واجهت إيران الحصار الأمريكي البحري من خلال عدد من التحركات والإجراءات، بما عزز صمودها في الحرب التي استمرت لأكثر من 100 يوم، وهو ما قد يكون سببًا في دفع الولايات المتحدة لتوقيع مذكرة تفاهم لوقف الحرب التي تتزايد تكلفتها، بعدما تبيّن صعوبة حصار إيران في ظل موقعها الجغرافي الذي يتيح لها الربط مع العديد من الأقاليم وممرات الربط التجاري، في بلورة جديدة لأهمية الجغرافيا الاقتصادية في مواجهة الضغوط الخارجية.
علاقات التجارة:
كشفت بيانات تجارة إيران الخارجية خلال السنوات الماضية اعتمادها بشكل كبير على الاستيراد من دولتين، هما: الصين والإمارات، حيث شكلت واردات إيران السلعية منهما نحو 60% من إجمالي وارداتها في عام 2023 (وفق بيانات International Trade Center)، حيث بلغت قيمة وارداتها السلعية من الإمارات نحو 20.5 مليار دولار، وهو ما شكل نحو 31% من إجمالي واردات إيران التي بلغت وقتها 65.5 مليار دولار، ولكن في أول أسبوع من مارس 2026 أفادت مصادر بأن حركة السفن الوافدة لإيران من الإمارات توقفت تمامًا بعد أن كانت تتراوح بين 25 و50 سفينة يوميًا، بسبب المواجهات العسكرية.
وتستورد إيران من الإمارات أجهزة إلكترونية، وآلات ومعدات، ومنتجات غذائية وزراعية، ومواد بناء، وتعتمد على الاستيراد من الموانئ الإماراتية عبر نشاط إعادة التصدير، وبالتالي فإن توتر العلاقات بين البلدين قد فرض على إيران ضرورة التحول للاستيراد من دول أخرى، ففي حال توقف الصادرات الإماراتية لإيران، فقد يؤدي ذلك إلى وجود فجوة في استيراد سلع تُقدر بنحو 20 مليار دولار، أي ثلث واردات إيران من الخارج.
وفي ذات السياق، ظهرت مواقف وتحركات كشفت تغيير إيران لشركائها التجاريين في مواجهة الحصار الاقتصادي الأمريكي، سواء عبر الاعتماد المتزايد على الصين وروسيا، أم دول وسط آسيا، بالرغم من أن تجارتها مع تلك الدول محدودة، فوفق بيانات عام 2023، بلغت واردات إيران من دول آسيا الوسطى مجتمعة (كازاخستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، وقيرغيزستان، وتركمنستان) نحو 150 مليون دولار، أي نحو 0.23% من إجمالي واردات إيران (وفق بيانات International Trade Center)، ولكن التحولات الجارية قد تدفع إيران لزيادة الاعتماد على الاستيراد من تلك الدول خاصة السلع الزراعية.
كما تبادلت الصين والإمارات المركز الأول كأكبر مُصدّر لإيران سنويًا خلال أخر 10 سنوات، حيث جاءت الصين في المركز الأول بين عامي 2016 و2020، بينما شغلت الإمارات هذا المركز بين عامي 2021 و2023، ولا يُستبعد أن يكون ذلك مرتبطًا بجائحة “كوفيد-19” وتداعياتها على سلاسل الإمداد وقطاع الشحن العالمي، والاتجاه لزيادة الاعتماد على الشركاء الإقليميين، لتأتي بعدها الصين مرة أخرى في المركز الأول في عامي 2024 و2025 بعد تراجع آثار الجائحة، وتزايد القيود على إيران بسبب العقوبات الأمريكية خاصة في فترة ترامب الثانية، الأمر الذي يبرز أهمية البلدين كشريكي تجارة لطهران، ولكن ذلك لم يردعها عن استهداف الإمارات.
يُؤخذ في الاعتبار أن إيران لديها خبرة في التعامل مع الصدمات عبر تفعيل ما تطلق عليه “اقتصاد المقاومة”، والذي يعتمد بشكل أساسي على اقتصاد مرن يتكيف مع التطورات الإقليمية والدولية (العقوبات تحديدًا)، وإحداث توازن بقدر الإمكان في الأسواق الثلاثة الرئيسة (سوق السلع- سوق المال- سوق العمل)، وتعزيز الاكتفاء الذاتي عبر اقتصاد متنوع بعيدًا عن النفط، وهو ما جعل الاقتصاد الإيراني متماسكًا خلال السنوات الماضية بالرغم من العقوبات المفروضة عليه، وفي نفس الوقت استفادت إيران من العديد من الأزمات، مثل ارتفاع أسعار النفط العالمية، والحرب الروسية الأوكرانية التي أسفرت عن بيع السلاح الإيراني لروسيا.
تم ترجمة إجراءات “اقتصاد المقاومة” على الأرض في مواجهة الأزمة الحالية، واتضح ذلك من خلال إطلاق طهران خطة لإعادة رسم مسارات التجارة الخارجية بهدف تأمين حركة الاستيراد، كما وجه الرئيس الإيراني لأهمية الاستخدام الأقصى لطاقة الموانئ الشمالية على بحر قزوين، وتطوير ممرات تجارية بديلة، والاستفادة من قدرات الدول المجاورة، لتأمين واستيراد بعض المواد المطلوبة، مع تسريع تنفيذ الاتفاقات ذات الصلة في هذا المجال، مع التركيز على أن يكون للقطاع الخاص دور في نقل وتوريد البضائع، بالتنسيق مع الحكومة في إدارة الوضع الحالي لضمان استمرار سلسلة التوريد.
البدائل الإيرانية:
اتخذت إيران العديد من الإجراءات لمواجهة توقف الملاحة في مضيق هرمز وحصارها بحريًا من قبل الولايات المتحدة، خاصة وأن بعض المصادر قد أشارت إلى أن موانيها المحاصرة مسئولة عن نحو 90% من تجارتها الخارجية، وبالتالي فهي اتجهت لزيادة الاعتماد على التجارة عبر المنافذ البحرية الأخرى المطلة على بحر قزوين، وتلك البرية التي تبلغ طولها نحو 5440 كيلومتر وتشترك فيها مع 7 دول.
بالنظر إلى الإجراءات الإيرانية لضمان استمرار وارداتها في مواجهة الحصار الأمريكي، فهي جاءت على مستويين، الأول خارجي تضمن تعزيز مسارات الحركة مع الخارج، والثاني تيسير الإجراءات الداخلية لضمان تدفق التجارة بدون عراقيل، وهو ما تبلور في التالي:
1- تعزيز الربط التجاري: استهدفت إيران فتح معابر حدودية جديدة لزيادة حركة التجارة، مثل السعي لافتتاح معبر ثالث بين محافظة “إيلام” الإيرانية مع العراق، وفي ذات السياق فعّلت العراق جميع المنافذ الجمركية لتعزيز حركة عبور البضائع مع إيران، كما أعلنت باكستان في لأبريل 2026 عن 6 مسارات برية لنقل البضائع من 3 موانئ باكستانية باتجاه المعابر الحدودية مع إيران، وتزامن ذلك مع تحركات لتعزيز التجارة مع دول الجوار الإقليمي، كان آخرها في مايو 2026 حينما عُقدت اجتماعات أعمال الدورة الثامنة عشرة للجنة الاقتصادية المشتركة بين إيران وطاجيكستان.
2- تعزيز التجارة عبر موانئ بحر قزوين: فقد عززت طهران تجارتها مع روسيا عبر موانيها على بحر قزوين كبديل مؤقت عن تضرر تجارتها عبر مضيق هرمز، هذا وقد أكد ” هادي حق شناس” محافظ جيلان (شمال إيران) أنه صار بالإمكان نقل 30 مليون طن من البضائع الصادرة والواردة عبر بحر قزوين مع روسيا، هذا ويُؤخذ في الاعتبار أن هناك مخطط بالفعل لزيادة الاعتماد على موانئ إيران الشمالية في نقل البضائع ضمن “ممر النقل الدولي شمال-جنوب”، ويدعم ذلك التحول رغبة روسية في زيادة صادراتها غير النفطية في مواجهة العقوبات المفروضة عليها، مع الالتزام الكامل بتوفير السلع الغذائية الروسية للشعب الإيراني في ظل الأزمة الراهنة (وفق نائب الرئيس الروسي “ديمتري باتروشيف”).
3- الاعتماد على موانئ باكستان وسلطنة عُمان: فتحت باكستان 3 موانئ (جوادر، كراتشي، قاسم) أمام شحنات البضائع المتجهة إلى إيران من دول ثالثة، بموجب قرار “أمر عبور البضائع عبر باكستان لعام 2026″، وبالتالي لن يتطلب ذلك مرور السفن عبر مضيق هرمز، حيث سيتم تفريغ البضائع في الموانئ الباكستانية ونقلها بريًا لإيران، وفضلًا عن ذلك، فقد أشارت وكالة “تسنيم” الإيرانية في تقرير لها أن بضائع التجار الإيرانيين تمر من 3 موانئ عُمانية إلى الموانئ الإيرانية، وذلك كبديل جزئي من الموانئ الإماراتية التي يمر عبرها نحو 40% من تجارة إيران.
4- إنشاء موانئ جافة[1]: تم توقيع مذكرة تفاهم في مايو 2026 لإنشاء أول ميناء جاف بالمناطق الحرة في غرب إيران بمدينة “قصر شيرين”، لتسهيل حركة الصادرات والواردات، وخفض تكاليف التبادل التجاري وتسريع العمليات المتعلقة بالشحن والتفريغ والتخليص الجمركي، كما سيسهم الميناء في دعم تجارة الترانزيت التي تعوّل عليها طهران كنشاط اقتصادي يعزز أهميتها في الربط التجاري بين الشرق والغرب، وكمصدر موازي للدخل بالنقد الأجنبي بدلًا من الاعتماد على المصادر الريعية التي تتأثر بالصدمات الخارجية مثل النفط.
5- تخفيف إجراءات الاستيراد: وفق مصادر إيرانية، تم إزالة العقبات المرتبطة بتداول البضائع ونقلها من المراكز الجمركية، الأمر الذي أسهم في تقليص مدة التخليص الجمركي للسلع الأساسية من نحو 17 يومًا إلى 9 أيام، مع استهداف نقل جزء من صلاحيات إدارة الممرات التجارية إلى مسئولي المحافظات، فضلًا عن التركيز على تحسين إدارة الحدود وإزالة العقبات الإجرائية أمام حركة التجارة، مثل تطبيق آلية “النقل المباشر” للبضائع، والتي بموجبها تحولت المعابر الحدودية إلى نقاط عبور فقط، بينما تُستكمل الإجراءات الجمركية داخل البلاد، للحد من تكدس البضائع في المراكز الجمركية على الحدود.
6- تعزيز دور التجار والقطاع الخاص: أقرت الحكومة الإيرانية حزمة من الحوافز تشمل تخفيض الرسوم والضرائب الجمركية وتقديم أشكال أخرى من الدعم والتسهيلات، لتحفيز التجار في القطاع الخاص على الاستيراد والتصدير عبر الممرات البديلة بعد توقف النشاط التجاري عبر مضيق هرمز، وفي هذا السياق، عُقدت اجتماعات فنية متعددة بمشاركة المؤسسات المعنية والقطاع الخاص والتجار، كما أجرت الوزارات سلسلة اجتماعات لإعداد خريطة تجارية جديدة تعتمد على المنافذ والمعابر المتاحة.
ويؤكد ما سبق أن إيران وظّفت كامل إمكاناتها لتعزيز الاستيراد من الخارج في إدارة الأزمة الحالية، لضمان استمرار النشاط الاقتصادي، وفي محاولة لتوفير السلع لخفض التضخم وعدم حدوث اضطرابات داخلية تؤدي إلى تظاهرات شعبية لإسقاط النظام كما تطمح الولايات المتحدة وإسرائيل، ليعزز ذلك الصمود الاقتصادي لإيران في محاولات حصارها، إلا إذا تم التضييق على المسارات البديلة لتجارتها الخارجية.
ختامًا، كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كيف يمكن توظيف الجغرافيا الاقتصادية في أوقات الحروب والأزمات لتعزيز الصمود، بشرط وجود قدر من المرونة للانتقال بين البدائل المتاحة، مع التركيز على تعظيم الاكتفاء الذاتي كأساس استباقي للمواجهة، وبالنسبة للأزمة الراهنة، فيتوقع أن تسعى إيران مرة أخرى لتحسين علاقاتها مع دول جوارها، لتعتمد بدرجة كبيرة على التعاون الاقتصادي وتعزيز المصالح المشتركة، وهو خط الدفاع الأول لدعم اقتصادها الذي يعاني منذ عدة سنوات من العقوبات والحروب.
[1] الميناء الجاف: ميناء بري لاستقبال وتخزين البضائع لتقليل تكدسها في الموانئ البحرية، ويعمل كمنطقة جمركية، مما يدعم حركة الاستيراد والتصدير.

