منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في مكافحة الإرهاب، حيث أعادت تلك الهجمات تشكيل أولويات الولايات المتحدة الأمنية والعسكرية بشكل جذري، وجعلت من مكافحة التنظيمات الإرهابية هدفًا مركزيًا في سياستها الخارجية، ومنذ ذلك الحين، تبنت واشنطن نهجًا متعدد الأدوات يجمع بين العمل الاستخباري والعسكري والدبلوماسي، إلى جانب تعزيز التعاون مع الدول الحليفة والشركاء الإقليميين، بهدف تفكيك الشبكات الإرهابية ومنع تمدد تهديداتها عبر الحدود.
وفي هذا الإطار، تطورت المقاربة الأمريكية لمكافحة الإرهاب عبر مراحل مختلفة، انتقلت فيها من التركيز على التنظيمات التقليدية مثل «القاعدة» و«داعش» إلى توسيع نطاق التهديدات ليشمل الفاعلين غير الدوليين والجماعات العابرة للحدود، بل وأحيانًا بعض الظواهر المرتبطة بالجريمة المنظمة أو التطرف الداخلي، ويعكس هذا التطور إدراكًا أمريكيًا متزايدًا بأن التهديدات الأمنية أصبحت أكثر تعقيدًا، بما يستدعي إعادة صياغة مستمرة للأدوات والاستراتيجيات المستخدمة في مكافحتها.
وفي السياق ذاته، أصدر البيت الأبيض استراتيجية مكافحة الإرهاب لعام 2026 في مايو الجاري، التي كشفت عن التطور اللافت في مقاربة الولايات المتحدة لهذا الملف، فمن ناحية تبنت الاستراتيجية نهجًا أوسع تحت شعار «أمريكا أولًا»، ومن ناحية أخرى عملت على توسيع مفهوم الإرهاب بحيث لم يعد يقتصر على التنظيمات الإرهابية التقليدية مثل «القاعدة» و«داعش» وفروعهما، بل يمتد ليشمل شبكات الجريمة المنظمة والعصابات العابرة للحدود، إضافة إلى ما تصفه الإدارة الأمريكية بالمتطرفين العنيفين داخل الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته، تبنت الاستراتيجية مقاربة واضحة في التعامل مع تيارات الإسلام السياسي، خاصه تنظيم «الإخوان»، باعتباره إحدى البيئات الفكرية الحاضنة والمنتجة للإرهاب.
أما على صعيد التهديدات الناتجة عن الدول فتعتبر الاستراتيجية الأمريكية إيران المصدر الأبرز لما تصفه بالإرهاب المدعوم من دول، مشيرة إلى استمرار الإجراءات التي تستهدف قدراتها النووية والعسكرية، إضافة إلى جهود تقليص دعمها لأذرعها مثل حزب الله، وفي الوقت ذاته، تؤكد الوثيقة استمرار الضغط على التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، وعلى رأسها «داعش» و«القاعدة» وفروعهما الإقليمية، عبر أدوات عسكرية واستخبارية ودبلوماسية متكاملة.
كما تتبنى تلك الاستراتيجية مقاربات متفاوتة بحسب المناطق، إذ تركز في أفريقيا على استمرار وجود عسكري محدود بالتوازي مع تعزيز التعاون مع الشركاء المحليين ضد التنظيمات الإرهابية، مع إبداء قلق خاص بشأن الهجمات المستهدفة لفئات محددة، وفي الشرق الأوسط، تركز على مواجهة النفوذ الإيراني وحماية المضائق والممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، إلى جانب استمرار الضغط على الفروع المرتبطة بتنظيم «الإخوان». أما في أوروبا وآسيا، فتؤكد الاستراتيجية على التعاون الاستخباري والأمني لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، تحمل الاستراتيجية الأمريكية الجديدة انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الشرق الأوسط بصفة عامة وعلى الدولة المصرية بصفة خاصة، إذ يمثل الموقف الأمريكي تجاه تنظيم «الإخوان» أحد أهم المتغيرات ذات الصلة المباشرة بمصر، وذلك على خلفية تبنى الاستراتيجية الأمريكية لأول مرة بصورة صريحة مقاربة تعتبر التنظيم «حاضنة فكرية» للتنظيمات الإرهابية، مع الاتجاه إلى توسيع تصنيف أفرعه كمنظمات إرهابية أجنبية.
ويمنح هذا التحول مساحة أكبر للتقارب بين الرؤية المصرية والأمريكية بشأن طبيعة التهديدات المرتبطة بالإسلام السياسي، لاسيما وأن مصر تبنت فكرة الارتباط العضوي بين تنظيم «الإخوان» والتنظيمات المتطرفة، ومن ثم يساهم هذا التحول في تعزيز التعاون الاستخباري والأمني بين مصر والولايات المتحدة.
وفي ضوء تلك المعطيات، تسعى الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية معمقة للمقاربة الأمنية الأمريكية التي عكستها الاستراتيجية الجديدة لمكافحة الإرهاب، من خلال تحليل مرتكزاتها الأساسية، واستعراض محدداتها الحاكمة على المستويين الداخلي والخارجي. كما تسعى الدراسة لتناول التداعيات المحتملة لهذه المقاربة على التفاعلات الإقليمية والدولية مع التركيز بصورة خاصة على الأمن القومي المصري.
ولعل تناول هذه الاستراتيجية باكورة إنتاج متخصص من قبل المركز القومي للدراسات المعنية بالإرهاب في العالم والشرق الأوسط إضافة إلى النطاقات الإستراتيجية للدولة المصرية وأمنها القومي.

