يصدر هذا العدد الجديد من مجلة أوراق الشرق الأوسط في ظل استمرار حالة الاضطراب وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وهي مرحلة استثنائية شديدة الحساسية والتعقيد، حيث تعيش المنطقة على وقع تداعيات ومواجهات عسكرية مباشرة، وعلى الرغم من التوصل في بعض اللحظات الاستثنائية إلى هُدنٍ واتفاقياتٍ مؤقتةٍ، مثل مذكرة تفاهم إسلام آباد التي هدفت إلى وقف القتال وفتح الممرات البحرية، فإن المشهد الراهن لا يزال يتأرجح بين مساعٍ دبلوماسية متعثرة، واستنفار عسكري مُتبادل، مع تلويح مستمر بالعودة إلى الصراع الشامل.
تحولت أجزاء واسعة من منطقة الشرق الأوسط إلى مسارح للعمليات العسكرية والضربات المتبادلة، التي امتدت لتشمل القطاعات والبنى المدنية الحيوية، وتزامن ذلك مع الضرر الكبير والملموس لحركة الشحن والأمن البحري نتيجة إغلاق بعض الممرات الحيوية والاستراتيجية وتضرر بعضها الآخر، وارتفاع أسعار الطاقة ولا سيما النفط عالميًا، والتأثير المباشر على اقتصادات وبنى تحتية لعدد من الدول العربية، خاصةً التي كانت أراضيها مسرحًا لاختبارات القوة والإرادة بين الولايات المتحدة وإيران.
كما أدى الحصار البحري المُحكم الذي فُرض على إيران، إلى جانب سلسلة من العقوبات الاقتصادية التي طالت قطاعات حيوية إيرانية، إلى تحول الأداة الاقتصادية من كونها وسيلة لتغيير السلوك الإيراني ودفعها نحو التفاوض، إلى مُحفزٍ للتصعيد، الذي لا يزال خيارًا محل تفضيل من قبل بعض الاتجاهات والمؤسسات داخل النظام الإيراني.
وفي ظل هذه الحالة من السيولة الشديدة، تواجه الدول العربية معضلة كُبرى تتعلق بموازنة علاقاتها وشراكاتها السياسية، فبينما تسعى دول المنطقة إلى تفادي الضربات والهجمات، وإدارة ارتدادات الحرب، فإنها تجد نفسها في وسط ضغوط أمريكية وأمنية تدفعها للتنسيق الدفاعي، لذلك، فقد اتجهت بعض دول المنطقة إلى تشكيل أو الانخراط في أنماط مختلفة من التنسيقات والتحالفات السياسية والاستراتيجية، بهدف الحفاظ على أمنها واستقرارها ومصالحها من منظور مصالحها الوطنية
لقد أثبتت الأزمة الراهنة أن الاعتماد على مظلة أمنية خارجية يحمل العديد من المخاطر، حيث لا تضمن هذه المظلة حماية المصالح الوطنية أو العربية في لحظات الصدام المباشر بين المصالح المتنافسة، وبالتالي فقد برز تنويع الشراكات، ومحاولة بناء أطر سياسية وأمنية تقتصر على دول المنطقة، باعتباره خيارًا أكثر عملية، تدفع الضرورة باتجاهه، وهو الأمر الذي يُناقشه القسم السياسي من هذا العدد بمزيد من التحليل والبحث، حيث يُركز على التحولات الجارية في البنية الأمنية الإقليمية، ومواقف القوى الفاعلة والرئيسة، إقليميًا ودوليًا، من هذه التحولات الجيوسياسية، والتحديات التي تواجه عمليات إعادة هندسة وتشكيل النظام الإقليمي.
وفي قسم آخر من هذا العدد الجديد، فقد تم التركيز على دراسة مدى فاعلية البنى الأمنية القائمة في الاستجابة للمتغيرات والتهديدات الإقليمية، والعوامل المؤثرة والدافعة نحو تغييرها، بما في ذلك تقاسم الأعباء بين الحلفاء، وحيوية نُظم الإنذار المبكر الجماعية، وعمليات ضبط وإدارة التوازنات البحرية، في ردع التهديدات والحد من تداعياتها، إلى جانب حدود استجابة الفواعل العنيفة من دون الدول تجاه التحالفات الأمنية في المنطقة، ومستقبل تحالفات مكافحة الإرهاب.
ومع التأثيرات الاقتصادية المباشرة والملموسة للحرب الأمريكية الإيرانية، ومُجمل التطورات الإقليمية، فقد استدعى ذلك تخصيص قسم يدرس خريطة التجارة العالمية وأنماطها، والاتجاهات المحتملة لتطورها، إلى جانب دراسة حالة التنافس بين ممرات التجارة الدولية، وصراع السيطرة والنفوذ على مراكز وممرات الطاقة، واستراتيجيات إعادة تنظيم سلاسل الإمداد التي تأثرت بشدة بفعل التطورات الإقليمية.
وفي إطار المتابعات المُستمرة للمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط لأبرز الملفات المُثارة إقليميًا ودوليًا، يتضمن العدد دراسات وتحليلات مُعمقة حول قضايا الذكاء الاصطناعي، والانتخابات الإسرائيلية وتحولات الخريطة الحزبية ومستقبل الحكم في إسرائيل، وطبيعة العوامل المُؤثرة في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، كذا بعض التطورات الجارية في الأزمات المُستمرة، بما في ذلك الأزمة الصومالية، وصراع الأدوار في منطقة القرن الأفريقي… كل التوفيق للزملاء المشاركين في هذا العدد المتميز.

