كيف ستبدأ المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران تحت النار؟

26/03/2026

تتداخل السيناريوهات المحتملة إثر الإعلان المفاجئ للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عن بدء المفاوضات مع إيران. وبصرف النظر عن النفي أو التأكيد، فإن ثمة وقائع تتشكل، وتتجه إلى مسارات مختلفة لما يمكن أن تؤدي إليه المفاوضات التي ستجري، ووفق شروط من قبل الطرفين، تتعلق بالقضايا العالقة التي ستحتاج إلى حسم، وتتركز حول البرنامجين النووي والصاروخي.

ومن الواضح أن حكومة إسرائيل تتبني حاليًا موقفًا يجمع بين العمل العسكري المستمر والقبول الحذر بمبدأ التفاوض الدبلوماسي، بشرط أن يضمن أي اتفاق حماية “المصالح الحيوية” لإسرائيل حيث يصر “بنيامين نتنياهو” على أن أي اتفاق مع إيران يجب ألا يكتفي بمجرد القيود الزمنية، أو مجرد تجميد البرنامج النووي، ولكن تفكيك البنية التحتية النووية ونظام تفتيش صارم، كما ترفض إسرائيل التنازل عن إدراج الصواريخ الباليستية الإيرانية ضمن أي تفاهمات محتملة.

وبالرغم من التنسيق الوثيق، يُبدي “نتنياهو” قلقًا من إمكانية توصل الرئيس “دونالد ترامب” لاتفاق “سريع” مع إيران لا يُلبي طموحات إسرائيل الأمنية الكاملة، الأمر الذي يُفسر تبني “نتنياهو” استراتيجية موازية للمفاوضات تهدف إلى إضعاف النظام الإيراني من الداخل، وذلك عبر استمرار العمليات العسكرية، حيث أعلن أن الضربات ضد أهداف إيرانية وضد حزب الله في لبنان لن تتوقف بالتزامن مع المحادثات والرهان على التغيير الداخلي. ويعني ما سبق أن إسرائيل قد تتحرك لمنع أي اتفاق جزئي أو ضعيف، وقد تواصل عملياتها العسكرية بشكل منفرد إذا رأت أن المسار الدبلوماسي يمنح إيران وقتًا للمناورة.

ويتضح أيضًا أن إيران تنتقل من مرحلة التهديد بالإغلاق إلى مرحلة السيطرة التنظيمية والقانونية على مضيق هرمز، ويؤشر على ذلك الرسائل الإيرانية إلى المنظمات الأممية بشأن التنسيق المسبق للسفن غير المعادية، بالتزامن مع المطالبة بنظام رسوم جديد للعبور، وهو ما يمثل محاولة لفرض أمر واقع، يُحول المضيق إلى مورد مالي وأداة ضغط سياسي، بالتوازي مع السعي لتشكيل اتحاد أمني إقليمي يهدف لإقصاء الوجود العسكري الأمريكي ويثبت معادلة جديدة لأمن المنطقة.

ويغلب على المقاربة الإيرانية حالة من تصلب الثوابت ورفض المقايضات الهيكلية، وهو ما يبرز في التمسك الصارم بالبرنامج الصاروخي كخط أحمر غير قابل للتفاوض، باعتباره الركيزة الوحيدة لضمان عدم استئناف الحرب، حيث يُنظر إلى مبادرات “ترامب” بوصفها مناورة خداع تهدف لتحقيق ما عجز عنه الضغط العسكري، كما توجد انقسامات داخل دوائر صنع القرار الإيراني تجاه أي تقارب مفاجئ مع الإدارة الأمريكية.

وتعكس الرسائل المستمرة والمثارة طبيعة توزيع الصلاحيات داخل بنية النظام الإيراني، ومحاولته ضبط الإيقاع الداخلي ومنع الولايات المتحدة من اللعب على التناقضات بين أجنحة النظام. ومع ذلك، فإن الإقرار بوجود مبادرات أمريكية، والحديث عن وساطات مع دول صديقة، يُشير إلى أن إيران تتبنى استراتيجية الدبلوماسية متعددة المسارات، حيث تترك الباب مفتوحًا أمام حلول مستدامة.

وفي الدوائر الأمريكية فإن ردود فعل الداخل مع قرار التفاوض مع إيران يعكس حالة من الانقسام الحاد والجدل الواسع، حيث يتأرجح المشهد بين التفاؤل الحذر الذي تُبديه الإدارة الأمريكية، والتشكيك العميق من قبل الدوائر العسكرية والسياسية المعارضة، فالرئيس “دونالد ترامب” يتبنى خطابًا متفائلًا، واصفًا المحادثات الحالية بأنها “جيدة جدًا ومثمرة”، تهدف للتوصل إلى حل كامل للأعمال العدائية في الشرق الأوسط. في المقابل، أشارت تصريحات لوزير الدفاع الأمريكي إلى استمرارية الضغط العسكري، معتبرًا أن “التفاوض يتم بالقنابل”، مما يعكس وجود تباين في وجهات النظر حول جدوى الدبلوماسية في هذه المرحلة.

ومن اللافت تعامل الداخل الأمريكي مع التفاوض وفق سقف مطالب مرتفع، يتجاوز الملف النووي ليشمل قيودًا عسكرية، متمثلة في وقف برنامج الصواريخ الباليستية لمدة 5 سنوات، وتفكيك المنشآت النووية الرئيسة (نطنز، وفوردو، وأصفهان) وضمان “الفتح الدائم” لمضيق هرمز، ومنع تهديد حركة الملاحة، وإنهاء دعم وتمويل الجماعات الحليفة لإيران في المنطقة.

وتحكم فرص نجاح أو فشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية الحالية معادلة معقدة من الضغوط العسكرية القصوى والرغبة السياسية في إنهاء التصعيد الشامل، حيث يميل الرئيس “ترامب” لإنهاء الحروب بـ”اتفاقات تاريخية”، وهو يرى في هذه اللحظة فرصة لفرض شروط لم تكن متاحة في السابق، مما يدفعه لتقديم زخم سياسي قوي للمفاوضات، حيث تعتقد بعض الدوائر الأمريكية أن الضغط العسكري المكثف والضربات التي طالت العمق الإيراني جعلت طهران أكثر “واقعية” في قبول شروط كانت تعتبرها سابقًا “خطوطًا حمراء”، ومع ذلك، فإن هناك اتجاه آخر يرى أن سياسة التفاوض بالقنابل التي تتبعها الإدارة الأمريكية قد تؤدي إلى ردود فعل إيرانية غير متوقعة لإثبات القوة وعدم الانكسار، مما قد يتسبب في انهيار المحادثات والعودة للتصعيد الشامل مجددًا.

وتكشف التطورات المتلاحقة أن الحرب باتت تضغط مباشرة على التوازن الأوروبي بين أمن الطاقة والاستراتيجية تجاه روسيا، بما يُعيد إدخال اعتبارات السوق والأسعار في القرارات الأوروبية، دون أن يُغير من اتجاهها العام نحو فك الارتباط مع روسيا، كما تعكس المواقف الأوروبية أن إدارتها للأزمة أصبحت تتشكل من أكثر من مسار في وقت واحد، بين حماية أمن الطاقة، والتنسيق البحري لحماية الملاحة، واحتواء التصعيد في جبهات أخرى مثل لبنان، وهو ما يفرض على أوروبا توزيع أدواتها دون الانخراط العسكري المباشر.

ختامًا، فإن توقيع اتفاق شامل في هذا التوقيت قد يؤدي إلى تهدئة فورية للعمليات العسكرية وفتح مضيق هرمز، لكنه يواجه عقبات تتمثل في انعدام الثقة والمطالب الأمريكية بتفكيك كامل للبنية التحتية النووية. إن أمن المنطقة العربية يمر بمنعطف حرج نتيجة المسار المزدوج بين التصعيد العسكري والمفاوضات المتعثرة المقترحة بين إيران والولايات المتحدة، الأمر الذي يتطلب استمرار دعم الدول العربية لمسار السلام والتهدئة ومنع الانجرار إلى حرب إقليمية كبرى تؤثر على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط ككل. إن التحركات النشطة لبعض الأطراف العربية من أجل تعزيز الدبلوماسية والحوار يمثل حائط صد لضمان بقاء قنوات التفاوض مفتوحة حتى في ظل العمليات العسكرية الجارية والتي لم تتوقف حتى الآن.

general Tarek abd El azeem
بعد اليوم الـ 18: المشهد الراهن سياسيًا واستراتيجيًا في إطار المواجهات الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية
general Tarek abd El azeem
المشهد الراهن بعد 13 يومًا من مواجهات الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران
general Tarek abd El azeem
عشر نقاط أولية في المشهد الراهن للضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران
general Tarek abd El azeem
التصعيد الأمريكي الإيراني ... فرص الحرب والسلام
Scroll to Top