استقر الشكل النهائي للأحزاب الإسرائيلية والتكتلات الكبرى بعد الإغلاق الرسمي لباب تقديم القوائم الانتخابية للكنيست السادس والعشرين وذلك في الثامن من سبتمبر 2026، وتأتي هذه الانتخابات المهمة في ظل سياق داخلي وإقليمي يتسم بالتعقيد الشديد، الأمر الذي يؤثر على اتجاهات الناخب الإسرائيلي، الذي لا يزال مترددًا ومرتبكًا، وليس لديه خيارات كبرى في التعامل مع هذا المشهد الانتخابي، خاصة أن الجمهور الإسرائيلي بات يطرح تساؤلات تتعلق بأزمة الداخل والتحرك في مواجهة المتغيرات الطارئة التي تفرض نفسها على الساحة السياسية الحزبية، التي تتميز بحالة غير مسبوقة من السيولة وعدم الاستقرار، بما يدفع الجمهور الإسرائيلي للتعامل وفق رؤى متغيرة قد تؤثر على نمط التصويت الانتخابي بل وعلى تفتت الأصوات وربما أيضًا ما يعرف بظاهرة الأصوات العائمة، التي قد تؤدي إلى مزيد من التقلبات المحتملة في التصويت الاحتجاجي أو العقابي على سلوك الحكومة وتوجهاتها الراهنة سياسيًا وعسكريًا.
كما يظهر هذا التعقيد على مستوى الأحزاب السياسية نفسها، فعلى الرغم من خروج بعض القيادات وتدني موقفها وشعبيتها، فإن الليكود لا يزال متماسكًا، بما قد يُشير إلى أنه قد يكون رأس الحرب في إدارة المشهد الانتخابي، والموجه لأي تغيير حتى مع احتمالات صعود نجم الجنرال «جادي آيزنكوت» قائد حزب «يشار» الذي تصاعد حضوره في استطلاعات الرأي. إلا أن الواقع يُشير إلى أن الحزب لن يكون قادرًا على تحقيق الصدارة والأغلبية المتقدمة منفردًا.
في حين تبدو الأحزاب اليمينية الأخرى والتي تتواجد في الحكومة الحالية أمام مهمة صعبة لاجتياز نسبة الحسم البالغة 3.25%، في ظل التغيير المتوقع في شكل التفاهمات والترتيبات الرئيسة والمحتملة قبل الذهاب إلى الانتخابات، خاصة أن هذه الأحزاب لا تسعي للخروج من المشهد، ولكن التواجد والانخراط في العمل مع الليكود وتحت زعامة «نتنياهو» الذي حقق لها مكاسب كبرى من خلال تواجدها في الحكومة، وبالتالي فإنها ترغب في استكمال تنفيذ رؤاها ومخططاتها، وهو ما سيدفعها للإنصات إلى توجيهات الليكود في الفترة المقبلة.
وبالرغم من توجه الأحزاب العربية إلى فكرة القائمة المشتركة وإعادة ترتيب الأولويات والسعي لسحب أصوات الجمهور العربي والعمل على تجاوز نسبة الحسم، فإن هذه الاحزاب لا تزال تعاني من حالة من التشتت والتخوف من الانتقال إلى مشهد أخر متعلق بالموقف الانتخابي العام، على الرغم من أنها قادرة ولو نظريًا على لعب دور تاريخي في توجيه وإدارة المشهد المقبل.
إن احتمالات ذهاب إسرائيل إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية كما يريد الليكود ودعا إليها «نتنياهو» يعد أمرًا وارد الحدوث، فهذا النمط من الحكومة سيعمل – في ظل تشكيلها من أطياف مختلفة – على تبني خيارات متسعة ولا يتوقف عند برنامج محدد، كما يتماشى مع محاولات ودعوات عودة التماسك الاجتماعي ومعالجة حالة الانقسام الراهن حزبيًا وسياسيًا، لا سيما مع البيئة الإقليمية غير المستقرة، وتوجهات الجمهور الإسرائيلي المرتبكة والحائرة في التصويت لهذا الحزب أو ذاك.
بشكلٍ عام، تكتسب هذه الانتخابات أهمية استثنائية كونها الأولى منذ أحداث 7 أكتوبر 2023 والحرب على غزة، وتُشير حالة الحراك الداخلي، ونتائج استطلاعات الرأي إلى منافسة شرسة واختبار سياسي صعب لرئيس الوزراء الحالي «بنيامين نتنياهو»، وصعوبة حسم الأغلبية (61 مقعدًا) للمتنافسين بشكل مريح، مما يفتح الباب لأنماط جديدة من التحالفات السياسية للفوز بتشكيل الحكومة التي تحمل على عاتقها العديد من المهام والمسئوليات.

