التصعيد الأمريكي الإيراني … فرص الحرب والسلام

25/02/2026

تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة من الترقب الحذر على وقع التطورات الأمريكية الإيرانية، التي تتراوح ما بين التصعيد العسكري والإعلامي، وبين ظهور بوادر انفراجة قد تؤدي على أقل تقدير إلى تأجيل الصدام المباشر.

فالولايات المتحدة عملت على حشد أصولًا عسكرية هائلة بشكل تدريجي خلال الأسابيع الأخيرة، وهو الحشد العسكري الأكبر للولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003، حيث تضمنت حاملتي طائرات، ونحو 16 سفينة حربية رئيسة، إلى جانب انتشار واسع لنظم الدفاع الجوي، والطائرات المقاتلة، لا سيما من طُرز (إف-35) و(إف-15)، وتمركز نحو 40 ألف جندي أمريكي ضمن مسرح عمليات الشرق الأوسط. وبشكل عام، يُمكِّن هذا الحشد العسكري الولايات المتحدة من توجيه ضربات مركزة تجاه إيران ووكلائها في المنطقة، وفي نفس الوقت توفير القدرة على صد الهجمات اللاحقة التي قد تطال حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة.

في المقابل، عملت إيران على تعزيز استعداداتها الدفاعية وجاهزيتها القتالية، وتصاعد حجم الزيارات التفقدية للمسئولين العسكريين الإيرانيين للقواعد البحرية والصاروخية والدفاع الجوي، وفي الوقت ذاته، اتجهت إيران نحو تعزيز علاقتها بروسيا، حيث أجرتا مناورات في مضيق هرمز وبحر عُمان وشمال المحيط الهندي. وقد جاءت هذه المناورات بعد تدريبات عسكرية أجرتها القوات البحرية التابعة للحرس الثوري وحملت عنوان “السيطرة الذكية على مضيق هرمز”، واللافت أن هذا التدريب قد شهد تنفيذ تجربة ناجحة لإطلاق نسخة بحرية من صاروخ الدفاع الجوي بعيد المدى “صياد 3-جي”، بما يعني زيادة قدرات الدفاع الجوي بعيد المدى في البحر لا سيما أنه يوفر حماية بمدى قد يصل إلى 150 كم. إلى جانب الترسانة الصاروخية التي تمتلكها إيران والقادرة على استهداف الحضور العسكري الأمريكي وفقًا لبنك أهداف واسع يشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها. فيما تُشير تقارير إلى إبرام روسيا وإيران صفقة عسكرية بقيمة 500 مليون يورو لإمداد الأخيرة بنظم دفاع جوي.

وعلى الرغم من هذا السياق من التطورات العسكرية والسياسية، فقد ظهرت بشكل متزامن بوادر لحلحلة الأزمة، من خلال انخراط الولايات المتحدة وإيران في مفاوضات جديدة هي الأولى منذ انهيار المفاوضات في العام الماضي واندلاع مواجهات عسكرية مباشرة بينهما. جرت هذه المفاوضات برعاية سلطنة عُمان، وعُقدت بعدها جولة ثانية في جنيف، ومن المنتظر أن تشهد جنيف جولة ثالثة وفق تصريحات وزير الخارجية العُماني “بدر بن حمد البوسعيدي”.

شهدت هذه المفاوضات إحراز تقدمًا ملموسًا، وفق البيانات الصادرة عن مسئولي الجانبين، وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا تزال هناك العديد من العقبات، لا سيما فيما يتعلق بحدود ما يُمكن إنجازه، فالولايات المتحدة تطالب بالحظر الكامل لتخصيب اليورانيوم في إيران، في حين تدفع الأخيرة نحو إعادة طرح فكرة إنشاء تحالف إقليمي للتخصيب، وقيامها بإرسال نصف مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج وتخفيف تركيز النصف الآخر، في مقابل حصولها على مكسبين، يتعلق الأول باعتراف الولايات المتحدة بحق إيران في التخصيب النووي السلمي، وينصرف الثاني إلى رفع العقوبات الاقتصادية بالتزامن مع منح الشركات الأمريكية فرصًا للاستثمار في قطاعي النفط والغاز في إيران.

إن مسارات الأحداث وتطورها تُثير بعض الملاحظات المهمة، وذلك على النحو التالي:

· تنتهج الإدارة الأمريكية سياسة الضغوط المتوازية، حيث انخرطت بجدية في المفاوضات، بدليل رضوخها للضغوط الإقليمية من أجل استيعاب المطالب الإيرانية بنقل مقر انعقاد المفاوضات الأولى من تركيا إلى سلطنة عُمان وكذلك جدول أعمال المحادثات، والدفع نحو عدم اتخاذ الجانب الأمريكي قرارًا بإلغاء الاجتماع. إلى جانب الطلب الأمريكي من إسرائيل بالتريث وعدم الإقدام على أي خطوات قد تؤدي إلى إفشال المفاوضات سواء قبل أم أثناء انعقاد المفاوضات. لكنها في نفس الوقت تعزز من ضغوطها على إيران سواء في المفاوضات نفسها، أم عبر حشودها العسكرية الضخمة، بل وإمهاله إيران من 10 إلى 15 يومًا للتوصل إلى اتفاق، فيما تبدو كأنها فرصة أخيرة أمام إيران قبل اللجوء لخيارات أخرى.

· تتعدد السيناريوهات المحتملة لنمط العمل العسكري الذي قد تتخذه الولايات المتحدة في مواجهة إيران، فقد يقتصر الأمر على توجيه ضربات محدودة وموجهة للبينة التحتية العسكرية أو الصاروخية أو المنشآت النووية أو استهداف قادة النظام الإيراني، وربما تُقدم الولايات المتحدة على القيام بهجوم واسع النطاق يستهدف مزيجًا من هذه الأهداف. ويرتبط نمط العمل العسكري بالضرورة بطبيعة الهدف الأمريكي، وما إذا كان يقتصر على إنهاك النظام وتحييد قدراته العسكرية والصاروخية والنووية، أم أن الهدف يمتد ليشمل الدفع نحو انهيار النظام الإيراني نفسه.

· من المؤكد أن رد الفعل الإيراني اللاحق سوف يشهد تباينًا في نطاقه ومستوياته، وذلك وفق الهجوم الأمريكي نفسه، فاستهداف الأصول العسكرية والنووية الإيرانية قد يدفع بالأخيرة إلى الرد من خلال ترسانته من الصواريخ والمُسيرات، التي تستهدف الأصول الأمريكية أو إسرائيل. أما استهداف قادة النظام الإيراني، لا سيما المرشد الأعلى “علي خامنئي” قد يؤدي إلى ردود فعل قوية وعدوانية، تتجاوز ساحة المعركة الإيرانية الأمريكية، لتشمل منطقة الشرق الأوسط وتهديد الملاحة في الممرات الاستراتيجية لا سيما مضيق هرمز.

· تزايد الاهتمام الإيراني بالتعلم من دروس المواجهات مع إسرائيل، حيث استهدفت الأخيرة العديد من القادة الإيرانيين، وهو ما دفع بطهران إلى بناء بنك احتياطي من الأفراد الجاهزين لتحمل مسئولية بعض المؤسسات الحكومية والعسكرية والدينية حال استهداف القيادات التي تشغلها في الوقت الراهن، وذلك بغية منع حدوث فراغ مؤسسي أو تنظيمي.

· جاء اختيار سلطنة عُمان كراعية للمفاوضات ومُستضيفة للجولة الأولى ليكشف عما تتسم به طبيعة الوساطة العُمانية، فهي قادرة على إدارة المفاوضات المعقدة دون أن تُلزم أي من أطراف المفاوضات بنتائج مُسبقة، مع الحفاظ على طابع السرية، وهو أسلوب عمل يتناسب مع المفاوضات الإيرانية الأمريكية. يُضاف إلى ذلك حالة الثقة الإيرانية في سلطنة عُمان، بدليل أنها انخرطت بكثافة في الملفات والأزمات التي تُعد إيران طرفًا فيها.

ختامًا، فإنه بالرغم من الجهود المبذولة للتهدئة والاستمرار في المسار التفاوضي بين إيران والولايات المتحدة، فإن سيناريو “الحرب الإقليمية” لا يزال حاضرًا في الأذهان، خاصةً مع الحرص الإيراني على طرحه على الطاولة الإقليمية، من خلال البيانات الرسمية الصادرة عن المسئولين الإيرانيين، إلى جانب بيانات وتصريحات بعض التنظيمات ذات الصلة بإيران، التي أشارت إلى بنك أهداف محتمل حال استهداف إيران، والذي يشمل أصولًا أمريكية في العديد من الدول، والطرق البحرية ووقف تدفق النفط والتجارة. ويعني ما سبق أن ارتدادات اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران ستطال دول منطقة الشرق الأوسط، بل ويمكن امتدادها للعالم بأسره.

general Tarek abd El azeem
كيف ستبدأ المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران تحت النار؟
general Tarek abd El azeem
بعد اليوم الـ 18: المشهد الراهن سياسيًا واستراتيجيًا في إطار المواجهات الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية
general Tarek abd El azeem
المشهد الراهن بعد 13 يومًا من مواجهات الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران
general Tarek abd El azeem
عشر نقاط أولية في المشهد الراهن للضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران
Scroll to Top