تُعد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر الأقاليم الجيوسياسية تعقيدًا في العالم، نظرًا لتشابك المصالح الإقليمية والدولية فيها، وتعدد الفاعلين المؤثرين في معادلات القوة داخلها. وقد شهدت المنطقة خلال العقود الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في حدة التوترات والصراعات، سواء على مستوى النزاعات المسلحة المباشرة أو عبر الحروب غير التقليدية التي تتخذ أشكالًا متعددة، منها الصراعات بالوكالة والضغوط الاقتصادية والحروب الإعلامية والسيبرانية. وفي هذا السياق، يبرز الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، باعتباره أحد أبرز مظاهر التنافس الاستراتيجي في الشرق الأوسط، نظرًا لما يحمله من أبعاد سياسية وعسكرية واقتصادية تتجاوز حدود أطرافه المباشرة.
ويكتسب هذا الصراع أهمية استثنائية في ضوء الطبيعة المركبة للتوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، حيث تتداخل فيه اعتبارات الأمن القومي للدول العربية مع حسابات القوى الدولية الكبرى، بما يجعل أي تصعيد عسكري أو سياسي بين أطرافه قادرًا على إحداث تأثيرات ممتدة في مختلف أنحاء المنطقة. فالتوتر بين هذه القوى لا يقتصر على الخلافات التقليدية حول البرامج النووية أو النفوذ الإقليمي، بل يمتد ليشمل صراعات أوسع تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوى في الإقليم، وهو ما ينعكس بدوره على الاستقرار السياسي والأمني في عدد كبير من الدول المحيطة بمسرح الصراع.
وفي ضوء هذا التحول المفاهيمي في دراسات الأمن القومي، أصبحت الجبهة الداخلية تمثل أحد أهم ركائز الاستقرار الوطني في مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية. فكلما زادت درجة التماسك الاجتماعي وارتفع مستوى الثقة في المؤسسات الوطنية، زادت قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الخارجية والتعامل مع تداعياتها المختلفة. ومن هنا تبرز أهمية فهم اتجاهات الرأي العام داخل المجتمع باعتبارها مؤشرًا مهمًا على مستوى الوعي المجتمعي بطبيعة التحديات المحيطة بالدولة، ومدى استعداد المواطنين للتفاعل مع السياسات التي تتبناها الحكومة لمواجهة تلك التحديات.
وتُعد مصر من الدول التي تحتل موقعًا محوريًا في النظام الإقليمي للشرق الأوسط، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين قارتي آسيا وأفريقيا، بل أيضًا نتيجة لما تمتلكه من ثقل سياسي ودبلوماسي وتاريخي في إدارة الأزمات الإقليمية. فقد لعبت مصر عبر عقود طويلة دورًا مهمًا في تحقيق التوازن الإقليمي وفي دعم جهود التسوية السلمية للنزاعات، وهو ما منحها مكانة خاصة في معادلات الاستقرار في المنطقة. ومن ثم فإن أي تطورات استراتيجية كبرى في الشرق الأوسط يكون لها انعكاسات مباشرة أو غير مباشرة على المصالح الوطنية المصرية.
ومن هذا المنطلق، تأتي أهمية الدراسات الميدانية التي تسعى إلى استطلاع آراء المواطنين حول القضايا الاستراتيجية الكبرى التي تؤثر في أمن الدولة واستقرارها. فمثل هذه الدراسات توفر بيانات علمية تساعد صانعي القرار على فهم التوجهات العامة داخل المجتمع، كما تتيح إمكانية رصد التغيرات في اتجاهات الرأي العام بمرور الوقت، وهو ما يسهم في تطوير السياسات العامة بما يتوافق مع احتياجات المجتمع وتوقعاته.
العدد-5

