لم تكن معركة الانتخابات الإسرائيلية وما تلاها من انتخابات أمريكية خاصة بالتجديد النصفي للكونجرس مجرد استحقاق تقليدي، ولكنها كانت تعبيرًا عن مرحلة مهمة تُحدد من يحكم سواء في الولايات المتحدة أم إسرائيل، وتكشف عن طبيعة التغيرات والتحولات التي طرأت على المجتمعين الأمريكي والإسرائيلي، والتفاعلات بين الأطراف المعنية التي لم تعد تقتصر على الفاعلين السياسيين والأحزاب الرئيسة، بل تمتد إلى مراكز التأثير في المجتمع الأمريكي بأكمله. الأمر الذي يعني أهمية التعامل بحذر كبير مع نتائج هذه الانتخابات لا سيما فيما يتعلق بتأثيراتها المحتملة على السياسات الأمريكية والإسرائيلية إزاء الشرق الأوسط.
إن الواقع الراهن، ووفق ما أفرزته الانتخابات سواء في الولايات المتحدة أم إسرائيل، يُثير بعض النقاط التي ينبغي التوقف عندها. ففي إسرائيل، لا يمكن تُوقع حدوث تغير سريع في السياسات، خاصةً أن النخب التي تصدرت الواجهة السياسية ليست بالجديدة، بل تم اختبارها من قبل في مواجهات عسكرية وملفات سياسية سابقة، وأن الاختبار للمواطن الإسرائيلي كان بين السيء والاسوأ، ولم يكن أمامه سوى شخصيات عسكرية ليس لديها أي خبرات حقيقية للتعامل مع الإطار السياسي، مما يؤكد على أن المشكلة الرئيسة ليست في اختيار حكومة جديدة وطبيعة تشكيلها حتى وإن تضمنت شخصيات من قوى اليمين المتطرف أو أي كان توصيفها، ولكن طبيعة المشروع السياسي والعسكري الذي تتبناه.
وتُشير الشواهد والتقديرات إلى محدودية قدرة أقطاب السياسة الإسرائيلية في الوقت الراهن على حسم تشكيل الحكومة، وهو الأمر الذي إن تأخر كثيرًا فسيذهب بإسرائيل إلى انتخابات جديدة، وحتى وإن تمكنت القوى الرئيسة من بناء توافقات وتفاهمات تُفضي إلى تشكيل حكومة وحدة، فإنه من المرجح أن تُعيد هذه الحكومة الجديدة إنتاج سياساتها السابقة، لاسيما فيما يتعلق باستئناف المهام العسكرية، كما أن السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية خلال الأشهر الأخيرة، خاصةً مخططات توسيع المستوطنات وإقامة أخرى جديدة، تثبت بما لا يدع مجال للشك أن الانتخابات الإسرائيلية كانت بمثابة تصويتًا شعبيًا على شكل الحكومة وليس على طبيعة السياسات المنتهجة.
وعلى الجانب الأمريكي، فقد أفرزت الانتخابات تحولًا مهمًا في موازين القوى داخل الكونجرس، بعدما تمكن الحزب الديمقراطي من السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في خسارة سياسية للحزب الجمهوري الذي كان يتمتع بالأغلبية فيهما، ويُسيطر على عدد من الولايات والدوائر الانتخابية. حيث جاء هذا الانتصار الديمقراطي مدفوعًا بالأساس بقدرتهم على مخاطبة أولويات المواطن الأمريكي، التي تركزت في ارتفاع الأسعار وتكلفة المعيشة وبعض السياسات الداخلية الأخرى خاصةً ملف الهجرة والأمن الداخلي، إلى جانب شن الحرب على إيران والتعامل مع ارتداداتها، وهو الأمر الذي لم يوليه الجانب الجمهوري الاهتمام الكافي.
اعترف الرئيس “ترامب” بأن الحرب الإيرانية وارتفاع تكلفة المعيشة بالنسبة للمواطن الأمريكي قد أسهما “جزئيًا” في هزيمة العديد من مرشحي الحزب الجمهوري، وهو ما ذهب إليه أيضًا نائبه “جي دي فانس”، مبررًا أن الحرب الإيرانية كانت ثمنًا يجب دفعه، وهي صيغة مشابهة لما أعلنه الرئيس “ترامب”، حيث أكد أن الحرب على إيران خيار سيتبناه مرة أخرى إن عاد به الزمن، خاصةً أنها أدت إلى تقويض قدرًا كبيرًا من القدرات العسكرية الإيرانية، ومنعت الأخيرة من امتلاك سلاح نووي.
عبر “ترامب” مبكرًا عن موقفه من الحرب الإيرانية بعد الانتخابات، حينما شنت الولايات المتحدة هجمات محدودة على جزيرة قشم الإيرانية وذلك عشية الانتخابات، وقد مثل ذلك رسالة مزدوجة، الأولى لإيران، مفادها أن الولايات المتحدة ستستمر في تنفيذ ضربات محدودة على الرغم من الهدوء النسبي بين الجانبين، وذلك حال إقدام إيران على استهداف الأصول العسكرية الأمريكية، وتنصرف الثانية إلى الداخل الأمريكي، وتحديدًا الديمقراطيين المنتصرين، حيث أن هذا الانتصار لا يقوض بشكل فوري وملموس من صلاحيات “ترامب” في تشكيل وتوجيه السياسة الخارجية، بما في ذلك استئناف الحرب على إيران.
وعلى الرغم من ذلك، فإن مكاسب الديمقراطيين تُمكنهم من ممارسة ضغوط أكبر لإنهاء الحرب، من خلال توظيف أدوات المساءلة وجلسات الاستماع والمخصصات والتمويل اللازم للحرب، وذلك بهدف الضغط على الإدارة الأمريكية وقراراتها، ومع تراجع شعبية الحرب لدى المواطن الأمريكي، واستغلال الديمقراطيين لهذا الملف لحصد الأغلبية، فإنه من المرجح أن تشهد العلاقة بين البيت الأبيض والكونجرس مواجهات سياسية عنيفة، حيث ستكون هذه المواجهات كاشفة للتحركات الجمهورية والديمقراطية على حدٍ سواء، لإعادة تشكيل المشهد السياسي استعدادًا للانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة.
وختامًا، فإن نتائج الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، وعلى الرغم من أهميتها، فإنها لا تُمثل عاملًا حاسمًا لإحداث تحول في سياسة البلدين تجاه منطقة الشرق الأوسط، فالأولى لا تزال تعتمد على الأداة العسكرية باعتبارها ركيزة التعامل الإسرائيلي مع الداخل الفلسطيني والجوار الإقليمي، في حين لا تزال الإدارة الأمريكية قادرة على شن المزيد من الهجمات على إيران، حتى وإن أدت السيطرة الديمقراطية على الكونجرس إلى المزيد من الرقابة على قرارات الإدارة، وتقويض مساحة الحركة التي تمتعت بها في وقت سابق.
