مجلس السلام: التوقيت والدلالات

29/01/2026

أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عن إنشاء ما أسماه “مجلس السلام” وذلك خلال مشاركته في فعاليات منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، في خطوة قدّمها باعتبارها إطارًا دوليًا جديدًا يهدف إلى تسوية النزاعات وتعزيز الاستقرار العالمي عبر مقاربة “براجماتية” ترتكز على المصالح الاقتصادية والأبعاد السياسية، بدلًا من التدخلات العسكرية التقليدية.

تفاعلات دولية:

وفقًا للرئيس “ترامب” سيضم المجلس شخصيات سياسية واقتصادية بارزة، إلى جانب قادة سابقين ورجال أعمال، على أن يعمل كمنصة غير تقليدية للوساطة في النزاعات الدولية، وربط السلام بالتنمية والاستثمار، معتبرًا أن الازدهار الاقتصادي هو الطريق الأقصر لإنهاء الصراعات. وسيولي المجلس اهتمامًا خاصًا بالنزاعات المزمنة في الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية، وبعض مناطق آسيا، مع التركيز على استخدام أدوات الضغط الاقتصادي، والصفقات التجارية، وضمانات الأمن، بدلًا من الاعتماد على الأطر التقليدية متعددة الأطراف، التي وصفها “ترامب” بأنها بطيئة وغير فعالة.

وقد دخل ميثاق المجلس حيز التطبيق وأصبح المجلس منظمة دولية رسمية تعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة، وإن كان الرئيس “ترامب” قد أكد على أن هذا المجلس لا يهدف إلى أن يكون بديلًا تامًا للأمم المتحدة، لكنه سيعمل “بالتنسيق معها”، مع توسيع محتمل لمهامه في التعامل مع نزاعات عالمية أخرى بعد البداية في غزة، حيث أعلن الرئيس “ترامب” أن مجلس السلام سيقوم بمهمة إدارة عملية السلام في قطاع غزة، بناءً على خطة أمريكية تضم أكثر من 20 بندًا للتعامل مع وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار والتنمية، ويتضمن المجلس أيضًا التنسيق الاستراتيجي والمالي بين الدول الأعضاء والمساهمات الدولية لضمان تنفيذ هذه الخطة، مع الإبقاء على إشراف دولي أوسع عبر الأمم المتحدة.

وسيعمل المجلس على تشكيل حكومة انتقالية في غزة، ونشر قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار، وتعبئة الموارد للاستثمار وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع، تحت إشراف ومسئوليات دولية مشتركة.

على الرغم من الترويج والإعلان المكثف للمجلس، فإن مشاركة الدول في مجلس السلام جاءت أقل من التوقعات التي كانت تسعى لها الولايات المتحدة، حيث حضر ممثلون عن أقل من 20 دولة من أصل نحو 60 دولة تمت دعوتها، وجاءت غالبية الوفود المشاركة من دول الخليج وبعض دول أمريكا اللاتينية وآسيا.

من بين القضايا البارزة التي ظهرت خلال التوقيع هو رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” طلب الولايات المتحدة حضور الرئيس الإسرائيلي “إسحاق هرتسوغ” حفل تدشين مجلس السلام الخاص بقطاع غزة على الرغم من وجود اسمه في قائمة الدعوات، مما أوجد توترًا دبلوماسيًا عابرًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل قبل الحدث بساعات. كما أعربت عدة دول غربية مهمة عن تحفظها أو رفضها الانضمام رسميًا إلى المجلس، وهو ما ظهر في موقف فرنسا التي أعلنت أنها لن تنضم للمجلس في الوقت الحالي لأن ميثاقه لا يتسق مع مرجعيات الأمم المتحدة، كما عبرت المملكة المتحدة عن مخاوف قانونية ودبلوماسية بشأن دور روسيا المحتمل في المجلس ومسئولياته الأوسع، وفقًا لما يتردد أمريكيًا.

مكاسب استراتيجية:

يُمكن النظر إلى مجلس السلام باعتباره جزءًا من خطاب الرئيس “ترامب” في دافوس الهادف إلى تأكيد عودته كلاعب رئيس على الساحة الدولية، وتقديم نفسه كقائد قادر على إعادة صياغة النظام العالمي عبر أدوات غير تقليدية، تجمع بين الاقتصاد والسياسة، وتعيد تعريف مفهوم السلام بوصفه نتاجًا للمصالح لا للقيم فقط. ويُحقق هذا المجلس العديد من المكاسب للرئيس “ترامب”، وذلك على النحو التالي:

· على الصعيد الداخلي، يمنح مجلس السلام للرئيس ترامب أداة سياسية لإعادة تقديم نفسه كصانع سلام قادر على تحقيق اختراقات في ملفات دولية معقدة، في وقت تشهد فيه الساحة الأمريكية استقطابًا حادًا حول كلفة التدخلات الخارجية، وتنسجم المبادرة مع المزاج العام لدى قطاعات واسعة من القاعدة الجمهورية التي تفضّل حلولًا سريعة قائمة على الصفقات وتقليص الانخراط العسكري، ما يعزز من قدرة “ترامب” على توظيف المجلس كورقة قوة في الخطاب السياسي الداخلي، حتى في حال محدودية نتائجه العملية.

· على الصعيد الخارجي، يعكس المجلس توجهًا أمريكيًا نحو إيجاد مسارات موازية لإدارة الأزمات بعيدًا عن المنظومة الدولية التقليدية، وهو ما قد يمنح الولايات المتحدة مرونة أكبر في بعض النزاعات والصراعات، وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا التوجه يحمل في الوقت ذاته مخاطر استراتيجية، أبرزها: إضعاف التنسيق مع الحلفاء وتقويض الثقة في قواعد النظام الدولي، كما أن ربط السلام بالاستثمار والضغوط الاقتصادية قد يُحقق مكاسب تكتيكية قصيرة المدى، لكنه لا يعالج بالضرورة الجذور البُنيوية للصراعات، خاصةً تلك المرتبطة بالهوية والسيادة وحقوق الشعوب.

دلالات مهمة:

يعكس طرح مجلس السلام سعي الرئيس “ترامب” إلى توظيف سمعته كرجل صفقات في المجال الدولي، وربط حل النزاعات بمنطق الربح والخسارة، وهو ما يلقى ترحيبًا لدى بعض الأوساط الاقتصادية، في مقابل تحفظات من دوائر دبلوماسية ترى في الفكرة تهميشًا للأطر القانونية والمؤسسية الدولية، كما يثير الإعلان تساؤلات حول طبيعة المجلس، وحدود نفوذه، ومعايير اختيار أعضائه، ومدى قدرته الفعلية على التأثير في نزاعات معقدة تتشابك فيها الأبعاد السياسية والأمنية والقانونية، ولكن الأهم هو كيف يُسهم هذا المجلس في إعادة إنتاج منطق الهيمنة الغربية، حيث يراه البعض أداة معاصرة لإعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، عبر استغلال مفاهيم السلام والإعمار لإضفاء شرعية على النفوذ، فعلى الرغم من طابعه الإنساني فإنه يعيد إعادة توزيع القوة بطريقة مركزية، ويُبرز اختلالات السلطة الدولية بين الشمال والجنوب، كما أن الفعالية الحقيقية للمجلس مرتبطة بقبول الدول المحلية والشركاء الإقليميين، وإلا فإنه سيظل مجرد واجهة رمزية للسيطرة الأمريكية على إدارة النزاعات، بل ومهددًا للتنظيم الدولي ممثلًا في الأمم المتحدة.

تشير لغة الرئيس “ترامب” والهيكل العام لمجلس السلام توجهًا نحو إبراز الدور القيادي في دعم جهود إحلال السلام وإعادة الإعمار، من خلال توظيف رمزية تعكس الالتزام بتحمل المسئولية الدولية في إدارة مسارات التسوية، ويأتي اختيار منتدى دافوس الاقتصادي للإعلان عن المجلس ليمنح المبادرة بعدًا دوليًا واسعًا، باعتباره منصة تجمع صناع القرار السياسي والاقتصادي، بما يعزز من حضور المجلس ضمن الأطر المؤثرة في صياغة السياسات العالمية، ويؤكد أهمية التكامل بين البعدين السياسي والاقتصادي في دعم الاستقرار والتنمية في مختلف مناطق العالم.

ويؤكد المجلس على الدور المحوري للولايات المتحدة في صياغة مبادرات السلام الدولية، مع الإشارة إلى التنسيق مع الأمم المتحدة وعدد من الشركاء الدوليين، بما يعكس سعي الولايات المتحدة إلى توظيف ثقلها السياسي والدبلوماسي لدفع جهود السلام قدمًا. ويقدم المجلس كإطار منظم للتعاون الدولي، يتيح للدول المشاركة، بما فيها الدول العربية والإقليمية، الإسهام المالي والسياسي ضمن آليات واضحة، بما يُعزز من فرص تنسيق الجهود الدولية، وتوجيهها نحو أهداف مشتركة في مناطق النزاع.

وختامًا، يُبرز إعلان الرئيس “ترامب” عن مجلس السلام في دافوس نموذجًا لمبادرة دولية تسعى إلى الجمع بين القيادة الدولية والمسئولية الجماعية في التعامل مع الأزمات المعقدة، ورغم التحديات المرتبطة بتباين المواقف الدولية ومستويات المشاركة المختلفة، فإن المجلس يعكس محاولة لبناء منصة دولية قادرة على حشد الموارد وتوحيد الجهود من أجل دعم مسارات السلام وإعادة الإعمار في غزة، مع التركيز على تحقيق قدر من التوازن بين القيادة الفاعلة والتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

321
قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026
1234
عوامل متشابكة: تجدد الصراع في شرق الكونغو الديمقراطية
russia-africa
فرص متاحة: التحركات الروسية في منطقة حوض النيل
chinaafrica
الحضور العسكري الصيني في غرب أفريقيا وانعكاساته على المصالح الأمريكية
Scroll to Top