تتداخل الأبعاد السياسية والاستراتيجية الحالية والمنتظرة تجاه ما سيجري في المنطقة العربية بعد بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وفي ظل تحولات كبيرة محتملة على الأمن القومي العربي، وتحديات صعبة ومعقدة ومتفاعلة.
النقطة الأولي: أظهرت قراءة أولية أن الضربات الإيرانية تجاه إسرائيل أقل عددًا مقارنة بحرب الـ 12 يومًا في يونيو 2025، ومع ذلك فقد كانت موجعة، كما أن عدد الصواريخ والطائرات المُسيرة التي أطلقت من الأراضي الإيرانية على 9 دول عربية يبلغ نحو ضعفي ما تم إطلاقه باتجاه إسرائيل، مع العلم بأن هذه الدول العربية لم تطلق أي صواريخ أو مُسيرات على إيران.
النقطة الثانية: يصعب بالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مواصلة هذه الحرب لأجل غير محدود، لا سيما أن الحرب تفتقد لدعم أغلبية الرأي العام الأمريكي، وقاعدة الرئيس الشعبية على وجه الخصوص؛ كما تُثير معارضة ملموسة في مجلسي النواب والشيوخ. أما بالنسبة للجانب الإسرائيلي، فإن الوضع يبدو مختلفًا قليلًا، ولا يُستبعد أن يعود الإسرائيليون إلى الهجوم على إيران في المستقبل، بعد انتهاء هذه الجولة من الحرب.
النقطة الثالثة: ليس ثمة شك في أن ردود فعل الدول العربية الخليجية، التي تعرضت لهجمات إيرانية كان حادًا، لا سيما أن أغلب هذه الدول كانت قد اتخذت موقفًا مبكرًا رافضًا لتصعيد المواجهة ضد إيران، بل ومارست ضغوطًا على إدارة “ترامب” لمنع الذهاب إلى الحرب.
النقطة الرابعة: تجد إسرائيل نفسها أمام حرب آخذة بالاتساع من دون سقف زمني واضح، إلا أنها تتحرك وفق تصور استراتيجي وضعته مسبقًا محدد للأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. في الخلفية يظل عامل حاسم يوجّه الحسابات الإسرائيلية، وهو التوازن بين مخزون صواريخ الاعتراض الدفاعية وحجم الترسانة الهجومية الإيرانية. فكلما نجح الجيش في استهداف منصات الإطلاق وتقليص المخزون الإيراني القابل للاستخدام، تراجع القلق من خسائر واسعة في الجبهة الداخلية. أما إذا امتدت الحرب دون إحداث خفض ملموس في التهديد الصاروخي فإن التكلفة السياسية والاقتصادية لإسرائيل سترتفع بصورة كبيرة.
النقطة الخامسة: تسعى إسرائيل إلى استثمار الظرف الراهن إلى أقصى حد، وسط توافق واسع داخل الحكومة والمؤسسة الأمنية والمعارضة على أن الفرصة قد لا تتكرر. إلا أن هذا المسار يظل مرهونًا بعوامل خارجة عن سيطرتها مثل موقف البيت الأبيض وقدرة إيران على الصمود وحدود تحمّل الجبهة الداخلية الإسرائيلية لحرب طويلة. في هذا الإطار تتحرك إسرائيل بهامش محدود مدركة أن نتائج الحرب حتى اللحظة غير مضمونة.
النقطة السادسة: تشير التطورات إلى أن الحرب بين إيران وإسرائيل تقترب تدريجيًا من المجال الأمني الأوروبي، في وقت تحاول فيه العواصم الأوروبية إدارة الأزمة من موقع دفاعي يُركز على حماية القواعد والمصالح الاستراتيجية دون الانخراط المباشر في العمليات العسكرية.
النقطة السابعة: قد يُسهم الانخراط الأمريكي المباشر في إعادة ترتيب الاصطفافات الدولية، إذ يدفع بعض القوى إلى تبني مواقف أكثر نقدًا، بينما يعزز تعاون قوى أخرى مع الولايات المتحدة لاعتبارات أمنية، ومثل هذا التباين قد يُفاقم الاستقطاب في النظام الدولي ويؤثر على مسارات التفاوض في ملفات إقليمية متعددة.
النقطة الثامنة: هناك قلق من أن سقوط النظام الإيراني المفاجئ قد يحول إيران إلى “صومال كبيرة” أو “سوريا ثانية”، مما يُوجد فوضى أمنية وانتشارًا للسلاح النووي أو الكيميائي بين ميليشيات غير منضبطة. كما أن طول أمد الحرب وتبادل الرشقات الصاروخية قد يؤدي إلى شلل اقتصادي وانهيار في الروح المعنوية للإسرائيليين إذا لم تُحسم المعركة بسرعة خاطفة والتحذير من أن الضربات الجوية “لا تنهي الحروب”، وأن الحل النهائي قد يتطلب تدخلًا بريًا أو عمليات معقدة لا ترغب إسرائيل في التورط بها.
النقطة التاسعة: من الواضح أن مقتل “علي خامنئي” يضع النظام الإيراني أمام أخطر زلزال وجودي منذ الثورة الإيرانية عام 1979، حيث تتداخل تعقيدات الخلافة الدينية مع طموحات النخبة العسكرية والأمنية لترسم ملامح مستقبل مجهول في إيران، وهو ما يمكن في إطار معضلة الشرعية المزدوجة، حيث يمثل غياب “علي خامنئي” المفاجئ اختبارًا وجوديًا لنظام “ولاية الفقيه” مع وجود صراع مكتوم بين تيار “التوريث السياسي” الذي يمثله “مجتبى خامنئي”، وبين تيار “الشرعية الدينية التقليدية” الذي تمثله أسماء عدة، أبرزها “علي رضا أعرافي”، “وهاشم بوشهري”. حيث تكمن المعضلة هنا في أن “مجتبى خامنئي” يتمتع بنفوذ أمني واسع وصلات وثيقة بالحرس الثوري، وهو الأمر الذي قد يعزز من فرصه في الخلافة.
النقطة العاشرة: تنقسم الخيارات الأمريكية إلى ثلاثة مسارات، احتواء التصعيد عبر ضربات محدودة تتبعها مفاوضات مشروطة، أو إضعاف طويل الأمد للبنية العسكرية الإيرانية عبر موجات عمليات متتابعة، أو توسيع نطاق الصراع في حالة الرد الإيراني المباشر على أهداف أمريكية حساسة. قد تواجه الولايات المتحدة معادلة معقدة بين تحقيق مكاسب ردعية سريعة وبين خطر الانزلاق إلى حرب استنزاف إقليمية، فإذا نجحت في فرض كلفة عسكرية مرتفعة دون توسع المواجهة، فقد تعزز موقفها التفاوضي، أما إذا اتسع نطاق الرد الإيراني عبر هجمات صاروخية أو سيبرانية أو عبر حلفاء إقليميين، فقد يتحول الصراع إلى نزاع متعدد الجبهات يصعب احتواؤه زمنيًا وسياسيًا.
ختامًا، يتركز مستقبل النظام الإيراني – في تقديرنا الأولي – حول ثلاثة سيناريوهات رئيسة، السيناريو الأول والأكثر ترجيحًا في المدي المنظور هو سيناريو “الانتقال المنضبط” تحت مظلة الضرورة العسكرية، حيث تفرض حالة الحرب على مراكز القوى في إيران تنحية خلافاتها جانبًا للحفاظ على تماسك الدولة، والسيناريو الثاني وهو الانكماش والتحول نحو الدولة النووية العسكرية، ووفقًا لهذا السيناريو يحدث تحول جوهري في طبيعة النظام، بحيث تتحول إيران من “جمهورية إسلامية” تقودها العمائم إلى “نظام عسكري” بمرجعيات دينية شكلية، والسيناريو الثالث وهو الانهيار التراكمي والانقسام الهيكلي، حيث يستند هذا السيناريو إلى فرضية فشل النخبة الحاكمة في التوافق على خليفة لـ “خامنئي”، مما قد يفتح الباب أمام صراع “تكسير عظام” علني بين الأجنحة المتصارعة.
