المشترك الروسي – التابع للمنطقة العسكرية الجنوبية – استولت على منطقة سيفيرسك الأوكرانية، التي تقع في شمال دونيتسك، كما أكد قائد الجيش الثالث المشترك، الفريق “إيغور كوزمينكوف” أيضًا أن القوات الروسية طوقت سيفيرسك من الشمال والجنوب لقطع خطوط الاتصال البرية الأوكرانية وتجنب حرب المدن، حيث اعتمدت قواته بشكل كبير على الطائرات المُسيرة والمدفعية والغارات الجوية لتسهيل التقدم بالقرب من سيفيرسك وداخلها.

على الجانب الآخر، رفض المتحدث باسم الفيلق الحادي عشر للجيش الأوكراني، ما أسماه بالمزاعم الروسية بالسيطرة على سيفيرسك في 11 ديسمبر، وأكد أن القتال مستمر في جميع أنحاء المدينة، وأن القوات الروسية تستغل سوء الأحوال الجوية شبه المستمر للتسلل إلى المدينة، كما أفاد أيضًا بأن القوات الروسية تتسلل في مجموعات صغيرة، وترفع الأعلام بشكل استعراضي للتأكيد على سيطرتها على المنطقة، ولتحقيق أهداف إعلامية.
وعلى الرغم من تشكيك الجانب الأوكراني في إعلان روسيا الاستيلاء على منطقة سيفيرسك، فإنه من المرجح أيضًا حدوث تقدم بري روسي على الأرض ارتباطًا بتأكيدات كبار القادة العسكريين الروس خلال اجتماعهم مع الرئيس بوتين، كما يهدف الإعلان الروسي إلى تكثيف الضغوط المعنوية على القوات الأوكرانية بالمنطقة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تمهيد الطريق لتطوير العمليات الهجومية تجاه منطقة سلوفيانسك، أقصى شمال منظومة الدفاع الأوكراني المتدرج، القائمة على المدن الحصينة في مقاطعة دونيتسك، كما تمثل مدينة سيفيرسك أهمية عملياتية للجانبين، التي تتمثل في موقعها الجغرافي حيث تقع في شمال دونيتسك، وتشكّل عقدة ربط بين (ليمان شمالًا، وباخموت جنوبًا، وكراماتورسك – سلوفيانسك غربًا) مما يجعلها المدخل الرئيس إلى العمق الدفاعي الأوكراني في شمال دونباس، كما أن سيطرة القوات الروسية عليها يمنحها الآتى:
- إزالة أحد أهم رؤوس الدفاع الأمامية الأوكرانية شرق كراماتورسك.
- احتلال نقاط مرتفعة نسبيًا تُستخدم للرصد وتوجيه نيران المدفعية.
- تأمين الجناح الشمالي لمحور باخموت / تشاسيف يار.
- تقليص قدرة أوكرانيا على المناورة بين ليمان وباخموت.
- فتح محور هجوم باتجاه سلوفيانسك من الشرق.
- دعم عمليات تطويق تدريجي لخط كراماتورسك / دروجيكيفكا.
- ربط الجهود العملياتية بين القوات الشمالية في منطقة ليمان والقوات الجنوبية في محور باخموت / تشاسيف يار.
مجمل ما سبق يُشير إلى أن السيطرة على سيفيرسك تمثل مكسبًا تكتيكيًا ذو قيمة عملياتية،
ومع ذلك فإنها لا تمثل وحدها تغيّرًا في مسار الحرب والسيطرة على الأرض، حيث يتوقف الأمر على مدى قدرة القوات الروسية في تثبيت السيطرة بالمنطقة، واحتواء الهجمات الأوكرانية المضادة، وربط هذا المكسب بمحاور أوسع في اتجاه الغرب (محور سلوفيانسك / كراماتورسك).
الضغط الغربي كأداة لإعادة تشكيل موازين الصراع:
أشار معهد دراسات الحرب (ISW) إلى أن تقدم القوات الروسية خلال عام 2025 في مساحة تبلغ نحو 4652.2 كم مربع، منها ما يقرب من 80% في ستة اتجاهات فقط (ليمان، وكوستيانتينيفكا، وبوكروفسك، ونوفوبافليفكا، وأوليكساندريفكا، وهوليابولى)، كما سيطرت على حوالي 964.01 كم مربع خلال عام 2025 في الاتجاهات العشرة المتبقية، أي ما يُعادل 21% فقط من إجمالي التقدم الروسي، وتشمل هذه الاتجاهات (سومي، وشمال مقاطعة خاركيف، وفيليكي بورلوك) حيث فشلت القوات الروسية في تحقيق مكاسب كبيرة على الرغم من الجهود المعلنة لإنشاء مناطق عازلة قرب الحدود الأوكرانية الروسية، واتجاه خيرسون، كما حققت أكبر تقدم ملحوظ في اتجاهات (بوكروفسك، ونوفوبافليفكا، وأوليكساندريفكا) وهي مناطق حشدت فيها القوات الروسية قوة قتالية تعادل جيشين من الأسلحة المشتركة، وخصصت وقتًا وجهدًا كبيرين للتقدم[1].
تزامن ذلك التطور النوعي مع ضغوط العمليات البرية والجوية الروسية على مختلف محاور القتال وفي العمق الأوكراني، تكثيف التحركات الأمريكية لتمرير خطة للسلام التي بدأت بمبادرة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” وطُرحت في أواخر شهر أكتوبر 2025، وتضمنت نحو 28 بندًا.
وقد قوبلت المبادرة بعدد من ردود الأفعال، من أبرزها: إعراب حلفاء أوكرانيا عن قلقهم إزاء الخطة الأمريكية، وأكدوا في بيان مشترك صدر يوم 22 نوفمبر في قمة مجموعة العشرين بجنوب أفريقيا أن المسودة تُشكل أساسًا يتطلب عملًا إضافيًا، وأعلنوا استعدادهم للمشاركة لضمان استدامة السلام في المستقبل، كذا رفض مبدأ تغيير الحدود بالقوة، بالإضافة إلى القلق إزاء القيود المقترحة على القوات المسلحة الأوكرانية، ويشير هذا الموقف إلى تحسب الجانب الأوروبي من فقدان الدعم الأمريكي مستقبلًا، في ظل تأكيد الرئيس ترامب على أنه في حال رفض الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” للخطة يمكنه مواصلة القتال وهو في حالة ضعف، فإنه ترك مجال للنقاش حول بعض البنود خلال إشارته أن هذه الخطة ليست العرض النهائي[2]، وإن تضاربت تصريحاته بشأن التوصل إلى 90% من الاتفاق بين الجانبين.
وعلى الرغم مما تُشير إليه بنود الخطة الأمريكية من تلبية للمطالب الروسية (جزئيًا) السابق إعلانها لوقف الحرب في أوكرانيا (مثلت حينها الأسباب الجذرية للحرب، وتضمن أبرزها: منع أوكرانيا من الانضمام إلى الناتو أو أي تحالف عسكري غربي، وتقييد قدرات الجيش الأوكراني، والاعتراف بالسيطرة الروسية على بعض الأراضي التي احتلتها روسيا منذ 2014 أو خلال الحرب الحالية)، فإن الجانب الروسي ممثلًا في قياداته السياسية / التشريعية قد تعامل المبادرة الأمريكية بكثير من الحذر، حيث أكد بوتين يوم 21 نوفمبر استلام موسكو للخطة الأمريكية، وعقد اجتماعًا لمجلس الأمن الروسي وتناول خطة السلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا، كما أكد أن موسكو مستعدة “لإظهار المرونة”، لكنها مستعدة أيضًا لمواصلة القتال، خاصةً مع ترقبها للأفكار الأمريكية بإدخال أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي بدلًا من التحاقها بالناتو.
عقب ذلك، كثفت الولايات المتحدة من جهودها للتفاوض مع كافة الأطراف بشأن خطة السلام المقترحة، من أبرز هذه الجهود: عقد محادثات في جنيف يوم 23 نوفمبر ضمت ممثلين من الولايات المتحدة وأوكرانيا ودول أوروبية لمناقشة بنود خطة السلام الأمريكية، وتعديلها (من 28 بندًا إلى حوالي 20 بندًا بعد المشاورات) في محاولة للتوصل إلى إطار تفاوضي أوسع وأكثر قبولًا، كما عُقدت مباحثات بين الوفدين الأمريكي والأوكراني في ولاية فلوريدا بالولايات المتحدة يوم 4 ديسمبر لبحث النسخة المعدّلة من الخطة التي تم التوصل إليها في جنيف، وزيارة المبعوث الأمريكي لروسيا مرتين خلال الفترة (26 نوفمبر حتى 1 ديسمبر) لبحث تفاصيل الخطة المعدّلة.
في ذات السياق، علق الرئيس الأوكراني زيلينسكي على خطة السلام المعدلة، حيث صرح في 8 ديسمبر بأن هذه الخطة تتضمن 20 بندًا، وأوضح أن القضايا الإقليمية لا تزال عالقة، وأن القوات الأوكرانية تقاتل من أجل عدم التنازل عن أي أراضٍ أوكرانية، وأشار إلى أن روسيا تمارس ضغوطًا عسكرية وإعلامية ودبلوماسية على أوكرانيا للتنازل عن كامل مقاطعة دونيتسك، وأشار أيضًا إلى وجود مقترح حاليًا “لتبادل” محطة زابوريزهيا النووية التي تحتلها روسيا، وجزء من الأراضي التي تحتلها القوات الروسية، مقابل أجزاء من مقاطعة دونيتسك لا تسيطر عليها القوات الروسية حاليًا، كما أكد على أهمية الضمانات الأمنية لأوكرانيا في مرحلة ما بعد الحرب، والتي من أهمها توفير مظلة أمنية وشراكة أوروبية مباشرة وإجراءات وتدابير واضحة.
كما أعلن زيلينسكي في 9 ديسمبر عن استعداد بلاده للموافقة على “هدنة طاقة” مع روسيا، وألمح إلى أن أوكرانيا ستوقف ضرباتها ضد البنية التحتية للطاقة الروسية إذا أوقفت روسيا ضرباتها ضد البنية التحتية للطاقة الأوكرانية، الأمر الذي رفضه المتحدث باسم الكرملين في 10 ديسمبر. فيما رفض وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف” فعليًا سبعة بنود من خطة السلام الأمريكية في 11 ديسمبر، بما في ذلك بنود الخطة الأصلية المتعلقة بتبادل الأراضي على أساس خط التماس، وتوفير ضمانات أمنية موثوقة لأوكرانيا، حيث أشار إلى رفض البنود التالية:
- تجميد خط التماس الحالي في منطقتي زابوريزهيا وخيرسون.
- إعادة تشغيل محطة زابوريزهيا للطاقة النووية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية
بدلًا من روسيا. - الاكتفاء بإلزام حلف الناتو بوقف التوسع بدلًا من الإصرار على تقليص حدوده إلى ما قبل
عام 1997. - السماح بتمركز الطائرات المقاتلة الأوروبية في بولندا.
- توفير ضمانات أمنية موثوقة لأوكرانيا، وإعادة التأكيد على طرح البدائل الخاصة بإلحاقها بالاتحاد الأوروبي بدلًا من الناتو، بالرغم من معارضة بعض دول الاتحاد حتى الآن.
- قبول لوائح الاتحاد الأوروبي بشأن حماية الأقليات الدينية كأساس مطلوب للسيادة الأوكرانية.
وفى خطوة لتكثيف الضغوط على روسيا، وافق الاتحاد الأوروبي في 12 ديسمبر على تجميد أصول روسية بقيمة 210 مليارات يورو لأجل غير مسمى، وذلك لتقديم قرض تعويضات لأوكرانيا يصل إلى 165 مليار يورو، كما وافق أيضًا على تفعيل المادة 122 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، التي تسمح له بتمديد تجميد الأصول الروسية لأجل غير مسمى.
ختامًا، فإنه من المرجح أن تركز القوات الروسية خلال المرحلة الحالية على تثبيت السيطرة على سيفيرسك عبر استكمال تطهير جيوب المقاومة، وتأمين المحيط المباشر (احتلال المرتفعات وتأمين طرق الإمداد)، مع العمل على تعزيز الدفاعات ضد الهجمات المضادة الأوكرانية والتوسع التدريجي غربًا باتجاه سلوفيانسك عبر هجمات متتابعة بعناصر قتالية صغيرة، دون الاندفاع الواسع، تحسبًا من حدوث خسائر في صفوف قواتها (وهو التكتيك الذي تعمل عليه القوات الروسية خلال الفترة الأخيرة)، مع الاستمرار في تكثيف الهجمات الصاروخية والجوية لاستهداف البنية التحتية الأوكرانية خاصة الطاقة بما يضمن امتلاك أوراق ضغط قوية خلال أي مفاوضات مقبلة.بالتوازي مع استمرار المحاولات الأمريكية / الغربية لتمرير مقترح السلام الأمريكي، إلا أن ذلك يواجه بالرفض الروسي حال عدم تحقيق مطالبه المعلنة.
[1] “Russian Offensive Campaign Assessment, December 11, 2025”, Institute for the Study of War. 11 December 2025. Available at https://understandingwar.org/research/russia-ukraine/russian-offensive-campaign-assessment-december-11-2025/
[2] Ivanna Kostina and Kateryna Tyshchenko, “Trump says his “peace plan” is far from a final proposal”, Ukrainska Pravda. 22 November 2025. Available at https://www.pravda.com.ua/eng/news/2025/11/22/8008556

