يشهد العراق في الآونة الأخيرة تحولات مهمة تتعلق باكتمال مؤسسات الدولة، فبعدما منح البرلمان العراقي الثقة في حكومة “علي الزيدي” غير المكتملة، وصوت على منح الثقة لـ 14 وزيرًا فقط، من أصل حكومة يُفترض أن تضم 23 وزيرًا، فقد أُعلن يوم 15 أكتوبر 2026 عن اكتمال تشكيل الحكومة العراقية بعد أشهر من تولي “علي الزيدي” منصبه، لتبدأ التباينات بين الجانبين الأمريكي والإيراني حول اختيار بعض المناصب في الحكومة، وهو ما يمثل امتدادًا للتباينات حول مسألة حصر السلاح بيد الدولة.
اتجاهات منضبطة:
تمثلت أبرز ملامح العلاقات بين العراق والولايات المتحدة في محاولة تخطي التحديات، وإصلاح العلاقة بين الجانبين، فبالرغم من قيام النائب الأمريكي “جو ويلسون” بشن هجوم على إشراك شخصيات من الفصائل الواقعة تحت العقوبات الأمريكية في الحكومة الجديدة، ووصف الأمر بأنه “مثير للغضب”، فإنه على الجانب الآخر اتضحت بعض المزاعم عن وجود ضوء أخضر أمريكي للسماح باختيار تلك الشخصيات.
كما تجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من التجاوز على علم الولايات المتحدة من قِبل فصائل في “الحشد الشعبي”، خلال استعراض عسكري في ساحة التحرير وسط بغداد خلال فعاليات “يوم السيادة”، فإنه سرعان ما أعلن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية “صباح النعمان” عن صدور أمر من القائد العام “علي الزيدي” بتشكيل لجنة تحقيق للوقوف على ملابسات التجاوز الذي تم بحق علم الولايات المتحدة.
علاوة على ذلك، برزت مؤشرات العلاقة الجيدة بين الجانبين العراقي والأمريكي في بعض المظاهر، بما في ذلك إشادة المبعوث الأمريكي “توم باراك” بالتحركات العراقية لتحقيق الاستقرار وتوفير الأمن، وذلك في أعقاب لقاء جمع بينهما في 13 أكتوبر 2026 للتباحث حول سبل تطوير العلاقات الثنائية، وكذلك اجتماع “باراك” مع القائم بأعمال السفارة الأمريكية في العراق “ستيف فاغن” مؤكدًا له على انتقال العلاقات الأمريكية – العراقية من الشراكة القائمة على الجانب الأمني إلى التعاون الاقتصادي والمصالح المتبادلة، فضلًا عن إعلان وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” تهنئة العراق بمناسبة يوم السيادة، مشيدًا بتحركات رئيس الحكومة في ملف حصر السلاح، ومؤكدًا استمرار العلاقات الأمريكية مع العراق طبقًا للاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تم الاتفاق عليها مؤخرًا خلال زيارة “الزيدي” إلى الولايات المتحدة في يوليو 2026.
ويحاول العراق استقطاب الولايات المتحدة في علاقات اقتصادية وأمنية، وهو ما أظهرته تحركات وزير الخارجية العراقي “فؤاد حسين”، حيث التقى بالمبعوث الأمريكي “باراك” يوم 10 أكتوبر 2026 في إسطنبول، لمناقشة مستجدات العلاقة بين الجانبين في ضوء انتهاء مهمة قوات التحالف الدولي في العراق وتناولا تداعيات تطورات الأوضاع في المنطقة على الأمن والاستقرار العراقي، كما اجتمع مع نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي “مايك نيدهم” في واشنطن للتباحث حول سبل تطوير العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية والتجارية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تحذير رئيس الوزراء العراقي قوى الإطار التنسيقي من عدم الالتزام بالمواعيد المحددة لحصر السلاح والتأكيد على ضرورة دعم عمل اللجنة المعنية بالتفاوض مع الفصائل المسلحة – اللجنة المشكلة من قبل الإطار التنسيقي للحوار مع الفصائل بشأن تسليم السلاح، وتضم رئيس ائتلاف الاعمار والتنمية “محمد شياع السوداني” ورئيس منظمة بدر “هادي العامري” – للوصول إلى اتفاق نهائي لتسليم السلاح وفق المهلة الزمنية المتفق عليها، وتأكيده على أن انسحاب القوات الأمريكية لا يعني انتهاء التعاون الأمني.
تحركات متزامنة:
جاءت التحركات العراقية الأمريكية تزامنًا مع تحركات أخرى في إطار العلاقات العراقية الإيرانية، في ضوء الحرص العراقي على عدم تعرض الأخيرة للخطر نتيجة المنحى الإيجابي للعلاقات مع الولايات المتحدة، وهو ما يعني الحفاظ على المنطقة الرمادية في إدارتها للتباين الأمريكي الإيراني، وقد ظهر ذلك في التنسيق مع الولايات المتحدة من أجل السماح بتسيير 40 رحلة جوية يوميًا من وإلى مطار النجف، لشركات الطيران الإيرانية، باستثناء شركة “ماهان”، الأمر الذي أسفر عن استئناف الرحلات الجوية بين العراق وإيران، وكذلك محاولات الحكومة العراقية طرح نفسها كوسيط لتهدئة التوترات في المنطقة، لا سيما بين دول الخليج وإيران، بالإضافة إلى اجتماع رئيس ائتلاف الإعمار والتنمية “محمد شياع السوداني” مع السفير الإيراني لدى العراق “محمد كاظم آل صادق” للتباحث حول آليات تطوير العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات وتحقيق التكامل الاقتصادي.
في الوقت ذاته، أظهر الجانب الإيراني حرصه على الحفاظ على العلاقة مع العراق ومنع استبدال دورها بالولايات المتحدة، حيث حمل وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” الولايات المتحدة مسؤولية انعدام أمن الملاحة وغلق مضيق هرمز لعرقلتها الدبلوماسية، وذلك خلال لقائه مع “الزيدي” على هامش اجتماع وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي يوم 18 أكتوبر 2026، وتحاول إيران التأكيد على أنها ليست مصدر الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العراق بعد غلق المضيق، خاصة مع السماح الإيراني لعبور ناقلات النفط العراقية عبر مضيق هرمز، حيث قامت شركة ناقلات النفط العراقية المملوكة للدولة (سومو) بنقل مليوني برميل نفط من الخام العراقي على متن ناقلة عملاقة عبر المضيق باعتبارها أول عملية من نوعها تقوم بها الشركة منذ عقود، ورحب الحرس الثوري الإيراني بانسحاب القوات الأمريكية من العراق، ووصفه بانتصار تاريخي وبداية طرد واشنطن من المنطقة والعالم الإسلامي بأكمله.
دوافع عراقية:
تكمن أبرز دوافع العراق في الحفاظ على علاقته بالجانبين الأمريكي والإيراني في محاولة للتخفيف من الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها، لا سيما بعد القرار الأخير بخفض قيمة الدينار العراقي بنحو 15% أمام الدولار، في محاولة للتعامل مع أزمة السيولة وتأمين النفقات الأساسية ورواتب الموظفين، وتشكل الإيرادات النفطية نحو 90% من إيرادات الحكومة، وقد تأثرت هذه الإيرادات بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية، حيث كانت تصدر قبل الحرب نحو 3.5 ملايين برميل نفط يوميًا عبر المضيق.
على الجانب الآخر، يرغب العراق في الحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة تجنبًا لفرض العقوبات الاقتصادية أو التعرض لحصار، وبناء شراكات اقتصادية، حيث جرى توقيع 18 اتفاقًا حول الطاقة والنفط خلال زيارة “الزيدي” للولايات المتحدة.
كما يسعى العراق للمناورة في ملف حصر السلاح من خلال إبقاء القنوات متاحة لدى الجانبين نتيجة لاستمرار رفض بعض الفصائل تسليم سلاحها، فبالرغم من إعلان زعيم التيار الصدري “مقتدى الصدر” دمج فصيل سرايا السلام بالكامل في الدولة، وإشارة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي إلى الاستعداد لمسار الدمج. في حين ربطت بعض الفصائل الأخرى مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء رفضها لنزع السلاح مع اعتبارها ضمن المقاومة والدفاع عن المكون الشيعي بالرغم من استمرار المفاوضات وتأكيدها على أن رفضها لا يُعتبر مطلقًا، ولكن يرتبط ببعض الشروط، أهمها: انسحاب القوات الأمريكية والتركية، وإنهاء وجود تنظيم “حزب العمال الكردستاني” في العراق، وإقرار تشريعات تضمن رواتب وامتيازات الحشد الشعبي، وإنهاء التأثير المالي الأمريكي في العراق، وحل قوات البيشمركة الكردية.
ختامًا، يُمكن ترجيح استمرار تحركات الحكومة العراقية الراهنة لإدارة التباينات بين الموقف الأمريكي والموقف الإيراني ومحاولة تجنب الاستقطاب من خلال الحفاظ على العلاقة مع كل جانب، كمحاولة للتأكيد على نجاح تجربة الإطار التنسيقي حتى الآن في الوصول إلى توافق وعبور أزمة تجاوز المهلة الدستورية لاختيار رئيس الوزراء والتي فشل في تحقيقها خلال الاستحقاقات السابقة، وهو ما يعكس حرص القوى السياسية الراهنة على استكمال مهام مؤسسات الدولة وتجاوز الخلافات، والتعامل مع التحديات والملفات الشائكة، التي يتمثل أبرزها في امتلاك الفصائل قدرات عسكرية بما يمكنها من التصرف بشكل مستقل، وارتباط هذه الفصائل بشبكات سياسية داخل مؤسسات الدولة، حيث لا يمكن التعامل مع الفصائل المسلحة باعتبارها مجرد جماعات أمنية منفصلة عن الدولة.

