دور “الماشاف” في العلاقات الإسرائيلية الأفريقية

29/09/2026

يأتي هذا الإصدار في سياق اهتمام المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط برصد التحركات الإسرائيلية في الشرق الأوسط وأفريقيا، ودراسة الأدوات التي تستند إليها السياسة الخارجية الإسرائيلية في بناء حضورها. ففهم حركة الدول لا يكتمل بمتابعة المواقف السياسية والعسكرية وحدها، بل يقتضي الوقوف على الأدوات الأقل تأثيرًا والأكثر استمرارية وفاعلية، التي تعمل عبر اليات التنمية والتدريب ونقل المعرفة وبناء الشبكات المؤسسية.

ومن بين هذه الأدوات تبرز الماشاف (MASHAV)، الوكالة الإسرائيلية للتعاون الدولي من أجل التنمية التابعة لوزارة الخارجية، التي أُنشئت عام 1958 في مرحلة تزامن فيها سعي إسرائيل لتوسيع دائرة الاعتراف الدولي بها مع صعود موجة الاستقلال الأفريقي. ومنذ ذلك الحين احتلت أفريقيا مكانة بارزة في نشاط الوكالة، فكانت إحدى الساحات الأولى التي اختبرت فيها إسرائيل قدرتها على تحويل ما تراه مزايا نسبية في مجالات متعددة إلى برامج للتعاون الفني وبناء القدرات.

ويجدر التنبيه إلى عدم الخلط بين الماشاف (MASHAV) بهذا المعنى، وبين الموشاف (Moshav)، وهو أحد أنماط المستوطنات الزراعية التعاونية في التجربة الإسرائيلية. فلا توجد صلة مؤسسية مباشرة بين المؤسستين، غير أن هناك صلة فكرية وخبراتية تستحق التأمل؛ فقد كانت التجارب الزراعية الإسرائيلية، ومن بينها الموشاف، جزءًا من الرصيد الذي قُدم إلى دول نامية بوصفه خبرة قابلة للنقل والتكييف.

ولعل هذا الامتداد التاريخي هو ما استدعى تخصيص هذه الدراسة لرصد دور الماشاف في العلاقات الإسرائيلية الأفريقية. فمسار الوكالة عرف توسعًا في الستينيات، ثم تأثر بالتحولات التي أعقبت حربي 1967 و1973 وقطع عدد كبير من الدول الأفريقية علاقاتها بإسرائيل، قبل أن يستعيد حضوره تدريجيًا منذ الثمانينيات والتسعينيات، وصولًا إلى مرحلة أصبحت فيها أفريقيا جزءًا من شبكة مصالح إسرائيلية أوسع.

وتشكل المصالح الاقتصادية عنصرًا مهمًا في تفسير تجدد الاهتمام الإسرائيلي بالقارة. فأفريقيا تضم أسواقًا واسعة واقتصادات كبيرة وواعدة في دول مثل نيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا، إلى جانب ما تتمتع به من موارد طبيعية وسواحل ممتدة وتحولات ديموجرافية وتكنولوجية متسارعة واحتياجات متزايدة إلى الطاقة والغذاء والمياه والبنية الأساسية. وقد دفعت هذه البيئة إسرائيل إلى السعي للاستفادة من بعض مجالات تفوقها النسبي في التكنولوجيا والزراعة وإدارة المياه والطاقة المتجددة، بالتوازي مع تنشيط الحضور السياسي من خلال الزيارات الرسمية والجولات الدبلوماسية والقمم واللقاءات الثنائية مع القادة الأفارقة.

ومن هنا لا ينبغي النظر إلى نشاط الماشاف باعتباره مسارًا قائمًا بذاته، بل باعتباره جزءا من مخطط إسرائيلي أشمل وأعم داخل القارة الأفريقية. فالوكالة تنشط في دعم قطاعات الزراعة والأمن الغذائي والمياه والصحة وبناء القدرات، ومن بين تطبيقات ذلك برامج تستهدف أصحاب الحيازات الصغيرة وتحسين إنتاج الفواكه والخضروات في عدد من الدول، منها إثيوبيا والكاميرون ورواندا، إلى جانب أنشطة صحية وطبية في دول أخرى. وتكشف الدراسة في هذا الصدد أن قيمة النموذج الإسرائيلي لا تقوم بالضرورة على حجم التمويل، وإنما على التخصص والانتقائية وسرعة التدخل وإقامة المشروعات النموذجية وبناء الصلات المباشرة مع المؤسسات والكوادر المحلية.

ويتحرك إلى جانب الماشاف عدد من المؤسسات والشركات والمنظمات الإسرائيلية وغير الحكومية التي تسهم بدورها في توسيع نطاق الحضور الإسرائيلي. ومن الأمثلة على ذلك منظمة الابتكار أفريقيا، وهي منظمة غير ربحية مستقلة عن الماشاف، تعتمد على التقنيات الإسرائيلية في مجالات الطاقة الشمسية والمياه والزراعة، وتشير بياناتها المنشورة إلى أن مشروعاتها منذ تأسيسها عام 2008 وفرت خدمات المياه والطاقة لملايين السكان في عشر دول أفريقية، من بينها إثيوبيا وتنزانيا والكاميرون ومالاوي والسنغال وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وتذكر المنظمة حاليًا أن أنشطتها أثرت في حياة أكثر من 4.2 ملايين شخص، وهو ما يعكس اتساع نطاق توظيف التكنولوجيا الإسرائيلية في مشروعات ذات طابع إنمائي وإنساني.

وبالتوازي مع هذا المسار التنموي والاقتصادي، تمتد العلاقات الإسرائيلية مع عدد من الدول الأفريقية إلى مجالات الدفاع والأمن والاستخبارات والتقنيات الأمنية، وهي مجالات تكتسب أهميتها في قارة تواجه قطاعات منها تحديات مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة وحماية الحدود والأمن البحري والأمن السيبراني. وقد أشار رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي نفسه عند مناقشة العلاقات الأفريقية الإسرائيلية إلى تنوع اتفاقات التعاون التي تربط إسرائيل بعدد كبير من دول القارة، والتي تشمل إلى جانب الزراعة والصحة والابتكار مجالات الدفاع والأمن والاستخبارات. ومن ثم فإن دراسة الماشاف تكتسب معناها الكامل عندما توضع داخل هذه الخريطة الأوسع من الأدوات الاقتصادية والتنموية والدبلوماسية والأمنية التي توظفها إسرائيل في علاقاتها الأفريقية.

وتنبع أهمية الدراسة من أنها لا تتعامل مع الماشاف باعتبارها مجرد غطاء لنشاط سياسي، ولا تفصل نشاطها التنموي عن حسابات السياسة الخارجية وهي الأشمل والأعم. باعتبارها تنطلق من أن الدبلوماسية الإنمائية تقع عند نقطة التقاء المنفعة التنموية ومصلحة الدولة المانحة؛ ومن ثم يصبح السؤال الأكثر جدوى: إلى أي مدى نجحت الماشاف في تحويل المعرفة والخبرة الفنية إلى علاقات مؤسسية ممتدة ونفوذ سياسي، وأين تقف حدود هذا التحويل؟

ومن نقاط القوة في الدراسة أنها تضع الحجم الحقيقي للنشاط الإسرائيلي في سياقه. وفقًا لما تضمنته هذه الدراسة فإسرائيل ليست من كبار المانحين الماليين لأفريقيا مقارنة بدول لجنة المساعدة الإنمائية أو الصين أو بعض الفاعلين الإقليميين؛ ولا تتمثل ميزة الماشاف في تمويل مشروعات البنية الأساسية الكبرى، بقدر ما تتمثل في الانتقائية والتخصص وسرعة التدخل والتدريب والمشروعات النموذجية وبناء شبكات الاتصال مع الوزارات والجامعات والمسؤولين. وهي نقطة بالغة الأهمية؛ لأن قياس النفوذ بحجم الأموال وحده قد يحجب أثر أدوات محدودة التكلفة ولكنها مصممة للوصول إلى قطاعات ونخب بعينها.

وقد اتسعت مجالات عمل الماشاف في القارة لتشمل الزراعة وإدارة المياه والأمن الغذائي والصحة والتعليم والابتكار والتنمية المجتمعية، مع التركيز على التدريب الفني والمشروعات التطبيقية. وتكشف البيانات عن استمرار المكانة الخاصة لأفريقيا في البرامج الميدانية للوكالة، وإن كان هذا الوزن في التدريب لا يقابله بالضرورة وزن مماثل في حجم المساعدات المالية.

وتزداد أهمية تناول هذه الأداة في المرحلة الراهنة في ضوء ما تشهده العلاقات الإسرائيلية الأفريقية من تداخل بين التعاون الثنائي والخلاف على المستوى القاري. فبينما تحتفظ إسرائيل بعلاقات مع عدد كبير من الدول الأفريقية، تظل القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في مواقف الاتحاد الأفريقي. وهذه المفارقة هي إحدى القضايا التي تحسن الدراسة إبرازها ومؤداها أن نجاح العلاقات الثنائية لا يعني بالضرورة تحولًا موازيًا في الموقف الأفريقي الجماعي.

ولا تفترض الدراسة أن نجاح مشروع تنموي يؤدي تلقائيًا إلى تغيير مواقف الدول الأفريقية في القضايا السياسية. بل تخلص إلى أن الماشاف تستطيع أن تفتح الأبواب، وتحافظ على قنوات الاتصال، وتنتج مصالح وشبكات مؤسسية، لكنها لا تستطيع وحدها إلغاء تأثير القضية الفلسطينية أو الذاكرة الأفريقية المرتبطة بمقاومة الاستعمار.

ومن منظور بحثي، تكتسب دراسة هذه التحركات أهمية مباشرة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها أفريقيا في حسابات الأمن القومي المصري، ولا سيما دول حوض النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر. وقد شهدت السنوات الأخيرة اتساع الحضور المصري في القارة عبر مسارات سياسية واقتصادية وتنموية وأمنية متوازية، بما في ذلك تنشيط العلاقات مع الدول الأفريقية، وتعزيز حركة التجارة والاستثمار، وتشجيع الشركات المصرية على التوسع في الأسواق الأفريقية، والمشاركة في مشروعات كبرى في مجالات الطاقة والبنية الأساسية، ويبرز في هذا السياق مشروع جوليوس نيريري للطاقة الكهرومائية في تنزانيا بوصفه أحد النماذج الدالة على قدرة الشركات والخبرات المصرية على تنفيذ مشروعات استراتيجية واسعة النطاق.

ويضاف إلى ذلك الدور الذي تضطلع به الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية التابعة لوزارة الخارجية من خلال برامج التدريب وبناء القدرات وتبادل الخبرات في مجالات الصحة والزراعة وإدارة الموارد المائية والطاقة وغيرها. وتوضح الدراسة أن النموذج المصري قد يتشابه مع الماشاف في اعتماده على التعاون الفني وبناء القدرات، لكنه يتميز باتساع مجالات التدخل وتعدد الأدوات والمؤسسات المشاركة فيه. كما تكتسب مصر أهمية خاصة في ملف إعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات في أفريقيا مع استضافة القاهرة مركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات، بما يوفر مسارًا إضافيًا لتعميق الحضور المصري وربطه بأولويات أفريقية مؤسسية.

ولا تنظر الدراسة إلى هذه المسارات التي تتحرك فيها مصر اعتمادًا على دورها المتنامي في الوقت الراهن في افريقيا باعتبارها مجرد رد فعل على النشاط الإسرائيلي، بل تنتهي إلى أهمية تكثيف الحضور المصري الذي يقوم على المبادرة وعلى تقديم قيمة مضافة حقيقية للشركاء الأفارقة. ومن هذا المنظور يصبح التحدي هو الانتقال من متابعة تحركات الآخرين إلى بلورة استراتيجية متعددة الأبعاد تجمع بين الدبلوماسية والشراكات الاقتصادية والمشروعات التنموية والتعاون الفني والأمني، وتستفيد من منطقة التجارة الحرة القارية ومن خبرات الشركات المصرية ومن القدرات المؤسسية للدولة في الزراعة والمياه والطاقة والصحة والتعليم والتدريب.

وتؤكد خاتمة الدراسة أن الفاعلية المصرية لا تتحقق بمجرد الدخول في سباق مع أي طرف إسرائيليًا أو دوليًا، وإنما بطرح مبادرات ومشروعات ذات أثر قابل للاستمرار، وتوسيع الشراكات مع الدول والمؤسسات الأفريقية، وبناء شبكات مصالح طويلة المدى ترتبط بالأولويات الفعلية للقارة. كما تشير إلى أهمية الجمع بين البعد السياسي والدبلوماسي والبعد التنموي والفني والمتابعة الأمنية والاستراتيجية، مع إعطاء الأولوية للمبادرة المصرية بدلا من الاكتفاء برد الفعل.

وفي هذا السياق يمكن فهم ما تصفه الدراسة بالإحياء الثاني للحضور المصري في أفريقيا في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تستند إلى رصيد تاريخي وموقع جغرافي وقدرات بشرية ومؤسسية ومصالح متبادلة، وتتحرك عبر مؤسسات الدولة والقطاع الخاص وأدوات التعاون والتنمية. ومن ثم فإن دراسة الماشاف والتحركات الإسرائيلية في القارة لا تستهدف تضخيم قدرة إسرائيل ولا التقليل منها، وإنما تسعى إلى بناء معرفة أكثر دقة بمصادر قوتها وحدودها، وفي المقابل التعرف على مجالات الميزة النسبية المصرية وسبل تعظيم الاستفادة منها بما يحفظ المصالح المصرية ويعزز الشراكة مع الدول الأفريقية.

إن القيمة الأساسية لهذا الإصدار تكمن في انتقاله بالسؤال من مجرد رصد ما تقوم به الماشاف في أفريقيا إلى أسئلة أعمق تتعلق بما تستطيع تحقيقه بالفعل، وحدود أثرها، وكيفية تفاعل التنمية مع السياسة في نشاطها، والفجوة المحتملة بين كثافة الحضور وبين القدرة على تحويله إلى نفوذ مستدام. وهي أسئلة لا تساعد فقط على فهم واحدة من أقدم أدوات السياسة الخارجية الإسرائيلية وأكثرها استمرارية، وإنما تتيح قراءة أكثر واقعية لطبيعة التنافس والشراكة والنفوذ في القارة الأفريقية، في مرحلة يتعاظم فيها الوزن الاستراتيجي لأفريقيا في النظامين الإقليمي والدولي.

وفي هذا الإطار يقدم المركز القومي هذه الدراسة، إسهامًا منه في فهم أكثر عمقًا لأدوات التحرك الإسرائيلي في أفريقيا، وانطلاقًا من أن حماية المصالح المصرية وتعزيز الحضور المصري في القارة يبدأن بالمعرفة الدقيقة، ويتعززان بالمبادرة، وبامتلاك أدوات تعاون وتنمية قادرة على إنتاج مصالح مشتركة وعلاقات مستدامة مع الدول والشعوب الأفريقية. وذلك من خلال تقديم بدائل استراتيجية متقدمة تعتمد على عمقها التاريخي وميزاتها النسبية وإمكانياتها الخلاقة والمؤثرة والفعالة وباعتبار أن العهد الحالي يمثل الإحياء الثاني للحضور المصري الكبير في القارة الأفريقية بفضل القيادة السياسية المصرية ومؤسسات وأجهزة الدولة التي تخطط برؤية استباقية واستشرافية كبيرة في الحفاظ على مصالح الدولة المصرية.

العدد11
الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وسيناريوهات تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة
العدد 9
دور المؤسسة الدينية في إسرائيل
العدد8
دور المؤسسة العسكرية في إسرائيل (الواقع الراهن - المستقبل المنظور)
العدد 7
تطورات الأوضاع في إسرائيل وتأثيرها على مستقبل حكومة نتنياهو
Scroll to Top