تواصل إسرائيل مساعيها لتمديد نفوذها في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ولتحقيق هذا الهدف تتبنى سياسة خارجية تعتمد على أدوات سياسية واقتصادية وأمنية، وهو ما انعكس في المحادثات الأخيرة التي أجرتها الحكومة الإسرائيلية مع رئيس إقليم أرض الصومال “عبد الرحمن محمد عبدالله” خلال زيارته لإسرائيل في 14 يونيو 2026، في أول زيارة رسمية له لإسرائيل منذ إعلان الأخيرة اعترافها بالإقليم في شهر ديسمبر 2025، وما تبع ذلك من إجراءات اتخذتها إسرائيل لتسريع وتيرة تطبيع العلاقات الثنائية مع إقليم أرض الصومال على كافة المستويات السياسية والاستراتيجية والأمنية.
مسارات التحرك:
كانت أولى إجراءات تمديد النفوذ الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي، عقب الإعتراف بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة ذات سيادة، هو تبادل تعيين السفراء بين الطرفين، وتكثيف الزيارات الدبلوماسية التي قام بها المسئولون الإسرائيليون للإقليم، وانتهاءً بالحدث الأبرز وهو إعلان الإقليم افتتاح سفارة له في مدينة القدس، وما أثاره ذلك من ردود أفعال على الصعيدين العربي والإسلامي، حيث أعربت جامعة الدول العربية عن رفضها لهذا الإجراء وأكدت على أن إقامة بعثات دبلوماسية في مدينة القدس “المحتلة” أو الاعتراف بها مقرًا للبعثات الأجنبية تمثل “تقويضًا” للجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام العادل والشامل على أساس مبدأ حل الدولتين، كما أن ذلك يُسهم في ترسيخ الاحتلال غير الشرعي للأراضي الفلسطينية، ودعت الجامعة المجتمع الدولي لتحمل مسئولياته تجاه ما حدث والعمل على وقف إجراءات الحكومة الإسرائيلية في هذا الخصوص[1].
يعكس إعلان إقليم أرض الصومال افتتاح سفارة له في مدينة القدس، نجاح المساعي الإسرائيلية في توظيف الإعتراف الإسرائيلي بالإقليم كورقة ضغط على حكومة الإقليم التي سارعت نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل في مقابل الحصول على اعتراف دولي قد يُساعدها في الحصول على اعتراف المزيد من الدول التي تربطها علاقات وثيقة بإسرائيل.
التواجد العسكري المحتمل:
وقعت الحكومة الإسرائيلية مع إقليم أرض الصومال عددًا من اتفاقيات التعاون الأمني والعسكري التي من شأنها تعزيز المساعي الإسرائيلية لتمديد النفوذ في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو ما انعكس في اجتماع رئيس الإقليم مع وزير الدفاع الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” مؤخرًا، والتوقيع على اتفاقيات لتعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وتبادل الخبرات العسكرية بما في ذلك إشراف إسرائيل على تدريب أفراد المؤسستين الأمنية والعسكرية بالإقليم، بالإضافة إلى المساعي الإسرائيلية لإنشاء قاعدة عسكرية تُسهم في تعزيز التواجد العسكري الإسرائيلي بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
تعكس هذه التحركات الإسرائيلية رغبتها في إيجاد موطئ قدم لها يمكنها من مراقبة حركة الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وتأمين خطوط التجارة الإسرائيلية المتجهة من وإلى آسيا، بالإضافة إلى أن إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية بالإقليم يُساعد إسرائيل على تعزيز وجودها الاستخباراتي والعسكري، ومن ثم تسهيل متابعة التحركات العسكرية في البحر الأحمر، لا سيما تلك المرتبطة بالتحركات العسكرية لوكلاء إيران في المنطقة، وتحديدًا جماعة الحوثي في اليمن، في ظل تزايد التهديدات الأمنية الحوثية لحركة الملاحة البحرية الدولية في البحر الأحمر.
وعلى الرغم من نفي حكومة إقليم أرض الصومال لأي تواجد عسكري إسرائيلي بالإقليم، فإن الإشراف الإسرائيلي على تدريب قوات الشرطة والجيش التابعة لحكومة الإقليم، والمحادثات الأمنية والعسكرية التي أجراها رئيس الإقليم مع وزير الدفاع الإسرائيلي في تل أبيب، تُشير إلى جدية المساعي الإسرائيلية لتعزيز تواجدها العسكري بالإقليم.
مكاسب اقتصادية:
تسعى إسرائيل إلى تعزيز نفوذها في إقليم أرض الصومال، في ظل الرغبة في تحقيق عدد من الأهداف الاقتصادية، حيث تنظر إسرائيل للإقليم باعتباره بوابة تجارية واستراتيجية مهمة تطل على البحر الأحمر، وفي هذا السياق تسعى إسرائيل لفتح أسواق جديدة للشركات الإسرائيلية العاملة في مجال البنية التحتية بما في ذلك تطوير ميناء بربرة المطل على البحر الأحمر، عبر تطوير الخدمات اللوجيستية المرتبطة بالميناء، وتعزيز حركة التجارة الخارجية عبر الميناء، وإقامة مشروعات تنموية وخاصة في قطاع الزراعة.
وتسعى إسرائيل لتوظيف ما تمتلكه من خبرات فنية وتكنولوجية في مجال الري بالتنقيط، والمساعدة في تحسين الإنتاج الزراعي، لا سيما أن الإقليم يعتمد على الزراعة بشكل كبير، هذا إلى جانب رغبة الإقليم في الاستفادة من الخبرات التكنولوجية الإسرائيلية في مجال الأمن السيبراني والتحول الرقمي، وهو ما يعد أحد مجالات الاستثمارات الإسرائيلية في الإقليم، بالإضافة إلى المساعي الإسرائيلية للتعاون في مجالات الطاقة والصحة، والتعاون مع حكومة إقليم أرض الصومال للتنقيب عن المعادن والنفط والغاز، وبالتالي تحقيق مكاسب اقتصادية ومادية هائلة للجانب الإسرائيلي.
وفي المقابل، تستهدف حكومة إقليم أرض الصومال تعظيم مكاسبها الاقتصادية أيضًا، لا سيما في قطاعي الزراعة والطاقة، وذلك عبر بناء شراكات اقتصادية جديدة مع الجانب الإسرائيلي، وبالتالي مساعدته على مواجهة المشكلات والتحديات الاقتصادية الداخلية التي تواجهها حكومة الإقليم، ويعني ذلك أن الأخيرة تنظر للتقارب مع إسرائيل باعتباره فرصة لإقناع الجهات والمؤسسات الدولية المانحة على تقديم المنح والمساعدات الاقتصادية والقروض اللازمة لتنشيط الاقتصاد الهش للإقليم.
ويوفر التطبيع المتسارع في العلاقات الثنائية بين الإقليم وإسرائيل، فرصة سانحة أمام الإقليم للخروج من حالة العزلة الدولية المفروضة عليه منذ إعلان الانفصال عن الدولة الصومالية، وكذلك التحركات الدبلوماسية الصومالية المكثفة على الصعيدين الإقليمي والدولي لحشد وتعبئة الرأي العام الدولي للضغط على حكومة الإقليم والحد من تحركاتها الخارجية بمعزل عن الدولة الأم، غير أن حكومة إقليم أرض الصومال سارعت لقبول الاعتراف الإسرائيلي بها وتبادل السفراء والزيارات مع إسرائيل، للتأكيد على امتلاكها القدرة على إدارة علاقاتها الخارجية، وإيصال رسالة إلى الحكومة الفيدرالية الصومالية برفضها البقاء ضمن الدولة الصومالية وإصرارها على الحصول على اعتراف دولي يمكنها من إعلان دولتها المستقلة.
ختامًا، فإن التواجد العسكري الإسرائيلي بمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، من شأنه التأثير على توازنات القوى في تلك المنطقة، خاصة فيما يتعلق بحركة الملاحة البحرية في مضيق باب المندب، وقد يترتب على الوجود العسكري في الإسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي تهديدات أمنية تتسبب في زعزعة استقرار وأمن المنطقة، لا سيما مع إعلان جماعة الحوثي في اليمن عن رفضها للتواجد الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال معتبرة أن هذا الأمر يمثل تهديدًا للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهددت بمنع إسرائيل من تنفيذ مخططاتها في الصومال والقرن الأفريقي، وبالتالي فقد يتحول الوجود الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال إلى مواجهة غير مباشرة بين إسرائيل وجماعة الحوثي. وعلى الرغم من المواقف الصومالية والإقليمية والدولية الرافضة للتغلغل الإسرائيلي في إقليم أرض الصومال، فإن المعطيات الراهنة تُشير إلى سرعة وتيرة تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بين إسرائيل وإقليم أرض الصومال، وبناءً على ذلك، فإنه من المتوقع أن تواصل إسرائيل مساعيها لتعزيز نفوذها بصورة أكبر في الإقليم ومنه إلى منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
[1] أصدرت 14 دولة عربية (مصر، السعودية، قطر، الأردن، الإمارات، الكويت، البحرين، الجزائر، العراق، المغرب، تونس، السودان، ليبيا، وفلسطين) بيانًا مشتركًا في 16 يونيو 2026 رفضوا فيه عزم الإقليم افتتاح السفارة، واعتبروا الخطوة باطلة، كما أدان البرلمان العربي هذه الخطوة معتبرًا إياها سابقة خطيرة وانخراطًا في محاولات إسرائيل فرض سيادتها على القدس المحتلة، وداعيًا المجتمع الدولي لتحمل مسئولياته.

