الذهب والتحولات التمويلية للجماعات الإرهابية في أفريقيا

30/07/2026

في وقت يشهد فيه السوق العالمي للذهب اضطرابات غير مسبوقة وارتفاعًا قياسيًا في أسعاره؛ سلط مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة (ACLED) [1] الضوء على تنامي ظاهرة استغلال الجماعات الإرهابية لمجال التعدين واستخراج الذهب في بؤر الصراعات، لا سيما في منطقة الساحل في أفريقيا. كشف التقرير عن أن جماعات العنف والإرهاب غالبًا ما تستغل اقتصاديات التعدين بشكل متزايد لتمويل أنشطتها وشن حرب اقتصادية ضد الدول، بما قد يجعل هذا النشاط أحد أكثر المحفزات والمحركات خطورة للنزاعات المسلحة بشكل عام في الفترة المقبلة.

ولا يقتصر هذا الواقع على ما أكده تقرير ACLED الأخير فحسب؛ بل يتقاطع مع ما رصدته العديد من التقارير الدولية والأمنية السابقة في السنوات الأخيرة، التي وثقت التداخل المتنامي بين شبكات التنقيب التقليدي والحرفي، وبين استراتيجيات التمويل للجماعات المسلحة ومجموعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود. وقد أظهرت هذه المُعطيات المتراكمة أن تأثير الذهب لم يعد شريانًا ماليًا لتمويل العمليات عبر الجباية وفرض الضرائب، بل أصبح نظامًا اقتصاديًا وأمنيًا معقدًا يُعيد رسم خريطة العنف السياسي والإرهاب.

بؤر الاستغلال المتنامية:

مثّل نشاط التعدين محورًا رئيسًا في خريطة الصراعات المسلحة على مدار العقود الماضية؛ حيث استغلته الحركات المتمردة والجماعات الانفصالية مثل قوات الدعم السريع وغيرها من تنظيمات الجريمة العابرة للحدود كمحدد جغرافي وركيزة اقتصادية لتوجيه النزاعات الداخلية في البلدان الغنية بالمناجم[2]، في مرحلةٍ كانت تفتقر فيها الجماعات الإرهابية إلى القدرة التنظيمية والميدانية على فرض سيطرتها المباشرة على مواقع التنقيب.

وفي وقت لاحق، وفي ظل تطور القدرات التشغيلية لتلك الجماعات في مجالات التعبئة والتجنيد والتمدد الميداني وامتلاك التكنولوجيا، انتقلت الجماعات الإرهابية من الاعتماد على الفديات والتمويل الخارجي إلى السيطرة المباشرة على مناجم الذهب التقليدية والحرفية، وهو ما يظهر في المؤشرات والبؤر التالية:

· غرب أفريقيا:

أشار تقرير ACLED إلى أن منطقة الساحل الأفريقي (مالي، والنيجر، وبوركينافاسو) باتت بؤرة رئيسة للعنف المرتبط بعمليات التعدين منذ عام 2015، حيث مثلت أحداث النزاع المرتبط بالتعدين حوالي 5% من جميع أحداث العنف السياسي في البلدان الثلاثة، مشيرًا إلى أن بوركينا فاسو قد استحوذت على 75% من إجمالي حوادث العنف المرتبطة بالتعدين في هذه المنطقة بين عامي 2015 و2026 مقارنةً بنسبة 15% في مالي و10% في النيجر.

Source: ACLED

وبحلول عام 2025، انخفضت حصة بوركينا فاسو إلى 54%، بينما شكلت مالي والنيجر 29% و18% من الحوادث المسجلة على الترتيب، فيما تعد “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)” الطرف المسلح الأكثر تورطًا في حوادث العنف المحيطة بمناطق الذهب.

وفي السياق ذاته؛ كشف تحقيق استقصائي في أواخر عام 2025 عن أن منطقة شمال غرب نيجيريا تشهد مساعي مكثفة من قبل الجماعات الإرهابية النشطة بها لاستغلال الذهب في مقابل الحصول على السلاح[3].

· وسط أفريقيا:

شهدت المنطقة تناميًا للتنافس والنزاع على مناطق التعدين والموارد الطبيعية، وأصبحت محركًا رئيسًا لخريطة العنف، ففي الكونغو على سبيل المثال، أشار قرار مجلس الأمن رقم 2825 لعام 2026، أن الجماعات المسلحة (مثل: حركة 23 مارس، والقوات الديمقراطية المتحالفة) في شرق البلاد تنشط في مناطق التعدين مثل الذهب والقصدير والتنتالوم والتنجنستن واستثمار تلك الموارد في تمويل أنشطتها غير المشروعة[4].

وفي السياق ذاته؛ كشف تقرير آخر أن الجماعات المسلحة في شرق الكونغو، لا سيما القوات الديمقراطية المتحالفة، وسعت نشاطها منذ عام 2023 في مجال التعدين واستخراج الذهب بعد أن رسخت وجودها في مواقع رئيسة للتعدين خاصة في إقليم إيتوري، بما أدى إلى تصاعد النزاع بين الجماعات المسلحة والمتنافسة على هذه الموارد[5].

أما في جمهورية أفريقيا الوسطى، فقد أعاد التعدين واستخراج الذهب خريطة الصراعات الداخلية، حيث تُشير التقارير إلى أن مجموعة فاغنر الروسية / الفيلق الأفريقي قامت في عام 2023 بانتزاع واسترداد السيطرة على مواقع استراتيجية مثل منجم “نداسيما” للذهب من جماعات مسلحة محلية كانت تسيطر عليها سابقًا مثل “الاتحاد من أجل السلام”، وهو ما أثر على نشاط وموارد مختلف التنظيمات فيها[6].

· شرق أفريقيا:

لم يكن الحال مختلفًا في شرق أفريقيا، حيث تطورت استراتيجية تمويل تنظيم “داعش” في موزمبيق خلال الفترة من عام 2019 وحتى نهاية عام 2025، ليتحول من الاعتماد على الدعم الخارجي إلى التمويل الذاتي المُستدام عبر استغلال نشاط التعدين الحرفي وتهريب الذهب والأحجار الكريمة، وقد زادت العمليات المرتبطة بالتنظيم حول مناطق التعدين من عملية واحدة عام 2019 إلى 18 عملية في عام 2025.

ويفرض التنظيم إتاوات وضرائب حماية على مناجم الذهب الحرفية وعلى شبكات المنقبين والتجار المحليين في المناطق الخاضعة لنفوذه أو المحيطة بها، إلى جانب مشاركته المباشرة في عمليات التهريب والتصرف في حصص الذهب عبر الحدود لتأمين السيولة المالية بعيدًا عن الرقابة المصرفية.

دوافع وانعكاسات متشابكة:

جاء اهتمام الجماعات الإرهابية والمنظمات الإجرامية بمجال تعدين واستخراج الذهب مرتبطًا بمجموعة من العوامل التي جعلت هذا المجال وسيلة مثالية لتمويل أنشطتها وغسل أموالها، حيث يمثل الذهب قناة أساسية لتوليد الأرباح الضخمة، ونقل القيمة عبر الحدود بطريقة يصعب تتبعها، وتحويلها إلى أصول مستقرة ومجهولة المصدر وقابلة للتحويل وسهلة التبادل، كما أن الطبيعة المادية للذهب تسمح بإيداع وإخفاء ودمج العائدات غير المشروعة مع عوائد الأنشطة المشروعة في قطاع الذهب[7].

وتعتمد الجماعات الإرهابية والمنظمات الإجرامية على أساليب مبتكرة لتجاوز الرقابة الحدودية، تشمل إعادة التشكيل المادي بصهر الذهب في هيئة أدوات يومية مثل البراغي والصواميل ومفاتيح الربط وأبازيم الأحزمة وعقبات المقطورات، أو صياغته كهدايا تذكارية ومخاريط، كما تلجأ هذه الجماعات إلى تغيير الخصائص المادية عبر طلاء السبائك لتغيير لونها، أو تحويل المعدن إلى رقائق تُخلط بالقهوة أو قطرات صغيرة للإخفاء الداخلي، وتتنوع أساليب الإخفاء في الأمتعة.

وفي السياق ذاته؛ يتم استغلال الثغرات اللوجستية والموظفين، لتجاوز عمليات التفتيش. علاوة على ذلك، يتم التلاعب بالوثائق والتصنيف التجاري بوصف الذهب كـ”أصباغ” في إقرارات التصدير وتقليل قيمته المعلنة عمدًا في الفواتير، وصولًا إلى التبديل الميداني للشحنات في المناطق الاقتصادية الخاصة عبر استبدال صناديق الذهب المصرح به قانونيًا بالنحاس أو الخردة المعدنية بعد التخليص الجمركي لبيعه في السوق السوداء.

وتستخدم الجماعات الإرهابية عوائد تعدين الذهب كبديل استراتيجي للنقد لتمويل احتياجاتها العسكرية واللوجستية من أسلحة وأدوية، أو لمقايضته مباشرة في الصفقات غير المشروعة وتسوية الديون وتوزيع الأرباح دوليًا، كما يتم استغلال تلك العوائد في إعادة استثمار الأرباح في أنشطة إرهابية وإجرامية جديدة، كما قد تستغل تلك العوائد في بناء وتمويل الشبكات الموالية للجماعات الكبرى سواء القائمة أو الجديدة، وتمويل أنشطتها للسيطرة والتمدد.

ولا يقتصر الأمر على ذلك فقط؛ فقد تستغل جماعات إرهابية مثل القاعدة وداعش تلك العوائد لإعادة رسم خريطة نفوذها الداخلية في مناطق الصراعات، وذلك من خلال دعم أنشطتها الاجتماعية بما يعزز حواضنها المختلفة، ويعزز من قدرتها على اجتذاب وتجنيد الانتهازيين، وتدعيم صلاتها وتحالفاتها بالجماعات والأطراف الأخرى التي قد ترى في مواردها فرصة يمكن تقاسمها في مواجهة الدولة، هذا إلى جانب ترسيخ خطابها الدعائي والتحريض وتنمية مواردها لإنتاج أو استيراد التكنولوجيا ذات البعد العسكري، بما يخل بتوازن القوى.

إن تنامي هذه الظاهرة يحمل انعكاسات خطرة على أمن الدول، وعلى جهود مكافحة الإرهاب والجرائم العابرة للحدود، فقد يؤدي إلى إطالة أمد الصراعات من خلال تعزيز قدرة الجماعات على تمويل حرب مفتوحة ضد الحكومات، مع استنزاف موارد الدولة والإضرار بالاقتصاد المحلي وخسارة الدولة للعوائد السيادية، والضغط على العملة المحلية وتفشي الفساد الإداري، بما يؤثر على الأمن الاجتماعي والتماسك والسلم الأهلي.

كما تزيد هذه الظاهرة من عمليات التهريب وشبكاتها المختلفة، مع تعقيد شبكة المنتفعين العابرة للحدود، والتي يصعب تتبعها، بما يؤثر على الاقتصاد العالمي بشكل عام، واستمرار اضطراب سوق المعادن، ناهيك عن تزايد تحديات المواجهة والمكافحة التي ستتطلب بذل جهودًا مضاعفة لرفع الكفاءة وحجم التمويل المخصص لذلك، من أجل استدامة واستباق هذه الجرائم، كما ستطرح إشكاليات تتعلق بجهود التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة هذه الظاهرة في ظل تعقد وتقاطع شبكات المصالح الإقليمية والدولية.

ختامًا، لم تعد هذه الظاهرة مجرد عمليات مالية غير مشروعة، ولكن أصبحت أقرب لأشكال العمليات الإرهابية المُستحدثة، والتي تعزز من الصراعات وتقلص فرص السلام، وتفرض واقعًا جيوسياسيًا جديدًا لا يقتصر على القارة الأفريقية فحسب، ولكن يمتد أثره إلى نطاقات جغرافية حول متعددة العالم.


[1] Héni Nsaibia, “Extraction under fire: How mining reshapes conflict in the central Sahel”, ACLED Data. 22 July 2026. Available at https://acleddata.com/report/extraction-under-fire-how-mining-reshapes-conflict-central-sahel

[2] شملت القائمة تنظيمات مثل: قوات الدعم السريع في السودان، الأزواد في شمال مالي، حركة 23 مارس في الكونغو، وفصائل “السيليكا” و”أنتي بالاكا” (أفريقيا الوسطى)، وجيش التحرير الوطني في كولومبيا، ومنشقو حركة “فارك”، وكذلك العصابات والمجموعات المسلحة في فنزويلا.

[3] “INVESTIGATION: How gold-for-arms trade is fuelling terror in Nigeria’s north-west”, TheCable. 25 October 2025. Available at: https://www.thecable.ng/investigation-how-gold-for-arms-trade-is-fuelling-terror-in-nigerias-north-west/

[4] قرار مجلس الأمن رقم 2825 لعام 2026، الأمم المتحدة، مجلس الأمن. 29 يونيو 2026، متاح على https://tinyurl.com/2hv85w5t  

[5] Kristof Titeca and Giovanni Salvaggio, “Beyond the Jihadist Label: Understanding the ADF’s Multilayered Violence”, Royal Institute for International Relations, Egmont Paper 135. January 2026. Available at https://egmontinstitute.be/app/uploads/2026/01/Titeca_Salvaggio_Paper_135_vFinal.pdf?type=pdf

[6] Peter Bofin, “Ransom, gold, and spoils of war: Islamic State Mozambique’s new cash flow”, Defense Web. 23 January 2026. Available at: https://defenceweb.co.za/security/national-security/ransom-gold-and-spoils-of-war-islamic-state-mozambiques-new-cash-flow/

[7] للمزيد من التفاصيل حول الدوافع والآليات يمكن الرجوع إلى تقرير مجموعة العمل المالي (فاتف): “المخاطر ونقاط الضعف في مجال غسل الأموال وتمويل الإرهاب المرتبطة بالذهب”، مجموعة العمل المالي. يوليو 2015. متاح على https://tinyurl.com/4pj9vy63

ethiopia-conflict
المسار الجغرافي والتغيرات المُحتملة للحرب في تيجراي
12456
مستقبل الصراعات الإثنية في إثيوبيا
3
ضغوط التسوية في الحرب الروسية الأوكرانية وتفاعلات الميدان
sudanconflict
كردفان محور الحسم: مسار الحرب بين محاولات التسوية والأوضاع الميدانية
Scroll to Top