مستقبل هيكلة السلطة والنفوذ في إيران

28/09/2026

يشهد النظام السياسي الإيراني تحولًا هيكليًا نحو إعادة تشكيل موازين القوى في الداخل، حيث بدأت مركزية صنع القرار تتزحزح تدريجيًا من المؤسسة الدينية التقليدية والحكومة المنتخبة لصالح نخبة أمنية وعسكرية صاعدة، يقودها الحرس الثوري الإيراني، عبر المجلس الأعلى للأمن القومي، وقد أدى هذا التحول المؤسسي إلى إعادة صياغة شاملة للملفات الاستراتيجية، على رأسها، إدارة العمليات العسكرية الميدانية، وهندسة المفاوضات مع الولايات المتحدة، والملف النووي، وآليات التحكم في حركة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز.

صعود النخبة العسكرية وتآكل المؤسسات التقليدية:

برز هذا التحول بشكل واضح في تراجع صلاحيات المؤسسات المدنية التنفيذية، لا سيما مع تحول الحكومة المنتخبة برئاسة “مسعود بزشكيان” إلى ما يُشبه هيئة إدارة أزمات مُخصصة للتعامل مع الأنشطة الخدمية والاقتصادية اليومية، وقد شهدت هذه المرحلة تناقصًا غير مسبوق في الصلاحيات السيادية لمؤسسة الرئاسة، مع تقليص نفوذ الرئيس ووزارة خارجيته عن رسم مسار محادثات وقف إطلاق النار أو التأثير في خطط التصعيد والتكتيكات البحرية، وممارسة القيادة العسكرية حق الفيتو الصريح على القرارات السياسية والتعيينات الوزارية.

في المقابل، أصبح دور المرشد “مجتبى خامنئي” مقتصرًا على إسباغ الشرعية والرمزية الدينية وتوفير الغطاء الفقهي لقرارات المنظومة الأمنية والعسكرية، نتيجة الظروف الاستثنائية لترقيته، وافتقاره للمرجعية الفقهية المُستقلة، إلى جانب الدواعي الأمنية التي فرضت اعتماده الهيكلي الكامل على حماية الحرس الثوري[1]. وتمثل حالة اختفاء المرشد تحت الدوافع الأمنية ثغرة تُضعف رمزيته شيئًا فشيئًا، لا سيما أن التطورات الميدانية تُنذر بتحول تدريجي هيكلي نحو نظام حكم يُهيمن فيه الحرس الثوري على مقاليد السلطة الفعلية، بما يضع استقرار الجمهورية الإيرانية أمام اختبار وجودي في ظل معركة التوازنات الداخلية والإقليمية والصراع مع المحور الغربي[2].

صعود “أحمد وحيدي”:

أصدر المرشد الأعلى “مجتبي خامنئي” قرارًا بتصعيد وتعيين 6 قيادات عسكرية في الجيش والحرس الثوري، تمثل أبرزها في ترقية العميد “أحمد وحيدي” إلى رتبة لواء وتعيينه قائدًا للحرس الثوري، ليُصبح أقوى رجل في هيكل السلطة الإيراني، والفاعل المحوري في التوجيه الاستراتيجي.

يستند “وحيدي” في ظل هذه الهيمنة على خلفية مركبة تجمع بين القيادة الميدانية المباشرة كقائد سابق لفيلق القدس في الحرس الثوري، والخبرة الإدارية في حقائب وزارية سيادية سابقة كالدفاع والداخلية[3]، بما منحه فهمًا دقيقًا لمفاصل البيروقراطية المدنية والقدرة على توظيفها لصالح الأجندة الأمنية، كتحالفه مع القائد السابق للحرس الثوري “محمد علي جعفري”، وكذلك تقاربه مع أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي “محسن رضائي” ومعسكره الأمني الجديد الذي يضم المستشار السياسي للمرشد الجنرال “محمد باقر ذو القدر”، والأمين السابق للمجلس “علي أكبر أحمديان”، والقيادات البارزة في الحرس الثوري، خاصةً “محمد إسماعيل كوثري”، و”مجتبى ذو النور”، إلى جانب رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام “صادق آملي لاريجاني”، وذلك لتحقيق هدف أكبر يتمثل في تقليص هامش مناورة الحكومة.

برز نوع من الصدام بشكل واضح في السجال الذي تشهده أروقة النظام الإيراني بين الحكومة المدنية برئاسة “بزشكيان”، وقيادة الحرس الثوري، وذلك حول أولويات الموازنة وكلفة البرنامج النووي والصاروخي، حيث يُطالب الفريق الرئاسي بإعادة توجيه الموارد لإصلاح الاقتصاد المتداعي وانخفاض التجارة بنسبة 35% والتضخم البالغ 66%، لتجنب الانفجار الشعبي، بينما يرتقي الحرس الثوري بالملف العسكري والنووي فوق الحسابات المالية، مُعتبرين أي تقليص للإنفاق العسكري وتعزيز التسلح تنازلًا استراتيجيًا خطيرًا في مرحلة حرجة.

وقد انتقل هذا الصدام إلى الساحة الإعلامية، حيث وجه “وحيدي” رسالة دعم لرئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون “بيمان جبلي” عبر الإشادة بأدائها في الجبهة الإعلامية، وذلك بعد انتقادات حادة للمؤسسة الإعلامية من الرئيس “مسعود بزشكيان” بسبب اقتطاع أجزاء من مقابلاته حول المفاوضات[4]، وهو ما يعكس التوجه لحماية الخطاب المتشدد، وفرض وصاية صريحة على الرسائل السياسية، وذلك لاحتكار السردية الرسمية للنظام.

كما أصبح “وحيدي” يُسيطر – بالتنسيق مع القيادة المركزية للجيش وأمانة المجلس الأعلى للأمن القومي – على المقاليد الحاكمة للصراع، بما في ذلك إدارة المواجهة البحرية والتصعيد في مضيق هرمز وصياغة شروط الهدنة[5]، وهو ما أدى إلى إزاحة القنوات الدبلوماسية الرسمية، ويُضفي موقعه الدولي المُدرج على قائمة الإنتربول والخاضع لعقوبات غربية مشددة طابعًا راديكاليًا محافظًا، يجعله أكثر ميلًا لتبني خيارات الردع الصلب، وإطالة أمد المواجهة بدلًا من تقديم تنازلات دبلوماسية.

تحول المجلس الأعلى للأمن القومي لمجلس حرب تنفيذي:

تحول المجلس الأعلى للأمن القومي من هيئة استشارية لتنسيق السياسات الأمنية والدفاعية إلى أداة تنفيذية وسيادية بارزة، بل والحاكم الفعلي في ظروف الحرب. أصبح المجلس يُصدر القرارات الاستراتيجية العليا بعيدًا عن الرقابة التشريعية للبرلمان أو المتابعة التنفيذية من وزارة الخارجية، وهو ما تجسد في فرض هيمنته المباشرة وإعلان السيطرة العسكرية على حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وقد تجاوز الأمر إلى الانخراط في الأمور الداخلية، خاصةً فيما يتعلق بعرقلة قرار الحكومة خلال أزمة البنزين، حيث تري الحكومة ضرورة الأخذ من الاحتياطي الاستراتيجي لحل الأزمة وتجنب الانفجار الشعبي الداخلي، بينما يري المجلس برئاسة “محسن رضائي” أن هذه الاحتياطيات تُعد حكرًا على الأعمال العسكرية فقط في الوقت الحالي.

وبالرغم من هذه الهيمنة الكُبرى، فإن آلية اتخاذ القرار داخل المجلس أصبحت تتسم بالبطء والتعقيد، وتأخر التفاعل مع التطورات الدولية، نتيجة التنافس والتوازنات المعقدة بين عدة أجنحة ومراكز قوى عسكرية نافذة تشمل أمانة المجلس، وقيادة الحرس الثوري، ومقرات القيادة الميدانية.

استقلالية اقتصاد الحرس الثوري وتداعياته السياسية:

يمتلك الحرس الثوري منظومة اقتصادية مستقلة وممتدة تعمل كاقتصاد موازٍ للاقتصاد الرسمي، ويتألف هذا الكيان المالي من شركات مقاولات عملاقة، ومؤسسات طاقة، وشبكة واسعة من المؤسسات الاقتصادية والدينية (البنياد). وتوفر هذه الشبكة للمؤسسة العسكرية موارد مالية ذاتية وهياكل تمويل موازية تجعلها معزولة نسبيًا عن تداعي الميزانية الحكومية أو تدهور أسعار العملة. هذا الاستقلال المالي أوجد حالة من التباين الحاد في المصالح، فبينما تضغط الحكومة المدنية في اتجاه الهدنة لتجنب الانهيار المعيشي، أصبحت القيادة العسكرية تمتلك دوافع أكبر للاستمرار في التصعيد تعزيزًا لمكاسبها المؤسسية. بالتوازي مع ذلك، فإن انتقال إدارة الملفات الإقليمية بصورة كبيرة إلى فيلق القدس عزز من حالة العجز الدبلوماسي الرسمي، حيث أصبحت إشارات التهدئة التي ترسلها وزارة الخارجية تفتقر للمصداقية الميدانية لكون القرار العملياتي بات يُدار بمعزل عن الحكومة.

بناءً على هذه المعطيات، فإن اتساع الفجوة بين مكوني النظام الإيراني، المدني والعسكري، قد يؤدي إلى زيادة الصراع البيروقراطي وتهميش الجهاز التنفيذي، بما قد يُفجر حالة من السخط المكتوم داخل الوزارات المعنية بتنفيذ قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي. كما يُتوقع حدوث صراع أجنحة مكتوم داخل الحرس الثوري، بين جيل القيادات التأسيسية، وجيل صاعد أكثر راديكالية وتغلغلًا في الاقتصاد، وذلك حول توزيع النفوذ والمكتسبات المالية، وهو ما قد ينعكس على القرار العسكري بمزيد من الصرامة أو التخبط الميداني.

في السياق ذاته، فإن التوازنات الحالية داخل النظام الإيراني تؤشر على استمرار ترسيخ المجلس الأعلى للأمن القومي في فرضيات عملياتية تقيد حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، وتحوله إلى نظام مراقبة صارم وانتقائي، ليكون ورقة ابتزاز دائمة لإدارة التوازنات مع الخصوم في الداخل والخارج. كما أن استمرار دور الحرس الثوري، عبر فيلق القدس، في الملفات الإقليمية قد يمنح شبكة الأذرع المسلحة مساحة أكبر من الاستقلالية التكتيكية، حيث ستتحول الاتصالات الإقليمية من مسار التوافقات السياسية الشاملة إلى تقييمات ميدانية بحتة. ويُتوقع أن يتحول الملف النووي الإيراني من أداة للمساومة الاقتصادية إلى درع سيادي بحت، إذ ستدفع النخبة العسكرية نحو ترسيخ عقيدة الغموض النووي للتعويض عن تآكل الشرعية السياسية، بما قد يُغلق باب التوصل لاتفاقات هيكلية طويلة الأجل مع المحور الغربي، واقتصار الحوار على تفاهمات مؤقتة.


[1] Samia Nakhoul, et al, “Iran’s Guards seize wartime power, blunting supreme leader’s role”, Reuters. 29 April 2026. Available at: https://www.reuters.com/world/asia-pacific/irans-guards-seize-wartime-power-blunting-supreme-leaders-role-2026-04-28/

[2] Raz Zimmt, “The Disappearing Leader: The Struggle for Mojtaba Khamenei’s Legitimacy”, The Institute for National Security Studies. 15 September, 2026. Available at: https://www.inss.org.il/publication/mujtaba/

[3] “Who is Ahmad Vahidi, Iran’s IRGC new commander?”, Politics Today. 6 March 2026. Available at: https://politicstoday.org/who-is-ahmad-vahidi-irans-irgc-new-commander/

[4] “قائد الحرس الثوري يدعم التلفزيون الرسمي الإيراني في مواجهة بزشكيان وقاليباف”، إيران إنترناشيونال. 22 أغسطس 2026. متاح على https://www.iranintl.com/ar/202608223922

[5] محمد الزغول، “الصّراع على مَنْفَذ الدولة العميقة: دلالات تغيير أمين «المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني»”، مركز الأمارات للسياسات. 11 أغسطس 2026. متاح على https://epc.ae/ar/details/brief/the-struggle-over-the-deep-state-s-gateway-in-iran

US-JORD
الأردن وتأثيرات المواجهة الأمريكية الإيرانية
iraq-turk
فرص التقارب التركي العراقي
nato2026
مقاربة جديدة: الرؤية التركية للأمن الأوروبي
hormuz
التنافس على مضيق هرمز بين الاعتبارات القانونية والسياسية
Scroll to Top